طلال مدّاح صانع المزاج السعودي في الغناء العربي

غرد خارج السرب فأصبح مدرسة قائمة بذاتها

Nesma Moharam
Nesma Moharam

طلال مدّاح صانع المزاج السعودي في الغناء العربي

صنع طلال مدّاح بشخصيّته وكلمات أغانيه وطريقته الخاصة في الأداء وموسيقاه وألحانه، مشهدا بصريا وغنائيا يحيل بكل تجلياته على مجال سعودي خاص، ونجح في تحقيق الألفة العربيّة مع لهجة البلاد ومزاجها، كما يشهد له أنه استشرف لحظة التحديث التي تخوض السعوديّة مجالاتها في الميادين كافة، ومهّد لها.

ثورة "يا زارع الورد"

أغنية طلال مدّاح الأولى كانت "شفت القمر في المرايا" وهي من ألحانه وكلمات الشاعر عبد الرحمن بن سعود، لكنها لم تسجّل. أما الأغنية التي أطلقته في فضاء الغناء السعوديّ والعربيّ فهي "يا زارع الورد" من تلحينه وكلمات عبد الكريم خزام، وقد خرجت إلى النور عام 1959 وسُجّلت لصالح الإذاعة السعوديّة عام 1961.

تتجلّى استثنائيّة هذه الأغنية في أنها الأغنية العاطفيّة الأولى التي تسجّلها وتذيعها الإذاعة السعوديّة التي كانت لا تبث سوى الأناشيد الوطنيّة. من هنا نجحت في أن تكون حدثا، وخصوصا أن الجو آنذاك لم يكن يستسيغ هذا النوع من الغناء.

الرواج الكبير الذي لاقته هذه الأغنية سعوديّا وعربيّا شرّع أبواب التطوير من زاويتين، فنيّة واجتماعيّة.

ففي الزاوية الأولى، لم تخرج الأغنية في تركيبها الفني عن مألوف الأذن السعوديّة، لكنّها وسعته وطوّرته، عبر تعدّد البنى الموسيقيّة والإيقاعات التي دخلت في تركيبتها، فكانت أول أغنية "مكبلهة"، وهو مصطلح يصف الأغنية المتعددة اللحن والإيقاعات.

اجتماعيّا، إنّ تقبل الجمهور لهذا المزاج الجديد الكامن فيها ساهم في تغيير وجهات النظر حول الغناء التي انتقلت تدريجيّا من التحفظ إلى القبول فالترحيب وصولا إلى ما نشهده اليوم من احتفاء عريض بمسيرة مدّاح ليس بوصفه مطربا وموسيقيا عظيما وحسب، بل بوصفه أحد أركان الهويّة السعوديّة الفنية المعاصرة وأحد أبرز صنّاع خصوصيّتها.

Nesma Moharam

مشاركته الوحيدة في فيلم "شارع الضباب" إلى جانب صباح ورشيد علامة، أعطت شارة انطلاق السينما السعوديّة.

لم يحظ الفيلم بنجاح جماهيري، لكنه فتح العين على علاقة مختلفة وجديدة مع السينما، يمكن معاينة ملامحها في مشهد السينما السعوديّة الجديدة التي قدّمت تجارب ذكيّة ومثقّفة بصريّا وجماليّا، وقادرة على طرح إشكاليّات معقّدة بسلاسة وبلغة سينمائيّة قادرة على إنتاج أدواتها الخاصة.

كان طلال مدّاح يصر دائما على تأكيد انتمائه الفني إلى المحليّة وكان يقول "أنا متمسك بأسلوبي المحلي في الغناء ومن يحب ذلك فليستمع إليّ"

المزاج الغنائيّ السعودي

كان طلال مدّاح يصر دائما على تأكيد انتمائه الفني إلى المحليّة وكان يقول "أنا متمسك بأسلوبي المحلي في الغناء ومن يحب ذلك فليستمع إليّ". 

اللافت أن مسيرة الراحل التي شملت تعاونا مع أساطين التلحين العربي من مثل محمد عبد الوهاب، وبليغ حمدي ومحمد الموجي، لم تكن العلامة الفارقة في مسيرته. يمكن القول إنّ تلك التجربة كانت فاشلة، على الرغم من المكانة الكبيرة التي يحتلها كلّ الملحنين المصريّين الكبار، ذلك لأن كلّ ملحن منهم حرص على أن يجرّه إلى منطقته الخاصة التي لا تشبه شخصية مدّاح الغنائيّة ولا تعبّر عن مشروعه.

ما صرّح به بلباقته التي عرف بها، عن أسباب فشل لحن قصيدة عبد الوهاب "ماذا أقول" وردّها إلى كونه لم يشرف عليها بنفسه وتركها للموسيقار عبود عبد العال الذي لم يمنحها حقّها بالكامل، لا يعني أنّه لم يكن يعي تماما أنّ المزاج الذي صاغ به عبد الوهاب هذا اللحن لا يناسب روحه ولا طريقته.

 في تسجيل متوفر على "يوتيوب" يضم جلسة تجمع عبد الوهاب بمدّاح، نستمع إلى آهات انتشاء الموسيقار المصري الشهير بأغنية "أغراب" ولا يكتفي بذلك بل يمنحه لقب "زرياب".

ذلك الإعجاب دفع بحامل لقب "موسيقار الأجيال" إلى محاولة ضمه إلى مدرسته التي يعتبر أنها تجمعه بنجوم مثل عبد الحليم حافظ، ونجاة الصغيرة، وفايزة أحمد، بعدما تيقن من تميزه، حرص أن يجعل منه صدى لأسلوبه وانعكاسا لطريقته ومشروعه.

 

يسجّل لطلال المداح أنه عرف كيف ينجو من الفخ المغري الذي كان قد نصبه له عبد الوهاب، حين حرص على أن يوقّع معه عقد احتكار يمنعه بموجبه من تسجيل أغان لصالح شركات غير شركته.

خرج مدّاح من هذا المأزق الفنيّ والقانونيّ ورفض الإقامة تحت عباءة عبد الوهاب.

ساهم هذا الخيار بقوة في صنع هالته الخاصة التي بنيت على الأغاني المحليّة، سواء تلك التي لحّنها بنفسه، أو التي لحّنها له ملحنون سعوديون، وأطلق مرحلة "سعودة الغناء" عبر تعاونه مع الأميرين الشاعرين محمد العبد الله الفيصل وبدر بن عبد المحسن والملحن سراج عمر.

تحت ظلال هذا المشروع خرجت إلى النور أغنيات شهيرة مثل "مقادير"، "أغراب"، "ما أطولك يا ليل"، "غربة وليل"، "تعب الطريق"، "العشق"، "نام الطريق"، "الموعد الثاني"، كما برزت قدرات مدّاح التلحينيّة في أغنيات مثل "زمان الصمت" و"وعد".

Nesma Moharam

حرصه على الدفاع عن خصوصيّته قدّم خدمة جليلة للغناء العربيّ عموما والسعودي خصوصا، إذ أشاع فيه مزاجا جديدا يمتلك أدواته الخاصة وتقنياته المتمايزة، ويختلف عن المزاجين المصري واللبناني.

لقد نجا مدّاح بذكائه من أن يكون مجرد انعكاس لغيره، وصنع بنفسه ولنفسه موقعا خاصا قارع من خلاله سلطات الغناء العربي ووقف الى جانبها من موقع الشراكة والنديّة.

يسجّل لطلال المداح أنه عرف كيف ينجو من الفخ المغري الذي كان قد نصبه له عبد الوهاب، حين حرص على أن يوقّع معه عقد احتكار يمنعه بموجبه من تسجيل أغان لصالح شركات غير شركته


النجم الشخصيّ

النجم في عالمنا لا يشبهنا في شيء. النجوم يجتهدون في كلّ لحظة في إثبات عيشهم حياة أخرى لا يمكن أن نتخيّلها، ومنفصلة بالكامل عن حياتنا. 

راجت تاليا انطلاقا من هذا البعد ظاهرة احتقار الجمهور وازدرائه. من يتابع سيرة بعض الفنانين العرب المشهورين الآن، يعثر على مقاطع مصورة تظهر استخفافهم بجماهيرهم، واستعلائهم عليهم، وصولا إلى إهانتهم.

نجم أيامنا هذه حين يحاول أن يكون طريفا، لا يفعل ذلك بطريقة تلقائيّة، تقرّبه من جمهوره وتلغي المسافات بينه وبينهم، بل يفعله كأنه جزء من العرض المتعالي نفسه. يسوّق له على أنّه إضافة على ما يخترعه ويبيعه من بضاعة، ويفرض على الجمهور استقباله انطلاقا من هذا المعيار الذي يناقض مفهوم التواصل والتحاور.

صار النجم الحالي سلطة أو ناطقا باسم سلطة، في حين أنّ طلال مدّاح كان يؤمن بأنّ لا سلطة تعلو على سلطة الجمهور وبأنّه وحده من يحدد مكانة أيّ  فنان وحجمه.

كان طلال مدّاح من طينة أخرى من الفنانين. خفة ظله كانت امتدادا لشخصيته التي كانت تتبلور على المسرح حيث يلقي النكات ويتصرف بتلقائيّة شديدة وسمت سلوكه الشخصي والعام.

font change

مقالات ذات صلة