كل شيء هادئ على ضفة الشارع الأخرى

يوميات كاتب سوداني

Wafaa Salah
Wafaa Salah

كل شيء هادئ على ضفة الشارع الأخرى

عند السادسة صباحا لمحتُ الشابين النحيلين وهما يعملان بنشاط متوتر على نصب طاولة كرتونية متوسطة الحجم. كنت في انتظار بائع الحليب الذي اصطدته قبل أيام يتجول وحيدا غير عابئ بأصوات انفجارات الصباح، يقود حماره وعربته الكارو الصغيرة. جلست أتأمل الشابين النشطين، وقد انتهيا من نصب الطاولة، ثم تحركا سريعا وجلبا من مكان قريب جوالَين أفرغا ما بداخلهما وبدآ في رصّ بضاعتهما القليلة. قلت في نفسي بينما هدير الطائرة المقاتلة بدأ يخترق الفضاء "هما إذا بائعا خضر جديدان على المكان".

ربما حدث هذا في اليوم العاشر، أو الثالث عشر لاندلاع الحرب. تداخلت الأيام عندي وبت أخلط الأشياء، لكني أتذكر جيدا الوقائع وما يحدث في كل يوم، لا سيما أحداث الصباح المبكر، وهي صغيرة لكنها لافتة، من مثل أن أصادف مجموعة صغيرة من الشمّاسة الصغار- المشردين – يستيقظون للتو من النوم، ويبدأون بغسل وجوههم من "الكولر" (الثلاجة) بالماء البارد، ويدفعون بأقدامهم الحافية قطع الكرتون التي كانوا ينامون عليها بجانب "الكولر" نفسه. نائمون في الشارع غير مبالين بالقصف أو بهجوم عصابات الليل، أو تحليق الطائرات المقاتلة. غسلوا وجوههم بالماء بالبارد وأول ما فعلوه بعدها، أخرجوا أكياس النايلون ورطبوها بـ"السلسيون" وبدأوا استنشاق المخدر ليبدأ غيابهم مبكرا عن كل ما يحدث ويدور. اشتعلت الحرب أم لم تشتعل، ما الذي يعنيهم وهم أصلا في حرب تميتهم وتقتلهم في اليوم ألف مرة!

ذات صباح آخر وجدت أحد الشابين يجلس وحيدا أمام محله المرتجل لبيع الخضر؛ الطماطم والجرجير والبطاطس والبصل الأخضر مبتلة بالماء وموضوعة بصورة أنيقة وجاذبة، أما الباذنجان فكان مكرمشا ومتقلصا في سبيله إلى الموات. عصر أمس ذلك اليوم، تفجرت دانة (قذيفة)، شظايا، قنبلة.. متفجرة ما قريبا من منزلنا، وأكد الكثيرون أنها سقطت فوق سطوح أحد المنازل المجاورة. الشاب بائع الخضر حكى لي القصة بالتفصيل، منذ تحليق الطائرة إلى تردّد: دوي المضادات، فهو موجود هنا يشاهد كل شيء. قال "نعم سقطت فوق ذلك البيت"، وأشار إلى بيت من طابقين لا يبعد كثيرا عن موقع جلستنا. كان يحكي ببرود وكنت أستمع ببرود، وأرى من بعيد بعض السكان يدخلون ويخرجون من البيت المقصود. هل تعوّد الناس على ما يحدث؟ لا أظن. لكن، من أين لهم هذه اللامبالاة، هل هو الخوف، أم الاستسلام للقدر المرصود؟

REUTERS
يتصاعد الدخان فوق المباني بعد قصف جوي، خلال اشتباكات بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني في شمال الخرطوم ، السودان، 1 مايو/ أيار 2023.

طالت جلستي مع بائع الخضر الشاب ولم يحضر أحد للشراء. سألته: "لماذا تبقى هنا، في مواجهة الحرب، وبإمكانك العودة إلى بلدتكم؟". كنت أعرف بلدتهم، في ولاية الجزيرة، على مسافة ساعة ونصف الساعة تقريبا من الخرطوم، وهي آمنة، وأكثر سكان الخرطوم نزحوا بالفعل إلى الجزيرة، صوب بلدته والبلدات المجاورة لها. قال باختصار: "لا يمكن أن أجلس دون عمل، أنا مسؤول عن أيتام وأم مريضة". سكتُّ ووجدتُني تلقائيا أعلّق بصري بأكوام الطماطم والليمون والجرجير والباذنجان الميت، وأشعة الشمس قد بدأت تضربها. ربما فهم في ما أفكر، أو ربما تلك هي الفكرة التي كانت تشغله وقتها، قال: "نعم، هنا لا نبيع جيدا، فهناك أكثر من بائع خضر قديم بالمكان". صمت لثوانٍ وأضاف: "لكن اليوم أو غدا الصباح، سنرحل إلى الضفة الأخرى للشارع. المكان هناك أهدأ ولا باعة منتشرون".

 كان يحكي ببرود وكنت أستمع ببرود، وأرى من بعيد بعض السكان يدخلون ويخرجون. هل تعوّد الناس على ما يحدث؟ لا أظن. لكن، من أين لهم هذه اللامبالاة، هل هو الخوف، أم الاستسلام للقدر المرصود؟

2

قلت تداخلت عندي الأيام وتشابهت. اليوم يمضي بطيئا وأحسه طويلا لا ينتهي، تتخلله كوابيس النوم المتقطع متزاحمة مع الوهم الجميل بانتهاء كل شيء وعودة الحياة إلى ما كانت عليه. كل شيء متشابه ومعاد ومهدد بالزوال! الطائرة تحلق فجأة في الفضاء، لا تمضي سوى دقائق ثم تنطلق أصوات المضادات، ونظل نترقب أين يمكن أن تقع الشظايا، أو القذائف، أو ما لا أعرف من المتفجرات! نخرج في الصباحات المبكرة، في النهارات القائظة، في الليل البارد، ننتقل من أمام محل إلى آخر، نحتسي القهوة ونتغالط حول النهاية... نهاية الحرب!

في مرات كثيرة أجلس ليلا وحيدا، في البقعة ذاتها التي كان يجلس عندها بائعا الخضر المكافحان. أحاول مع نفسي فهم طبيعة ما يجري وما يقود إليه من مآلات. في جلساتي مع رفاق الشارع أجد صعوبة في طرح كل أفكاري، فالأغلبية يرون أن الحسم العسكري هو المطلوب، وأن على الجيش أن يدك الخرطوم إن تطلب الأمر، وبعضهم يرى أن "الهدنة" أمر لا طائل منه، ولا يضيف شيئا سوى إطالة أمد الحرب. كيف لقوة تشكلت في "الخلاء" أن تتمرد على جيش الدولة؟ هذا منطق أكثرهم. كيف يمكنك أن تقنعهم أن الدمار حين يقع – وقد وقع – لن يفرق بين جيش الخلاء وجيش الدولة وما بينهما من مواطنين مساكين. كيف يمكنك أن تقنعهم أن دك أو سحق أيٍّ من الجيشين يعني فتح آلاف بيوت العزاء في بوادي وقرى السودان البعيدة، وهي المغذّي الرئيسي لقوة الجيشين. نعم للجيش الواحد، ولـ"عنف الدولة المسيطر عليه"، ولا لتعدد الجيوش والتهديد بقوتها ومحاولة سرقة البلادبأكملها عبرها؛ لكن إن كان بالإمكان السيطرة على هذا كله دون إراقة دماء وبالحوار والمصالحة، ولصالح الدولة المسيطرة، والجيش الواحد، فما المانع؟

3

في اليوم الـ"كذا"، سألت قريبي الذي يسكن قريبا من مبنى الإذاعة والتلفزيون: "الضرب العنيف دا عندكم؟"، أجابني سريعا عبر واتساب "نعم"، وأضاف "لكن عادي تعوّدنا!".

سألته لأن الطائرات، وليست طائرة واحدة، كانت قد كثفت عبورها من فوق سمائنا في أحياء الثورات "كرري"، وفي المقابل أفزعتنا طيلة اليوم أصوات المضادّات التي كانت تنطلق متزامنة مع عبور كل طائرة مهاجمة. هل دكوا الإذاعة القومية؟ هل دكوا هنا أمدرمان؟ وما الذي تمثله الإذاعة في وجدان السودانيين، وهل تدميرها يعني حقا تدمير "ذاكرة السودان"، أم أن "السودان القديم" كله انتهى الآن واحترق ولا بد من نشوء سودان آخر جديد يتكون من رماد هذا الحريق؟ 

من اعتاد صوت الرصاص ودوي المتفجرات وأزيز الطائرات لن يعتاد مهما أراد هجوم اللصوص وتعدّي عصابات النهب المسلحة بالأسلحة البيضاء والمسدسات، وقيل أسلحة الكلاشنيكوف. انطلقت العصابات من عقالها وهاجمت الأسواق. من يهجم أولا، هل هم السجناء معتادو الإجرام ممن أطلق سراحهم في أيام الحرب الأولى، أم العصابات المسماة بـ"تسعة طويلة"، من سائقي الدراجات النارية وحاملي السواطير والفؤوس وأشكال الأسلحة البيضاء كافة؟ لكن مقاطع الفيديو المنتشرة لسرقة البنوك – في الخرطوم وأمدرمان – تقول عكس ذلك. فجميع من حضر من "الناس" شارك في السرقة الكبرى. ترى الناس يجرون وبين أيديهم أكداس الأموال. من كل السحنات والأجناس، وبالزي البلدي والإفرنجي، شيبا وشبابا. لا مجال هنا لاتهام جهة معينة، مترصدة ومحصورة باللون والعنصرية!

هوجم السوق الشعبي في أمدرمان، وهنا اختلف الهجوم، ولم يأخذ الشكل العفوي لسرقة البنوك، التي أتاحت لكل محتاج ضعيف النفس أن يأخذ ما ظنه نصيبه! ظهرت العصابات التي تخيف الجميع وهاجمت السوق الشعبي: البنوك، والشركات، والمحال الكبيرة والمواطنين الراجلين. كل شيء تعرض للهجوم والنهب والسرقة في عملية من الواضح أنها كانت منظمة ومخططا لها، حضرت فيها الناقلات والرافعات والأسلحة الخفيفة والقتل. رفعوا كل شيء بدءا من الأوراق النقدية وليس انتهاء بالدراجات النارية والثلاجات وحتى الركشات (العربات)!

REUTERS
منظر للقمر وطائرة هجومية تستعد لقصف جوي مع استمرار الاشتباكات في الخرطوم، السودان، 1 مايو/ أيار 2023.

الأسواق هوجمت بالتتابع، قال أحد رفاق جلسات النهار. بدأوا بأسواق بحري، المناطق الصناعية بحري. أجّروا الشاحنات لنقل البضائع الخفيفة والثقيلة، تحركوا من أحياء في بحري وتنادوا من أمدرمان، قضوا على كل شيء ثم اتجهوا إلى أسواق أمدرمان، السوق الكبير والسوق الشعبي، ويقال إنهم يخططون لغزو سوق ليبيا، وتلك هي الغزوة الكبرى إن نجحت. كنا نجلس في الشارع ونبصر الشاحنات مقبلة من الأسواق محملة مختلف أنواع البضائع، فطن التجار لخطورة الأمر وبدأوا – مجازفين – بنقل بضائعهم من الأسواق لتخزينها في منازلهم بالأحياء. ما الذي سيحدث إن انتهوا من الأسواق وراحت التخمة؟ بلا شك سيبدأون بمهاجمة الأحياء السكنية والهجوم على المنازل غير الآمنة. أين الشرطة؟

كل شيء متشابه ومعاد ومهدد بالزوال! الطائرة تحلق فجأة في الفضاء، لا تمضي سوى دقائق ثم تنطلق أصوات المضادات، ونظل نترقب أين يمكن أن تقع الشظايا، أو القذائف، أو ما لا أعرف من المتفجرات!



4

إنه اليوم"الدشليون" للحرب ولا نعرف بالضبط لمن الغلبة. الطائرات تطير والمدافع تدوي والحرائق تشتعل في الأنحاء ويموت جنرالات الحرب ألف مرة ثم يبعثون. إنها عبثية حقا مثلما وصفها الجنرال.

في هذا اليوم، أو الأمس، خرجت مبكرا لاستقبال بائع الحليب. لمحت الشابين النشطين وهما يبدآن نصب طاولتهما الكرتونية الجديدة، في تلك الجهة الأكثر هدوءا عند الضفة الأخرى للشارع. لم يمض وقت طويل ثم حلقت طائرة الصباح. اسمع صوتها ولا أراها. دقائق قليلة وبعدها سأسمع دوي المضادات. جلست على الأرض منتظرا.

font change

مقالات ذات صلة