نوري الجراح: الشعر في ثقافتنا تجربة في اليتم

بعد فوزه بجائزة ماكس جاكوب

الشاعر السوري نوري الجراح

نوري الجراح: الشعر في ثقافتنا تجربة في اليتم

يعود تاريخ إطلاق "جائزة ماكس جاكوب" إلى العام 1950، وقد سبق أن نالتها شخصيات فكرية وشعرية عربية وعالمية مثل جاك دريدا وبرنار نويل وأدونيس وسليم بركات وعيسى مخلوف ومحمد بنيس.

أنجز الترجمة التي حملت عنوان "ابتسم أيها النائم" المترجم والصحافي أنطوان جوكي، وقد صدرت في 2022 عن دار "أكت سود" الفرنسية، وتضم مختارات من شعر الجراح في 224 صفحة تشمل أكثر من ثلاثين سنة من الكتابة، تبدأ من 1988 الذي شهد صدور ديوان "مجاراة الصوت" وصولا إلى العام 2019 الذي صدر فيه ديوان "لا حرب في طروادة".

الشاعر السوري نوري الجراح

المختارات تتبع في ترتيب القصائد نسق التسلسل الزمني من الجديد إلى القديم وتحتوي على مجموعة من القصائد المنشورة في دواوين "كأس سوداء" (1993)، "صعود أبريل"(1996)، "حدائق هاملت" (2003)، "الحديقة الفارسية" (2004) "طريق دمشق" (2004)، "يوم قابيل والأيام السبعة للوقت" (2012)، "يأس نوح" (2014)، و"قارب إلى ليسبوس" (2016).

حول معنى الجائزة، وفكرة الاعتراف والعالمية والتكريس، وأثرها في خلق شبكة تفاعل مع الشعر السوري وقضية السوريين، يقول نوري الجراح: "أنا لم أعول يوما على جائزة في الشعر. لطالما كانت جائزتي القصيدة، تلك الهبة الرائعة التي أرجع بها من مغامرة الكتابة، ولا مكافأة عندي تعادل هذه الأعطية".

جائزة ماكس جاكوب في نظره هي "اعتراف بشعر تدبّره مترجم ومحرر ودار نشر بالفرنسية، وهي إذ تكافئ شعري من خلال مختارات بالفرنسية تقدم التفاتة لا تقصدني وحدي. أسعدني أن أنال جائزة لم أترقبها، ويغبطني أن يحظى شعري بهذا التقدير من قبل لجنة الجائزة، فهي إلى قيمتها الرمزية العالية تحمل اسم شاعر وفنان فرنسي قضى في المعتقل النازي وهو ما يحتفي بالضرورة بالمعنى الذي تقاتل قصيدتي دفاعا عنه، حرية الإنسان وكرامته".

خاوية تلك الفكرة الشائعة التي ترى في الترجمة من العربية إلى اللغات الأوروبية ضربا من الاستقواء الثقافي على ثقافة النص الأصل عبر وهم انتزاع اعتراف بالحضور من ثقافة مهيمنة


خصوصية الجائزة

سبق أن تُرجم شعر نوري الجراح إلى لغات عدة، ولكن ما يمنح هذه الجائزة خصوصيتها بالنسبة إليه أنها "جاءت تتويجا لرحلة مع الترجمة الفرنسية حظي بها شعري بجهود خالد النجار، ورانيا سمارة، وصالح دياب، وأيمن حسن وأنطوان جوكي، الذي قدم ترجمة وصفت  بأنها بديعة، لمختارات شارك في استنساب قصائدها الصديق صبحي الحديدي، وعنيت بنشر الترجمات دور نشر عديدة وصولا إلى الدار المرموقة "أكت سود" باحتفاء خاص من قبل الصديق فاروق مردم بك الذي أفرد للمختارات أكثر من مائتي صفحة".

نادرا ما يكون تلقي الشعر عربيا منفصلا عن سياقات إعلامية واحتفالية ومهرجانية. التلقي الجمالي  نادر، لكن الجوائز، وخصوصا إذا كانت عالمية قد تفتح الباب أمام إعادة اكتشاف الشاعر بلغته الأصلية أو أمام قراءات مغايرة ومختلفة له.

عن فكرة الإضافة التي يمكن أن تمنحها الجائزة لشعره عربيا، يقول الشاعر السوري: "لا يمكنني أن أحدس ما الذي ستضيفه الجائزة إلى شعري عربيا، ولكنني أعتبر نفسي محظوظا بعدد لافت من الكتب النقدية التي وضعت ونشرت في شعري، وبنقاد قاربوا قصيدتي لهم مكانة بارزة في التجربة النقدية العربية المعاصرة".

يضيف معتبرا أن زخم التلقي النقدي أسس لجغرافيا قراءة تتجاوز الحيز المكاني السوري الذي اقتصر عليه شعره في الفترة الأخيرة. هذا البعد كما يصفه الجراح "يجعلني أشعر باستمرار أن قصيدتي، على الرغم مما عنيت به وارتبطت به في العقد الأخير من التعبير عن التراجيديا السورية، هي تعبير شعري يجد صدى له أبعد من الجغرافيا السورية للقراءة".

الشاعر السوري نوري الجراح

أوهام الهيمنة الثقافية

ما زالت النظرة إلى الترجمة في الوسط الثقافي العربي أسيرة فكرة تنطوي على قدر من الدونية، إذ ينظر الكثير من الكتاب والشعراء والمفكرين العرب إلى ترجمة أعمالهم بوصفها اعترافا بهم من سلطة ثقافية مهيمنة.

ينتقد الجراح هذه الفكرة بشراسة مشيرا إلى "خواء تلك الفكرة الشائعة التي ترى في الترجمة من العربية إلى اللغات الأوروبية ضربا من الاستقواء الثقافي على ثقافة النص الأصل عبر وهم انتزاع اعتراف بالحضور من ثقافة مهيمنة. لا أستطيع تجنب انتقاد هذا التصور وهذا المعنى المتهافت.كرامة النص في جدارة انتمائه إلى اللغة التي كتب فيها".

ما يجعل من النص منجزا جماليا وإنسانيا وفق رؤية الحائز على جائزة ماكس جاكوب يتحدد في "ابتكارية النص الشعري، وقوة تعبيره عن الوجدان العميق للإنسان بأي لغة كتب، وإلى أي حيز جغرافي انتمى، مهما بدا هذا الحيز بعيدا عن المركز المهيمن".

يشدّد الجراح على أن النص "طالما كان نصا يساهم في الخلق والابتكار والتعبير عن التوق الإنساني إلى الحرية والكرامة والسمو الجمالي، فإن ذلك من شأنه أن يجعله طرفا مشاركا في إنتاج فكرة العالم والعالمية".

ينبه لافتا إلى أن "تحقق العالمية يرتبط بالكيفية التي يكتب بها الشاعر، ومدى حفاظه على الشيفرة الخاصة به، والتي يمكن أن تقرأ بكل اللغات، وتجعله تاليا مقبولا وآيلا للتداول بين مختلف الثقافات الشعرية".

طالما كان نصا يساهم في الخلق والابتكار والتعبير عن التوق الإنساني إلى الحرية والكرامة والسمو الجمالي، فإن ذلك من شأنه أن يجعله طرفا مشاركا في إنتاج فكرة العالم والعالمية

تجربة في اليتم

يختم الشاعر حديثه للمجلة بما يشبه المناجاة قائلا: "لم يسبق لشعري المكتوب بلغتي الأم أن منح جائزة عربية، وعلى كل حال لست أعرف عن جائزة في العالم العربي مخصصة للشعر، وهذه مفارقة في ثقافة يحظى الشعر فيها بمكان مركزي بل هي في جوهرها ثقافة شعرية".

يسترسل: "هل أبتهج إذن بأن تكون أول جائزة ينالها شعري هي هذه الجائزة الأوروبية للشعر وليست أي جائزة عربية؟ هل أقول لنفسي ها إنني أخطو على أرض أخرى، فأنا شاعر في العالم في اعتراف غير مشروط بقوة الشعر وكونيته، وبالتالي قدرته على ردم المسافة بين الأنا والآخر، من دون أن أتأمل في حقيقة أن الشعر والشاعر في ثقافتنا العربية هما تجربة في اليتم؟".

font change

مقالات ذات صلة