السودان...رفض شعبي للحرب وخشية من الأسوأ

مواطنون يعتبرون ما يحدث صراع مصالح

AFP
AFP
تصاعد الدخان فوق المباني السكنية في الخرطوم في 16 أبريل الجاري، مع احتدام القتال في السودان لليوم الثالث.

السودان...رفض شعبي للحرب وخشية من الأسوأ

أفاق السودانيون على حرب طاحنة تتوالى أحداثها فوق رؤوسهم وبين بيوتهم وأحيائهم السكنية. عادوا إلى عيش حالة من الهلع والرعب اختبروها من قبل ويعرفون جيدا بشاعتها والندوب التي تخلّفها، وكل ما يستطيعون فعله حاليا هو إطلاق المناشدات لوقف الحرب والتعبير عن رفضهم لها رغم الشعور القاهر بأنّ هذه المناشدات قد لا تغيّر في الأحداث شيئا.

مصير مجهول

الحرب وقعت وقوع البلاء، ومصير الشعب السوداني الذي يعيش أزمات خانقة منذ سنوات بات مجهولا، والنتيجة التي يخشاها السودانيون هي "موت من لا يستحق الموت على يد من لا يستحق الحياة" مثلما يردّد بعضهم.

ورغم المناشدات الدولية والعربية لوقف الاقتتال، يبدو أن لا صوت يعلو فوق صوت الرصاص والقذائف في سماء عدد من المدن السودانية، ووحده المواطن العالق في الأحياء والمنازل ببناها التحتية الهشة، هو الأكثر عرضة للمخاطر، أمّا الأطفال في مناطق النزاع فيتعرّضون لأقسى أنواع الخوف والمآسي والانتهاكات الخطيرة، وهم الحلقة الأضعف في الحروب والنزاعات المسلحة. وليس أشدّ دلالة على واقع الحال، من الفيديو الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي ونرى فيه أبا سودانيا يعزف على آلة موسيقية لطفلته الخائفة في محاولة منه لكبت صوت الحرب وإعلاء صوت السلام والدفء في أرجاء المنزل، علّه يستطيع أن يعيد لطفلته لحظات من الأمان والطمأنينة فتمرّ لحظات الخوف أقل وطأة عليها.

الحرب وقعت وقوع البلاء، ومصير الشعب السوداني الذي يعيش أزمات خانقة منذ سنوات بات مجهولا.

اختيار "الحياد" ورفض النزاع

منذ اللحظات الأولى للنزاع المسلح، يبدو أن الشعب السوداني قرر اتخاذ موقف مناهض للحرب قبل أيّ اصطفاف سياسي، فانتشرت على منصة تويتر مئات التغريدات التي تدعو الشعب إلى عدم الانخراط في الحرب، إضافة إلى مناشدة المجتمع الدولي للضغط على طرفي النزاع لوقف القتال، خصوصا أنّ رحى الحرب تدور بين الأحياء السكنية والقذائف تسقط فوق رؤوس المدنيين العزل، مثلما وثقت عشرات المقاطع المصورة المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي أدّى إلى سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى من المدنيين.

AFP
سودانيون يحملون أمتعتهم هربا من نيران الحرب.

انتفض السودانيون عام 2019 للمطالبة بحياة كريمة، وما زالوا يصارعون دون جدوى لتحقيق هذا المطلب، وقد رفعوا منذ البداية شعار "سلمية سلمية" الذي أسقط النظام السابق دون إطلاق طلقة واحدة رغم القمع الذي تعرضوا له، فجلّ همهم الحصول على الحرية والحقوق، وهذا ما اختصرته سيدة انتشر لها مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي وصفت فيه معاناة الشعب بجملة واحدة: "هم يتصارعون لنهب الدولة والشعب والسلطة، ونحن نصارع من أجل أن نأكل ونشرب ومن أجل التعليم والعلاج". 

هذا هو حال الشعب الذي يعيش اليوم واحدة من أقسى التجارب التي يمكن أن يختبرها شعب أعزل. حالة قلق من حرب مجهولة المصير، والشعب لا يملك سوى إطلاق الحملات على منصات التواصل لوقف الحرب وإعلان رفضها عبر "عدم التجاوب مع دعوات التجييش من قبل طرفي النزاع والوقوف على الحياد"، والرهان الأكبر بحسب المناشدين هو "الوعي الشعبي"، فالسودانيون "دعاة سلام ولن يكونوا يوما دعاة للحرب"، وآخرون رفعوا شعار "صراع الجنرالات حول السلطة ليس صراعنا". إذن، شعارات ومناشدات عديدة تراهن على الوعي الشعبي خوفا من انغماس المدنيين في نزاع يخشى أن يتحوّل إلى حرب أهلية إن طال أمده، وحتى الآن يبدو أن المواطن السوداني الرافض للحرب لا يملك سوى تكثيف المناشدات للمدنيين بملازمة المنازل والاختباء وعدم الاقتراب من النوافذ والشرفات ومحاولة طمأنة الأطفال وحمايتهم.

AFP
تصاعد الدخان فوق مبان سكنية في الخرطوم في 16 أبريل 2023.

ما علمتم وذقتم

"الشعب السوداني اكتوى بنيران الحرب سنين طويلة ويعلم جيدا خسائرها، خاصة وأنها تقع بين قوتين تمتلكان عتادا حربيا ضخما، وأن رحاها تدور بين الأزقة والحواري"، هذا ما يؤكدّه لـ "المجلة" الصحافي السوداني المستقل عامر إسماعيل، ويضيف:"الضحية الوحيدة هو المواطن أولا ثم الوطن، الشعب السوداني قام  منذ أربع سنوات بثورة عظيمة ولم يطلق طلقة واحدة تجاه القوات التي كانت تواجهه في التظاهرات وقتلت منه العديد ومع ذلك تمسك بشعاره المعروف 'سلمية سليمة' وأكد أن الحل السلمي هو الذي يقود إلى الاستقرار والديموقراطية، أما الحرب فقد خبرها الشعب في جنوب السودان ودارفور وغيرهما ولم ينتج عنها إلا الدمار".

ورغم عدم امتلاك الشعب قرار في هذه الحرب، يؤكّد إسماعيل أنّ الخيار الوحيد الآن هو "توعية الشعب لعدم مناصرة أي طرف"، مؤكدا أنّ "هناك بعض المستفيدين من هذه الحرب لكن الشعب سيحبط جميع مخططاتهم".

"الشعب السوداني قام منذ أربع سنوات بثورة عظيمة ولم يطلق طلقة واحدة تجاه القوات التي كانت تواجهه في التظاهرات وقتلت منه العديد ومع ذلك تمسك بشعاره المعروف: سلمية سليمة"

عامر إسماعيل

إرباك وقلق

الشعب السوداني المقيّد بحروب الأقاليم وصراع السلطات من جيل إلى جيل يعيش اليوم حربا جديدة لم يتحضر لها رغم أن هذه البلاد اعتادت على اشتعال نيران الصراعات، ولكن يبدو أنّ غالبية الشعب هذه المرة يرفض الدخول في أتون حرب جديدة، خصوصا أنّه عانى من الحروب وما عنته من إراقة لدماء الأبرياء ومجاعة وانهيارات ونهب للثروات.    

AFP
تجمع الناس في شوارع شرق الخرطوم في 16 أبريل 2023، حيث احتدم القتال في السودان لليوم الثاني.

"الجميع في حالة خوف وارباك" هكذا وصف الصحافي المستقل خالد سعد اللحظات الأولى لبدء النزاع المسلح، وأضاف لـ "المجلة": "الحرب فاجأت الأغلبية، وحالة الفزع غير مسبوقة، الأمر الوحيد الذي يفعله المدنيون اليوم هو تبادل رسائل الاطمئنان والتزام المنازل، فغالبية مصالح المواطنين تعطلت، وأصحاب الأمراض المزمنة والإصابات الطارئة يعانون من عدم القدرة للوصول إلى المستشفيات التي هي نفسها تعمل بصعوبة نتيجة الأوضاع الأمنية". 

وتابع سعد: "تتحدث بعض الأسر عن مفقودين لديها وانقطاع اتصال مع أبنائها الذين كانوا خارج المنزل أثناء اندلاع المواجهات المسلحة، لا يزال اكبر مخاوف المدنيين استمرار القتال لفترة أطول واتساع رقعته".

وأكّد سعد أنّ "هناك تيارا عريضا يدعو إلى وقف الصدام، وغالبية الإعلاميين تبنوا رسالة بهذا الخصوص وجمعوا توقيعات تدعو إلى الاصطفاف ضد المواجهة، دون انحيازات سياسية أو جهوية أو قبلية.في الجانب الاخر، هنالك من يدعو إلى الاصطفاف إلى جانب القوات المسلحة ودعمها لأنها تمثل المؤسسة العسكرية الرسمية، ولكن الجميع متفق على أن المدنيين هم من سيدفع الثمن الأكبر في هذه المواجهة.وهنالك غياب للمعلومات، وهذه أجواء مناسبة ومحفزة للتهويل والتضليل الإعلاميين".

هناك تيار عريض يدعو إلى وقف الصدام، وغالبية الإعلاميين تبنوا رسالة بهذا الخصوص وجمعوا توقيعات تدعو إلى الاصطفاف ضد المواجهة، دون انحيازات سياسية أو جهوية أو قبلية 

خالد سعد

بدوره، رأى الصحافي السوداني إسماعيل علي أن "ما يجري من مواجهات بين الجيش والدعم السريع عمل مؤسف ينظر له السودانيون بمختلف فئاتهم بقلق بالغ لأنه معركة داخل المدن والاحياء الخاسر فيها الوطن الجريح من خلال ما تعرضت له مكتسبات البلاد ومنجزاتها من تدمير"، وأضاف لـ "المجلة": "حالة الرعب لازمت المواطنين لساعات طوال خاصة أنهم لم يعيشوا مثل هذه الاوضاع المأساوية من قبل، اشتباكات وطلعات للطيران الحربي فوق الأحياء السكنية، الشعب السوداني معروف بأنه شعب متسامح ومسالم يحب العيش في أجواء السلم وينبذ كل ما يتعلق بالحرب، لذلك التزم الجميع منازلهم وخلت الشوارع من المارة إلا للضرورة القصوى والكل يدعو بأن تنقشع هذه الحرب في أقرب وقت دون أن تخلف خسائر بشرية ومادية".

 

وتابع: "ما زالت الآمال معقودة بأن تتوقف هذه الحرب بشكل نهائي ويتفرغ أبناء الوطن الواحد لبناء دولتهم من خلال حكم مدني ديمقراطي تحقيقا لأهداف ثورة ديسمبر التي ما زالت تراوح مكانها دون تحقيق شعارها الشهير 'سلام حرية عدالة' وحتى ينعم هذا الشعب بالسلام والاستقرار الذي ظل ينشده منذ الاستقلال في 1956".

يبدو أن نيران الحرب لن تنطفئ في الساعات المقبلة، واشتداد المعارك هو السيناريو الأكثر واقعية، لكن رغم ذلك، فإن دعوات المدنيين العزل ومناشدات الاستغاثة للضغط على المتصارعين تغزو مواقع التواصل الاجتماعي، لعلّ أنين الجرحى وصرخات الأطفال وقلق الأهالي تطرق مسامع المجتمع الدولي والقوات المتقاتلة، فتبادر إلى إنقاذ شعب جلّ ما يطلبه السلام والحرية والعيش بكرامة. 

font change

مقالات ذات صلة