هشاشة الردع الاميركي في الشرق الأوسط

AFP
AFP
مدرعة أميركية على مشارف الرميلان في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا، المتاخمة في 27 مارس 2023.

هشاشة الردع الاميركي في الشرق الأوسط

لم تحظ الشهادة العلنية التي أدلى بها قائد القيادة المركزية الاميركية الجنرال مايكل كوريلا في 23 مارس/آذار الماضي بما يكفي من الاهتمام، حين قال إن الميليشيات المدعومة من إيران هاجمت القوات الاميركية في سوريا 78 مرة منذ يناير/كانون الثاني 2021. لم يمرّ يوم واحد على حديث كوريلا هذا، حتى شن المقاتلون المحليون المتحالفون مع "الحرس الثوري الإيراني" هجوما آخر بطائرات مسيرة، أدى الى مقتل متعاقد اميركي وإصابة ستة من أفراد الخدمة الاميركية الآخرين. على إثر ذلك، وفي الساعة 2:40 صباحا بالتوقيت المحلي، أرسلت الولايات المتحدة طائرات مقاتلة من طرازF-15E إلى المنطقة وقصفت منشآت يُحتمل أن القوات المهاجمة المدعومة من إيران قد استخدمتها. وردت الميليشيات بدورها، بوابل من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة على قواعد التحالف.

ثمة أمور كثيرة ينبغي إبرازها في بيان كوريلا المثير للانتباه هذا، بدءا من وقوع الهجوم المميت ضد الأفراد الاميركيين بعد مضي أقل من ثلاثة أسابيع على زيارة رئيس هيئة الأركان المشتركة الاميركية مارك ميلي إلى شمال شرق سوريا، تلك الزيارة التي قام بها القائد الاميركي خصيصا لتقييم إجراءات الحماية الخاصة بالقوات الاميركية المؤلفة من 900 جندي اميركي يتمركزون في البلاد.

ولكن إن تخطينا توقف ميلي القصير في سوريا، يمكن استخلاص أربع نقاط رئيسة من كلمات كوريلا القوية، وتلك الصادرة عن طاقمه.

Getty Images
قائد القيادة المركزية الاميركية الجنرال مايكل كوريلا أثناء الشهادة العلنية التي أدلى بها

أولاً، إذا كان لدى أي شخص في واشنطن، أو في أي مكان في المنطقة، شكوك حول الأهمية الاستراتيجية لوجود القوات الاميركية المتواضع في سوريا، فإن عليه أن يعيد النظر في شكوكه هذه. فإيران لم تكن لتهاجم القوات الاميركية بلا هوادة لو لم يكن دورها رئيسيا.

ولئن تكن إيران قد عبّرت، طوال السنوات الماضية، عن رغبتها بطرد الجيش الاميركي من المنطقة بأسرها، ولطالما كان هذا الأمر هدفا استراتيجيا لطهران، لكن في سوريا تحديداً، ثمة مصلحة كاملة لإيران في طرد الاميركيين، الذين ما انفكوا يدعمون "قوات سوريا الديموقراطية" المناهضة للأسد (قسد) بقيادة الأكراد، التي تسيطر على معظم موارد النفط في سوريا.

إذا كان لدى أي شخص في واشنطن، أو في أي مكان في المنطقة، شكوك حول الأهمية الاستراتيجية لوجود القوات الاميركية المتواضع في سوريا، فإن عليه أن يعيد النظر في شكوكه هذه. فإيران لم تكن لتهاجم القوات الاميركية بلا هوادة لو لم يكن دورها رئيسيا

سوى أن للقوات الاميركية دورا آخر غير ضبطها التأثير السلبي لإيران، فهي ضرورية للغاية لمواصلة محاربة "تنظيم الدولة الإسلامية"، الذي لا تزال لديه، بحسب ما يقوله كوريلا، عشرات الآلاف من المقاتلين في سوريا، معظمهم في مراكز احتجاز موزعة في جميع أنحاء سوريا، غير أن العديد منهم أيضا ما زالوا طلقاء ويقومون بتجنيد الناس وبث عقائدهم، وشن هجمات لزعزعة الأمن الجماعي. وإذا غادرت القوات الاميركية سوريا، فلن يكون بعيدا ظهور نسخة أخرى من "الدولة الإسلامية".

ثانيا، إن اختيار كوريلا الحديث علنا عن عدد الهجمات التي وجهتها إيران ضد قواته من الرجال والنساء، يفصح عن الكثير. أغلب الظن أنه فعل ذلك لسببين: الأول، أنه قلق عموماً من أن تمضي واشنطن قدماً في خفض أهمية وضع القيادة المركزية الاميركية في الشرق الأوسط، كي تركز على منطقتي المحيط الهندي والهادئ إضافة إلى أوروبا، وهذا – إن حدث – سيؤثر على استقرار المنطقة، وعلى عمليات وأنشطة التعاون الأمني فيها (وفي لحظة معدة جيداً، من اليوم نفسه، الذي قدم فيه كوريلا الى الكونغرس، أعلن مسؤولون اميركيون أن الولايات المتحدة ستستبدل الطائرات المقاتلة المتقدمة في المنطقة بطائرات هجومية قديمة من طرازA-10).السبب الثاني، قلقه، مع تصاعد العنف الإيراني، من أن تغدو قوات القيادة المركزية الاميركية، في حال تقليصها، أكثر هشاشة وضعفا.

ثالثا، ذكر المتحدث باسم القيادة المركزية الاميركية، الكولونيل جو بوتشينو، أن الولايات المتحدة ردت ثلاث مرات فقط على الهجمات الـ 78 التي شنتها إيران وحلفاؤها. لِمَ كان الرد الاميركي ضئيلاً هكذا؟ ربما لم تكن تلك الهجمات المدعومة من إيران، خطيرة أو مؤذية كلها، وبالتالي لا تستحق بالضرورة ردا اميركيا. أو ربما استجابت واشنطن باستخدام وسائل أخرى سرية وغير حركية، بما في ذلك العمليات السيبرانية، لكن لا يسعنا التأكد من ذلك.

AP
تظهر هذه الصورة الملتقطة عبر الأقمار الصناعية الأضرار التي لحقت بمدرج مطار حلب الدولي بعد غارة إسرائيلية مشتبه بها هناك في حلب، سوريا، الثلاثاء 7 مارس 2023.

مع ذلك، فأن يظهر بوتشينو ليقول على الملأ إن القيادة المركزية الاميركية استجابت ثلاث مرات فقط لتلك الهجمات، لهو رسالة غير خفية إلى مجتمع الأمن القومي في واشنطن، بأن سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، في ظل إدارة بايدن، تقيد بشكل فعال الخيارات الانتقامية للقيادة المركزية الاميركية وتضعف قوة ردعها بطرق عديدة (لا تستطيع القيادة المركزية الاميركية بشكل عام أن ترد بالقوة المميتة على أي من تلك الهجمات، دون الحصول على إذن لا لبس فيه، يمر عبر التسلسل القيادي العسكري الاميركي بأكمله، وصولاً إلى الرئيس نفسه، في العادة).

معروف أن تقييم نجاح الردع أمر شاق إلى حدّ كبير. مع ذلك فثمة الاتفاق بين منظّري الردع جميعهم على أن الاتساق والشفافية أمران في غاية الأهمية في مسألة صدقية وفاعلية التهديد الرادع. هنا، تفشل واشنطن في كلا الأمرين. وليس هذا فقط لأن الولايات المتحدة غير منسجمة الى حد كبير في ردها، فحتى لو استجابت (على افتراض أن تلك الأساليب السرية وغير الحركية قد استخدمت)، فإنها تفتقر الى الشفافية. وما يزيد الطين بلة، أن لحكومة الولايات المتحدة سجلا حافلا في الافادة الفعالة من إجراءات كهذه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعبر أشكال أخرى تستخدمها لـ"بث الرسائل،" من أجل إقناع كل من الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية بأن الولايات المتحدة هي الفاعل المتضرر، وأنه مبرر لها تماماً اتخاذ مثل هذه الإجراءات.

تخبرنا كل هذه الديناميكية بكل ما نحتاج إلى معرفته عن طبيعة الردع الاميركي "موضع الخلاف" في منطقة الشرق الأوسط، كما وصفها، ذات مرة، رئيس القيادة المركزية الاميركية السابق الجنرال فرانك ماكنزي، وهذا يقودني إلى نقطتي الرابعة والأخيرة.

لا تحتاج الولايات المتحدة إلى المزيد من الطائرات المقاتلة أو السفن الحربية في الشرق الأوسط لردع إيران على المستوى الأدنى، لكنها تحتاج في المقام الأول إلى الاتساق وإظهار العزيمة

لن تنخرط إيران، على الأغلب، في عدوان دولة على دولة، ولن تغلق المضائق في وجه الطاقة في المنطقة، أو تحاول إطاحة نظامٍ صديقٍ للولايات المتحدة في الخليج، فهي تدرك التكاليف الهائلة لمثل هذه الأعمال. ومع ذلك، فقد دأبت باستمرار، حتى قبل يناير/كانون الثاني 2021، على إظهار أنها قادرة على تنفيذ العديد من الهجمات بأشكال مختلفة ضد مصالح الولايات المتحدة ومصالح شركائها، دون أن تبلغ عتبة الحرب التقليدية ودون أن تعاقبها الولايات المتحدة على ذلك. عادة ما يتولى وكلاء إيران تنفيذ هذه الهجمات للحفاظ على إمكان إنكار معقول (مع أن طهران ضربت منشآت النفط السعودية مباشرة، في أيلول/سبتمبر 2019 بالصواريخ والطائرات المسيرة، وهو ما أحدث صدمة موقتة في أسواق الطاقة العالمية). وليس سرا أن لدى إيران شبكة كبيرة من هؤلاء الوكلاء في جميع أنحاء المنطقة. لذلك، وبينما يبدو أن الردع الاميركي فعال عند المستوى الأعلى (يمكننا تقديم هذا الاستنتاج، لأن طهران لم تتجاوز أياً من الخطوط الحمر، التي ذكرناها أعلاه)، فإن هذا الردع نفسه يعاني صعوبات أكبر في المستويات الدنيا، حيث تعمل إيران بمهارة في المنطقة الرمادية. مواجهة هذا التحدي القديم والمتفاقم سوءا، تتطلب مقاربة استراتيجية أميركية جديدة، لشراكتها مع الشركاء العرب، بهدف تعزيز الردع المتكامل.

لا تحتاج الولايات المتحدة إلى المزيد من الطائرات المقاتلة أو السفن الحربية في الشرق الأوسط لردع إيران على المستوى الأدنى، لكنها تحتاج في المقام الأول إلى الاتساق وإظهار العزيمة. كما أنها في حاجة إلى شركاء عرب راغبين وقادرين على الوقوف بجانبها، ولكن هؤلاء الشركاء باتوا اليوم أقل ثقة بواشنطن. وحتى تتوفر كل هذه الأشياء – وهي كثيرة – ستتاح لإيران فرصة استراتيجية لإعادة تشكيل سياسات المنطقة وتحالفاتها لصالحها، وهذا ما بدأنا نشهده أخيرا.

font change

مقالات ذات صلة