بكاميرا وميكروفون... مرحبا بك في عالم "بيغو" السحري

المُشاهد هو العَرض

Nicola Ferrarese
Nicola Ferrarese

بكاميرا وميكروفون... مرحبا بك في عالم "بيغو" السحري

يعتبر العمل عبر الإنترنت أحد أهم الظواهر التي من المُمكن تتبع إنتاجاتها عالميا، الكثير من الفرص التي أتيحت للعمل وراء الشاشة ومن خلالها، الصورة المُعبرة بمليون معنى لم تعد كافية بوصفها تصويرا لسلعة أو لشيء مادي، بل برز على سطح العمل عبر الإنترنت جانب بشري تسويقي، دون أن يقوم المحتوى على المنتجات أو السياحة أو المعرفة أو الفن أو أي دلالة مادية أو معنوية أخرى، بل الإنسان ذاته هو المحتوى الذي من الممكن تسويقه والانجذاب إليه.

التسويق الذاتي

تبدو منصات مثل "تيك توك" و"بيغو" مجالا لصناعة المحتوى، وبالتالي لإنتاج الأعمال الاقتصادية من خلال النجاح في استخدامها: جانب مشهدي مُصور مع شروحات وإطلالة جيدة بكاميرا مقبولة قد تجعل أي شخص صانعا للمحتوى ومؤثر اجتماعيا. اندرجت أعمال كثيرة من هذا عبر الفضاء الرقمي، فبتّ تجد صُناع محتوى للطبخ والسياحة والصحة والرياضة، واستباحت استراتيجيات البث والعروض كل الآلية الإعلامية الكلاسيكية، وتحول كاتب النصوص (copywriter) في الشركات والعلامات التجارية إلى ما يُشبه التحفة الأثرية، في مقابل منصات وعروض مفتوحة يُجرب ويعرض فيها الصناع كل شيء عبر فيديو وصور وطريقة، أو (stylizd) -أسلبة /أسلوب -شخصي يبدو جذابا ومُنتجا؛ ما يؤدي إلى الانتشار رغم تفاوت الجهد بين الصُناع.

لقد تغير في العالم سحر الفنون، والإحساس الحميمي المُنتظر من فنان، أو ممثل، أو مسرحي، أو كاتب، أو حتى من نجم سياسي، فاجتاحت آلية التسويق الذاتي البشر العاديين دون أن يملكوا شيئا أو معنى يعملون على تسويقه، وتغير البُعد الروحي والمادي لدى متلقي الفنون التقليديين، من خلال مفهوم صناعة المحتوى والمؤثرين الاجتماعيين. حيث يقف الإنسان الحديث أمام مرحلة غير واضحة المعالم لتحديد مدى استخدامه لذاته وإدراكاته، أو قدراته على صناعة الأشياء، أو تقبلها والانجذاب إليها.

منذ نحو خمسة عشر عاما، أتاح الإنترنت سبلا للظهور والجذب الفردي دون أي معونة من التلفزيون، أو المجتمعات الإعلانية والاقتصادية الكُبرى. ولا يحتاج الإنسان بعد اليوم إلى أن يملك شيئا بين يديه ليظهره ويسوقه، ولا حتى لاكتشاف شيء جديد، أو أن يُصور تجربته في زيارة مكان ما؛ فهو قد يصيب النجاح بكل عفوية بعرض ذاته أمام الكاميرا وهو يفعل أي شيء. تنتشر في العالم صيغ للمتاجرة بالتواجد وراء الكاميرا فقط، دون أي استخدام لحالة ذهنية، أو تأمل، أو تحضير منطقي لعرض شيء ما. فإذا كان تاريخ البدء بالمتاجرة عبر الإنترنت بشكل شرعي بدأ عام 1979 -والتحقت بالإنتاج الإعلاني عبر الإنترنت كبار الشركات والوسطاء لنشر المنتجات والعروض السلعية- فإن البدء في تسويق الذات والكسب من خلالها، لم يبدأ إلا مع المنصات الحديثة التي تُكسب المال وفق العروض الشخصية عبر كاميرا وميكروفون. وهي عروض غير محددة، ولا تملك استراتيجية واضحة للنجاح بشكل أكيد، لكن لها سمات ثابتة يمكن تتبعها، أن تفتح الكاميرا وتبدأ رحلة البث، من الغناء إلى الرقص، ومن الحديث اليومي والعرض إلى الجنون أمام الكاميرا.

آلاف يظهرون عبر الشاشات وهم لا يحملون أي موضوع يقدمونه، أو حتى سلعة ما، أو تجربة حياتية يعرضونها، يجلسون لساعات ليظهروا أمام أناس لا يعرفونهم، ولا يملكون أي حوار أو موضوع للنقاش فيه

بثّ اللا شيء

تحقق منصة (Bigo live) انتشارا هائلا في سوريا. وكالات لشخصيات داخل التطبيق تتيح لأي متعاقد أن يدخل إلى مجال البث المأجور. تفتح الكاميرا، وعليك أن تحقق ميقاتا محددا من الساعات في البث المباشر خلال الشهر، وتحصل على كبسة زر كدعم من مشاهديك الذين لا يمكن تحديدهم أو معرفتهم أو حتى معرفة ما يجذبهم، لكن عليك أن تُجرب ما يجعل الجمهور متواجدا لمتابعتك. أي مشترك في"بيغو" يستطيع البث والمشاهدة أيضا، لكنك تحتاج إلى التواصل مع وكالة داخل "بيغو"لتأمين ربط للحساب، والدعم بالمبلغ المادي الذي يتشكل من الدعم المُقدم لك؛ فلا يمكن ربط الإنتاج عبر "بيغو" بحساب مالي داخل سوريا، فيضطر المُشتغلون على البرنامج إلى التواصل مع أصحاب الوكالات في الخارج. آلاف يظهرون عبر الشاشات وهم لا يحملون أي موضوع يقدمونه، أو حتى سلعة ما، أو تجربة حياتية يعرضونها، يجلسون لساعات ليظهروا أمام أناس لا يعرفونهم، ولا يملكون أي حوار أو موضوع للنقاش فيه. في الغالب يُبثّ اللاشيء تماما، لكن هذا اللاشيء أصبح جذابا للآلاف من السوريين لتأمين مستويات دخل مهما كانت التجربة قاسية أحيانا- فهي دون معنى أو جهد- ورغم ما يشبه سمة العبودية التي يطرحها البرنامج في الجلوس أمام الكاميرا -لدرجة أنك قد تشاهد فيها صاحب بث ينام والكاميرا مفتوحة دون أن يجرؤ أو تجرؤ على قطع البث- من أجل تحقيق المدة المطلوبة بالتالي الحصول على الأموال من البرنامج.

داخل البرنامج ومن خلاله تنشأ تحديات بسيطة، وألعاب وصراعات تنافسية، لا تملك بُعدا ذهنيا هاما، ولا معيارا تنافسيا حقيقيا، لكن هدفها التواصل بين المتبارين وكسب مشاهدات من أجل فروض المنتصرين على الخاسرين، والتحديات التي يمليها اللاعبون على بعضهم تخلق نوعا من الحماسة، وتجذب جمهورا للمشاهدة. 

شيء من هذا نجده في منصة "تيك توك"، لكنه بخلاف منصة "بيغو" يحتمل صناعة محتوى ثابتا ونسقيا، وأن تبحث عما قد تجده ممتعا وذا فائدة، بالتالي كمية المشاهدات والنجاح فيها يحتاج إلى آلية جذب معينة ومتنوعة، والفيديو على منصة "تيك توك" يبقى في الذاكرة التي تتيحها المنصة، ويمكن رؤيته مرارا، والعودة إليه، بخلاف "بيغو" فالبث المفتوح هو آليته الوحيدة، ودون إمكانية الاحتفاظ بذاكرة البث. لكن لجمهور المنصتين في سوريا معنى يقل بكثير عن صناعة المحتوى، هذا ما لاحظناه من محاولتنا رصد طبيعة البث أو المحتوى الذي يقدمه السوريون عبر صفحاتهم. تتزايد الاشتراكات ومشتركو البث، تُفتح الغرف الافتراضية لساعات، يكتفي من يبث بالإجابة عن أسئلة من الداخلين على غرفة البث، وقد يتشكل حوارعام، لكنه في الغالب أدنى من أن يكون موضوعا.

Getty Images

النساء الأكثر عملا

الأكثر عملا على "بيغو" في سوريا هن النساء، وهن الأكثر نجاحا وتحقيقا للربح والجذب. في مقابلة مع صاحبة بث مُنتظم عبر المنصة تبلغ من العُمر 22 عاما، أشارت لـ "المجلة" إلى أن الوكلاء المتعاقدين مع صانعي المحتوى هم سوريون يقيمون في الخارج غالبا، ويقبلون دعم أي فتاة ويدخلونها في الوكالة، مع شرط إرسالها لصورها وسماع صوتها، ويتعاملون مع الجميلات بطريقة خاصة، فيُتعاقد معهن ويُدفع المال لهن قبل البدء في البث، وذلك لقدرة المرأة الفاتنة على جذب المتابعين، خاصة ضمن معايير جمالية نمطية معينة. وفي مقابلة مع فتاة أخرى (27 عاما)، أشارت إلى أنها بعد أن حققت خلال خمسة أشهر حوالي خمسمائة دولار توقفت عن البث، لشعورها بأنها تتعب أكثر من استطاعتها تحمل العمل ضمن المنصة حاليا، وتشعر بإهانة لكرامتها حينما تتوسّل الدعم من المشاهدين، ولصعوبة احتمالها احتمالات التنمر عليها، أو ما شبهته بمحاولات التحرش الدائمة التي تتلقاها من المشاهدين. والتقينا شابا في الثلاثين، كان يبث ويتكلم داخل عمله، حيث يعمل ضمن محطة صغيرة لبيع المشروبات، يفتح الكاميرا ويصور نفسه أثناء العمل ويتكلم عبر المنصة، دون أي موضوع أو هدف، لكن طريقة كلامه وسخريته من كل ما يحصل معه، جعلتاه يحصل على مبلغ مالي جراء دعم المتابعين ومشاهدتهم المنتظمة له. الكثير من حلقات البث لدى النساء رصدناها وهن داخل نطاق أعمالهن، فللحفاظ على ساعات البث المطلوبة لا يغلقن الكاميرا، لا أثناء تنقلاتهن، ولا أثناء قيامهن بالأعمال الوظيفية.

لا يطلب الوكيل شيئا خاصا، فقط أن تملأ ساعات العرض المطلوبة من خلال البث المباشر، وأن تعتني الفتيات بجمالهن بشكل جيد.قد تفتح البرنامج في الرابعة أو الثانية صباحا أو ظهرا، وتشاهد فتاة بكامل أناقتها وهي تبث عبر المنصة كأنها تستعد لحضور حفل.الزمكانية غير مطلوبة بشكلها الواقعي، فالمشاهدون أحرار في المكان والزمان، بالتالي دائما يملك صاحب المحتوى مشاهدين أحرارا في الوصول والمتابعة، لكن صانع المحتوى يتحكم في الوقت والشكل واللحظة، وهو في حلةٍ يختارها وعليه الحفاظ عليها، هذه الحلة عند البعض تدخل ضمن معيار الجمال بشكله الرائج، فما إن يتحقق مال جراء جمال صانعة المحتوى حتى تتحول إلى الشكل المعياري الذي بدا مُنتشرا عبر الوسائط، المكياج الكامل مع تصفيف الشعر، واللباس المتجدّد أيضا، أي أن المشاهدة تتيح بُعدا حرا دوما في أي وقت وأي مكان، لكن على الصناع تنسيق الشكل للظهور، وأن يتجاوزوا أي إشكالية أو عقبة لظهورهم، وهم بالأصل يتجاوزونها ما إن يعتادوا على فتح الكاميرا أمام الآلاف، ولهذا إيجابية أحيانا، فالبعض يظهر في الفراش أو في السيارة، وكأنه بُعد تواصلي حميمي، لا تكلف فيه الذات نفسها أي بعد للظهور، بل فقط بشكل عفوي وطبيعي.

لا يلتزم صُناع المحتوى أو وكلاء العمل بحماية القاصرين، الذين يُمكنهم العمل عبر هذه المنصات دون أي رقابة أو حماية، إنه مبدأ بسيط، افتح الكاميرا والصوت وتكلم في أي شيء

صنعة الجمال

 ليس الجمال والصنعة الجمالية هما الجانب الجذاب فقط للمنصات، لكنهما جانب جوهري. يزداد عدد العاملين في "بيغو"، وعبر منصات مشابهة لم تحظَ بالشهرة، خاصة أنه لا يتطلب أي تحضير فعال، وكل الداخلين فيه يملكون وجهة نظر مُعينة بأنه عمل. وقد جذب العمل عبر الإنترنت بهذه الصفة الكسولة والرخوة مختلف الفئات والطبقات وحتى الأعمار، لا يلتزم صُناع المحتوى أو وكلاء العمل بحماية القاصرين، الذين يُمكنهم العمل عبر هذه المنصات دون أي رقابة أو حماية، إنه مبدأ بسيط، افتح الكاميرا والصوت وتكلم في أي شيء. تحول هذا هوسا، وتصاعدت نسبة البث السوري عبر المنصات، فالمبالغ التي تُجنى تجعل حجم المشاركة أعلى، والمحاولات لإثبات النفس عبر العمل أكثر هوسا.

في ظل الفقر والبطالة منح الإنترنت وسيلة للسوريين لإنتاج المال عبر أجسادهم ووجوههم، وأيضا طريقة ما لإبراز صوتهم وعرض شخصياتهم. ففي مجتمع مغلق يأخذ الإنترنت طابعا اجتماعيا أحاديا دون أي مستوى آخر لإيجاد الشخصية والتفاعل، لأن العالم الافتراضي يحقق صلات محتملة، أو طريقة إلى أن يتبادل السوري مع سوري آخر، أو أي شخص في العالم أي قضية يومية كانت أو حياتية. ودون أدنى شك نجح بعض المتاح عبر الإنترنت في تحقيق اكتشافات شخصية واجتماعية جيدة، ومنح الذات السورية وجودا، خاصة أن فتح الكاميرا والجلوس أمام متابعين غير محددين، سيجعل الشخصية والذات أمام مواجهة نوعية ومعينة من عري الذات وتطويرها، مهما بدا المعروض أو المقدم في اللغة والحوار بسيطا أو سخيفا. في بداية القرن العشرين، كان للفنان الفرنسي مارسيل دوشامب تجربة فنية هائلة على مستوى استخدام الأشياء والمواد الأولية اليومية في مجاز أو معنى فني، لم يستثنَ من هذا إبراز أشياء وأدوات الحمام بوصفها منحوتات فنية. نعرج على الفن وعلى تجربة مارسيل دوشامب لطرح فكرة قديمة، بدأت تتعالى أصواتها منذ منتصف القرن العشرين، لكسر الهوة بين الفن الشعبي والفن النخبوي، بين محترفي الفنون والموهوبين، والناس العاديين الذين لم يملكوا طريقا لموهبتهم، أو لإبراز قدراتهم كيفما كانت. منحت المنصات حرية لصناع المحتوى والمؤثرين، ممن يعرضون ما لا يُمكن عرضه عبر التلفزيون، أو حتى جعل اليوميات العادية مدار شأن هام، وذات ثقافة خاصة وجوهرية أيضا. وإن كان التلفزيون منذ نشأته مدارا لنخبة فنية واجتماعية، فإن الإنترنت منح الهامشيين وأصحاب اليوميات العاديين مجالا لعرض أنفسهم والاسترزاق من هذا أيضا. وليس هذا فحسب، بل التنافس بين مشتركي البرامج ضمن تحديات تتطلبها المنصة لجذب المشاهدين طقوسا وألعابا، كأن يرسم الخاسر في التحدي على وجهه، أو يصبغ وجهه بألوان، أو أن يغطي كامل جسده بالطحين. إنه مسرح مفتوح لكل شيء يحدث وراء الشاشة وأمامها، كل هذا لجذب المشاهدين من الضجرين والكسالى، أو ممّن لديهم رغبة في التفاعل مع حدث سواء أكان لعبة، أم مشاهدة فتاة جميلة، أم الفرح بالتواصل معها – ولو على مستوى بصري وصوتي محدود- أم حتى التفاعل الاجتماعي بحده الأدنى. إن شيئا من الحرمان الاجتماعي في سوريا يُمكن رؤيته في القنوط الهائل وراء الشاشات لمتابعة البث عبر المنصات واللهث وراءها، ورغم الهوس الذي خلقته المنصات بالجمال الأنثوي، والاستهلاك فيما يخص المرأة -بتنميطها بوصفها جميلة وجذابة- إلا أنه نتيجة طبيعية لثقافة عالمية ذكورية لم تعد تتراجع، بل تأخذ في سوريا شكلا هوسيا، جرّاء غياب التفاعل الاجتماعي والافتقاد لأي أنماط من التواصل الاجتماعي الطبيعي، بخلاف دول عربية تنشط اجتماعيا لتفريغ طاقات الشباب، وجعل منصات الإنترنت مدخلا لتفاعل معرفي واستكشافي. ليس الهوس بالمرأة أحد الجوانب الهامة على تلك المنصات، لكن مجرد وجود الإنسان أمام آخر، وممارسة طقوس أشبه بالواقعية عبر الكاميرا، ومشاهدة الألعاب والتكلم عن أي شيء ولو كان دون معنى، ليس إلا جوعا للمشافهة والعرض جعل السوريين تحديدا متفاعلين بشكل هائل مع المشاهدة والبث. وأيضا أن يكون الإنسان متاحا وحرا عبر المنصات لحريته في استهلاك ذاته أو شخصه بطريقة يراها مناسبة.

Shutterstock

يوميات عبر الشاشة

 يُشكل البث عبر المنصات بُعدا جديدا دون أي شك لحيوات البشر، البُعد التجاري الشخصي في تجربة منصات البث والمقاطع المُسجلة، البعض لم يعد يخرج من البيت، يكتفي برؤية العالم عبر الشاشات، والبعض يفتح البث في كل يومياته، ما لم نتحدث عمن يحاولون الرقص لجذب المشاهدين، أو حتى السخرية من النفس عبر المقالب والكلام، أو أي شيء جنوني قد يجذب متابعا او فضوليا.

 إلا أن بُعدا تجاريا كلاسيكيا بدأ يُستثمر من قبل مؤثري البث المباشر عبر المنصات. في مقابلة أجريناها مع المدير الإبداعي أدهم عبد الله، الذي يعمل لصالح شركة إعلانية في دبي، سألناه عن الإستراتيجية التي تتبعها الشركات الكبرى الإعلانية للاستثمار في مؤثري المنصات الإلكترونية، شرح لنا ما يلي: "شركات الإعلام تعمل تقريبا ضمن ثلاثة خطوط على سبيل المثال لا الحصر:

1- أن يكون مؤثّرو مواقع التواصل الاجتماعي لائقين للمنتج المُراد الإعلان عنه، أي أننا لا نستطيع دعوة أو استثمار مؤثر على مواقع التواصل لوجبة غذائية وهو معروف بتأثيره بما يخص منتجات أخرى مثل الملابس أو المكياج. أي أن لظهور المؤثرين عبر وسائل التواصل معنى ما لدى شركات الإنتاج أو الإعلان الكُبرى، أي على المحتوى الذي يقدمه المؤثر أن يكون من طبيعة المنتج المراد الترويج والإعلان عنه.

2-   ألا يقل عدد متابعي المؤثر عن عدد معين، حتى تحقق الحملة الإعلانية أهدافها، وذلك للوصول لأكبر عدد من الناس، وإن كان هذا يعتمد أحيانا على ميزانية العمل المراد استغلال صاحب المحتوى من خلاله.

3- تحليل صفحة ومحتوى المؤثر بدقّة، ومعرفة طبيعة المشاهدين والمتابعين، أعمارهم وفئاتهم وتوزيعهم الجغرافي ومن أكثر الفئات المتابعة لهم، والتي من الممكن استغلالها وذلك ليكون لائقا للمنتج والسوق المراد الترويج فيها".

عالمٌ مساحته كاميرا الموبايل والجسد، لا يحتاج مُخرجا ولا مدير إضاءة، أو نصا مكتوب. إنه الجسد والشخص أمام الجميع في عالمٍ موازٍ يقتبس من العالم الحقيقي آليات التكيف الذكي للإنتاج المادي، والرغبة في الشهرة والجذب

 من هنا نفهم كيف تستطيع شركات ناجحة التقاط مواهب مُعينة، أو إمكانية تخصيصها ضمن آلية كُبرى بعد أن استطاعت هؤلاء الموهوبون أو المؤثرون بشكلٍ ما تحقيق بُعد اجتماعي وقيمي. ينجح كثيرون في الوصول إلى منصات مختلفة وأكثر مهنية، أي ينتقلون من البث الفردي البسيط والذي قد لا يحمل أي معنى، نحو عمل مهني منظم وحرفي. الكثير من السوريين نجحوا في الوصول إلى شركات كبرى في الإمارات العربية المتحدة، من خلال عدد المتابعين الذي استطاعوا الوصول إليه.

في هذا يبدو جانبٌ خفي ومجنون، هناك أنواع من البث تُعنى بمواضيع إباحية، أو مواضيع ثقافية أو دينية، والبعض يغني ويرقص، وبعض السيدات أو كبار السن ينخرطون من أجل المال أو الرغبة في اللعب والتواصل، إنه عالم بلا حدود للذات في التعبير عن نفسها، والبعض يأخذ شكلا لا يريده لكي يجذب جمهورا، ليس ما يجذب الجمهور أبدا أي معنى معرفي أو متّسق، وما إن يزداد عدد المتابعين حتى يكون الطمع بمتابعين أكثر، ومحاولة للإثارة أكثر، إنها دراما لمتفرّجين كسولين فضوليين، خاصة أن سوريا بلا أي مكان ليتجمهر الجمهور، أو حتى طريق لأي موهبة لتجد نفسها. بعض التعبيرات الأشد شهرة هي التعبيرات التي كانت تُشبه اللغة الجسدية والسلوكية للشارع، الصراخ، الانفعال، الشتائم، أو من يكونون أشبه بالمهرجين، أو من يتوقعن إبهار المشاهد بجمالهن، أو السيدات المسنّات اللواتي وجدن في "بيغو"مكانا ليحاولن أن يفتعلن حديثا أو مشافهة تُكسبهن مالا. إنه عالم جديد وأكثر غرائبية من أي أدب عجائبي أو فنتازي، لأنه ليس سردا يوميا عما هو غائب، بل هو استنطاق مفتوح لليوم، وللجمال، وللقدرة على صنع شيء ما من أجل الجذب، عالمٌ مساحته كاميرا الموبايل والجسد، لا يحتاج مُخرجا ولا مدير إضاءة، أو نصا مكتوب. إنه الجسد والشخص أمام الجميع في عالمٍ موازٍ يقتبس من العالم الحقيقي آليات التكيف الذكي للإنتاج المادي، والرغبة في الشهرة والجذب، والشعور بأن الآخرين يملكون رغبة نحوه، محاولين أيضا جذب الواقع الإنتاجي إليهم عبر شركات اقتصادية كُبرى.

بين موضة العصر وفقر السوري وبحثه عمن يشاهده، منصات إلكترونية ستعرض للجميع مقابل لا شيء أحيانا، لكن أن تكون الحياة تمثيلية عبر الإنترنت ليس أمرا صعبا، أقلّه لحد اليوم مازال الذاهبون لذلك العالم يقاومون صعوباته ليعتاشوا. إنه عالم ما بعد الحداثة، حيث لا يكون لسؤال الجدوى أو الأخلاق أوالفائدة بُعدٌ مركزي، ولا معنى لأن تخضع الفنون لمعيار أرسطي أو غائي. لكل إنسانٍ يومياتٌ وسلوك قد يبدو جذابا ويحمل سمة مؤثّرة، وبالتالي سيملك جمهورا. ستنشط فنون مختلفة وصولا للعالمية عبر المنصات الرقمية، والبعض سيكتفي بالاسترزاق القليل وفق تعبيرات وعروض ذاتية وشخصية بسيطة، لكن هوس السوري بدعم من يشاهده أينما كان أصبح مرضا، وفي هذا العالم أمثلة غريبة يمكن مشاهدتها والتفكير مليا بها.

font change

مقالات ذات صلة