اقتصاد العالم ينام فوق بركان

font

اقتصاد العالم ينام فوق بركان

تسميات غير مسبوقة تلخص الواقع الذي يعيشه العالم اليوم وتعكس حالة القلق وعدم اليقين التي أرخت بظلالها على اقتصادات دول العالم، مثل "التهديدات الكبيرة" و"تجمّع الأزمات" و"التقاء الكوارث" و"الأخطار العالمية المتشابكة" وغيرها. تشير كل هذه التسميات الى أن البشرية باتت تنام فوق بركان لا تعرف متى يثور.

لا يوجد مؤتمر أو حديث اقتصادي إلا والغزو الروسي لأوكرانيا في صلبه، لا سيما تأثيراته السلبية على إمدادات الطاقة والغذاء وما نتج منها من إطلاق موجات تضخمية، وتداعيات تفشي فيروس كوفيد-19 والأخطار المناخية والبيئية.

وكان هيمن على منتدى دافوس في الشهر الأول من السنة الجارية إعطاء الأولوية لمعالجة المسائل العاجلة والضرورية على حساب الأمور المهمة والحيوية. وهذا يذكّر بقول مأثور للرئيس الأميركي الجنرال دوايت أيزنهاور يشير فيه الى ضرورة التمييز بين الملحّ والمهمّ، "فالمهم نادرا ما يكون عاجلا، وما هو عاجل نادرا ما يكون مهما". التمييز السابق هو الذي يجعل من الممكن تصنيف المهمات من أجل ترتيب الأولويات والتخطيط لها.

الأخطار التي تتطلب المعالجات الملحة والعاجلة للسنتين المقبلتين، هي عشرة بحسب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي للعام 2023. ترتيبها هو الآتي وفقا للأكثر إلحاحا: أزمة تكلفة المعيشة، فالكوارث الطبيعية والظواهر الجوية الشديدة، فالمواجهة الجغرافية الاقتصادية، ثم الفشل في التخفيف من تغير المناخ، فتآكل التماسك الاجتماعي والاستقطاب المجتمعي، وحوادث الأضرار البيئية على نطاق واسع، ففشل التكيف مع تغير المناخ، انتشار الجرائم الإلكترونية وغياب الأمن السيبراني، فأزمات الموارد الطبيعية، وأخيرا الهجرة غير الطوعية على نطاق واسع.

ويتوقع ان يتبدل ترتيب الأولويات الآنفة الذكر في المدى المتوسط، أي خلال السنوات العشر المقبلة بحيث تعود قضايا المناخ والبيئة والاحتباس الحراري والتنوع البيولوجي لتتصدر سلم الأولويات.

يبدو "أن العالم دخل في حلقة مفرغة يسودها خطر الجمع والتشابك بين الصعوبات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية" كما ترى المديرة العامة للمنتدى، سعدية زهيدي، فالتضخم يدمر القوة الشرائية، وتعمد الدول إلى الإنفاق من أجل تخفيف تأثيره، مما يفاقم ديونها غالبا، الأمر الذي ينعكس تدهورا في ماليتها العامة. ثم تنقلب الأزمات المالية لتصبح سياسية، عندما يكون هناك نقص في الأموال لتمويل الصحة والتعليم والأمن. وتصبح تلك الأزمات اجتماعية أيضا، مع تفاقم عدم المساواة والفرز العميق بين الأغنياء والفقراء.

ويغدو الأمر أكثر تعقيدا وخطرا عندما تتشابك هذه الصعوبات مع توترات جيوسياسية أو حروب، حيث يؤدي ارتفاع الموازنات العسكرية إلى إضعاف وسائل السلطات العامة، وتاليا القدرة على تخفيف الصدمات.

يقول المؤرخ آدم توز الأستاذ في جامعة كولومبيا الأميركية في مقال نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" بعنوان "أهلا في عالم متعدد الأزمات"، أن المشكلة تصبح أزمة عندما تتحدى قدرتنا على التأقلم، فكيف الحال عند تعدد الأزمات بحيث تعزز كل واحدة الأخرى فيغدو من الصعب للغاية إدارة الوضع، والأمور التي كانت تبدو خيالية في يوم من الأيام تصبح حقائق مُعاشة.

عالم الغد سيكون أقل وفرة وانفتاحا وأكثر تشرذما وهشاشة، وسيغلب الكلام عن اشتباكات جيوسياسية وجيو-اقتصادية أكثر تعقيدا لم يشهد العالم مثيلا لها من قبل

هذا الواقع المذكور، تبدّى قلقا لا بل نظرة تشاؤمية إلى المستقبل لدى غالبية الخبراء وصناع القرار الـ 1200 الذين تمت استشارتهم عند وضع تقرير المنتدى. فالاقتصاد العالمي سيشهد في نظرهم تقلبات مستمرة مع صدمات متعددة تفرز مسارات متباينة يتضاءل معها الأمل في أي حل مشترك لأي أزمة تهم البشرية، كالاحتباس الحراري مثلا.


ملخص تحليلات الخبراء في منتدى دافوس  مطلع  السنة كان أن عالم الغد سيكون أقل وفرة وانفتاحا وأكثر تشرذما وهشاشة، وسيغلب الكلام عن اشتباكات جيوسياسية وجيو-اقتصادية أكثر تعقيدا لم يشهد العالم مثيلا لها من قبل، وستكون الحروب الحقيقية والمجازية، لا الاقتصاد، هي الأفعل في تحديد المسار الذي بدأت ملامحه تتظهر في تجزئة العالم، وفي انكفاء وضمور خطوات العولمة التي شكلت منذ نصف قرن محور فلسفة دافوس. هناك خشية من أن تشكل الاضطرابات الاجتماعية واستياء المتضررين من الأزمات نتيجة تقلص القدرة على استيعاب صدماتها، استقطابات سياسية تتحدى وجود الأنظمة السياسية كافة، وتسهل على الشعبويين الوصول الى السلطة.
 

"المهم نادرا ما يكون عاجلا، وما هو عاجل نادرا ما يكون مهما"

الرئيس الأميركي الراحل الجنرال دوايت أيزنهاور

وسيكون هناك أيضا ركود تضخمي، وهو السيناريو الاسوأ، ويتميز بارتفاع ملحوظ في معدلات التضخم والبطالة،  مقرونا بنمو اقتصادي معاكس، متدنٍّ ومتباطئ. ولن يكون ممكنا الخروج منه الا بتحقيق نتائج  فضلى في ثلاث كلمات تبدأ بحرف "R"  بحسب قول ديفيد روبنشتاين صاحب أحد صناديق الاستثمار وهي: الركود Recession ، روسيا Russia والمعدلات Rates (أي معدلات الفوائد).

font change