وداعا للودائع في لبنان

هل صار في بلاد الأرز "منطقة مصرفية حرة"؟

Jamie Wignall
Jamie Wignall

وداعا للودائع في لبنان

بعد الصدمة التي أصابت اللبنانيين قبل أكثر من ثلاث سنوات، ومن ثم كشف الستار عن وجود خسارة جسيمة في حسابات مصرف لبنان (المركزي) تفوق السبعين مليار دولار، توالت ما تسمّى "اجراءت المعالجة" عبر سلسلة من القرارات والتعاميم أصدرها المصرف تحت عدد من العناوين والمسميات. أولها، كان إطفاء هذه الخسارة من أرباح طباعة النقد، وهو الاقتراح الذي لاقى انتقادا لاذعا من رئيس الوفد الذي انتدبته إدارة صندوق النقد الدولي للتواصل مع لبنان بهدف وضع خطة للخروج من الأزمة، نظرا الى آثاره التضخمية الخطيرة.

ثاني هذه الاجراءات تمثل بشطب ديون الدولة للقطاع المصرفي، وهو اقتراح ورد في ما سمي خطة حكومة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي للتعافي المالي، الأمر الذي لاقى انتقادات قاسية، مما دفع بميقاتي الى رفده بمشروع اقتراح لإنشاء صندوق سيادي لاستثمار أصول الدولة يخصص قسم من عوائده لايفاء ودائع المودعين.

أما ثالثها، فهو توجه كارثي لا يزال ساري التنفيذ، ويقوم على تذويب الودائع مع مرور الوقت بتدابير وقرارات إدارية وممارسات متنوعة، منها اقتراح الفصل بين "الودائع المؤهلة" و "غير المؤهلة"، وإجراء اقتطاعات من الحسابات بالدولار في مقابل الفوائد التي سبق العمل بها بذريعة أنها ربا يعاقب عليه القانون لارتفاع معدلات هذه الفوائد عن تلك المعتمدة عالميا. وتضم هذه التدابير كذلك عمليات "ليلرة" الودائع (أي تحويل الودائع بالدولار قسرا الى الليرة اللبنانية كليا أو جزئيا)، وبأسعار صرف أقل بكثير من الأسعار الواقعية في السوق، مما شكل ويشكل خسارة تتراوح ما بين الـ 65 والـ 85 في المئة من قيمة هذه الودائع. يضاف الى كل ما سبق، رفع المصارف عمولة خدمات مسك الحسابات المصرفية وعملياتها باضطراد.

عمليات "ليلرة" الودائع (أي تحويل الودائع بالدولار قسرا الى الليرة اللبنانية كليا أو جزئيا)، وبأسعار صرف أقل بكثير من الأسعار الحقيقية، شكل خسارة فادحة للمودعين في المصارف تتراوح ما بين الـ 65 والـ 85 في المئة من قيمة هذه الودائع

أما رابعها وأخطرها، فهو التعميم الاساسي الرقم 165 الذي صدر عن مصرف لبنان منتصف شهر أبريل/نيسان الماضي، على أن يبدأ العمل به في بداية شهر يونيو/حزيران المقبل، والذي بدا من عنوانه أنه تعميم تقني بحت يتعلق بـ"عمليات التسوية الالكترونية العائدة للأموال النقدية"، لكنه يتضمن في الحقيقة أخطارا مصيرية بالغة الخطورة.

فالتعميم يطالب المصارف بفتح حسابات جديدة لدى مصرف لبنان بالليرة اللبنانية وبالعملات الأجنبية، تكون مخصّصة حصراً لتسوية التحويلات الالكترونية ومقاصة الشيكات والبطاقات بالأموال المسمّاة "الأموال النقدية"، التي عرّفها مصرف لبنان بأنّها الأموال التي تلقّتها وتتلقاها المصارف بعد تاريخ 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، إمّا من طريق إيداعات نقدية، وإمّا من طريق تحويلات من الخارج.

ركز الترويج للتعميم على حسنات عدة أهمها إعادة السيولة الى القطاع المصرفي، مما سيؤدي الى انخفاض سعر الصرف، وإعادة إطلاق بعض الخدمات المصرفية والتسليفات وفتح الاعتمادات، والحد من اقتصاد "الكاش" من خلال تنظيم التعامل بـ"الأموال الجديدة" التي يتم تبادلها خارج مصرف لبنان لتصبح عبر غرفة المقاصة الخاصة به، ما يفضي الى خفض تخزين الأموال النقدية وأخطار حفظها ونقلها والتأمين عليها، وهو ما كان في الإمكان تحقيقه بطبع نقود ورقية من فئة المليون ليرة وما فوق.

EPA
واجهة المبنى الرئيسي لمصرف لبنان في حماية عناصر من الجيش اللبناني في مواجهة المتظاهرين ومنهم عناصر من الأمن العام يطالبون بتعديل رواتبهم بعد التضخم الهائل في لبنان في يناير/كانون الثاني 2023


"منطقة مصرفية حرة" في لبنان! 

لكن تسجل على التعميم  سلبيات وأخطار جسيمة، أهمها مخالفته للقانون. فهو يقيم عمليا، من دون ان يسميها صراحة، "منطقة مصرفية حرة" لدى المصارف يستطيع فيها مودِعو الأموال الجديدة، بالليرة اللبنانية وبالعملات الأجنبية، نقدا أو بتحويلات مباشرة من الخارج، بعد تاريخ 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، استعمالها وبحرية كاملة، في كل الخدمات المصرفية، على عكس أصحاب الودائع قبل هذا التاريخ، الذين لا يستطيعون التصرف بها إلا بالقليل القليل وبخسارة فادحة، مما يشكل نحرا واضحا إداريا وإراديا لهذه الودائع، وهو أمر غير مقبول من كل التشريعات والشرائع.

كما أن إنشاء "منطقة مصرفية حرة" كهذه، لا يجوز بقرار إداري من مصرف لبنان، ولا حتى بقرار من مجلس الوزراء، بل يتطلب قانوناً خاصاً على غرار ما حصل عند إنشاء "منطقة مصرفية حرة" مماثلة في سبعينات القرن الماضي، خاصة بودائع غير المقيمين بالعملات الأجنبية تتمتع بعدد من الاعفاءات والامتيازات.
كما أن إنشاء مقاصة بالعملات الأجنبية يتطلب أيضا نصا قانونيا خاصا، كون الامتياز الممنوح لمصرف لبنان هو لإدارة إصدار الليرة اللبنانية وعملياتها، ولا يلحظ قانون مصرف لبنان وجود مقاصة بالعملات الأجنبية في ما خص تعامله بهذه العملات. 

كذلك، يتعارض إنشاء مقاصة بالدولار المحلي مع ما سبق أن طالب به حاكم مصرف لبنان المصارف واعتمده هو في التعامل معها، بأن تُجرى المدفوعات المبرّأة الذمة محليا، أي بالليرة اللبنانية، ولو كانت التزاماتها محررة بالعملات الاجنبية، مما ينفي، بحسب موقف الحاكم، أي حاجة الى المقاصة بالعملات الأجنبية. 

أخيرا، يقوم إنشاء المقاصات بالعملات الأجنبية عادة على فكرة تعزيزها أو إطلاقها للعمليات التجارية وحتى المالية خارج الحدود، كما حصل مع إطلاق مراكز مقاصة اليوان الصيني في كل من ألمانيا والمملكة المتحدة بمقتضى اتفاقات خاصة بين المصرف المركزي في كلا البلدين مع المصرف المركزي الصيني. وهذا ما ليس متوافرا في لبنان، إذ لا وجود لاتفاق خاص عقده لبنان مع الولايات المتحدة الأميركية في خصوص إنشاء مقاصة بالدولار على أراضيه تنظم شروط عملها، ولا وجود لعمليات تجارية أو مالية وازنة تبرر إنشاء مقاصة كهذه أصلا، كما هو الأمر بالنسبة إلى بريطانيا وألمانيا مع الصين.

على أصحاب الودائع بالدولار توقيع عرائض دعاوى جماعية في ساحات المدن والقرى، تُرفع أمام المحاكم الأميركية وتطالبها بوضع اليد على أخطر عملية إبادة مالية جماعية لودائع مئات الألوف من المودعين ومعاقبة المتسببين بها، أيا كانت مواقعهم العامة والخاصة، والحجز على أملاكهم وأصولهم

من جهة أخرى، يقضي التعميم الرقم 165 بتخصيصه إيداعات "الأموال الجديدة" لعمليات أصحابها حصرا، على أي إمكان لإعادة تكوين الودائع القديمة بالعملات الأجنبية (ما قبل 17 اكتوبر 2019) الأمر الذي يعتبر مخالفا على نحو صارخ وفج لما هو منصوص عليه في الدستور من حماية للملكية الخاصة ومن مساواة بين المواطنين وحماية الاقتصاد الحر، إضافة الى مخالفته واجب مصرف لبنان في الحفاظ على القطاع المصرفي وودائع الناس لدى هذا القطاع.

كذلك، فإن جمع الودائع الجديدة بالدولار مرة أخرى لدى مصرف لبنان بحجة لزوم عمليات المقاصة بالدولار، يجعلها عرضة لانقضاض مصرف لبنان عليها والتصرف بها عند أول فرصة من دون أي رقيب أو حسيب أو ضمان، تماما كما فعل ولا يزال بالاحتياطيات بالعملات الأجنبية لديه، بما فيها الإلزامية للمصارف، من دون اكتشاف أنّ قسما من الدولارات الموجودة في النظام المصرفي صارت وهمية إلى حين اندلاع الأزمة.

إبادة مالية جماعية

يعرض التعميم 165 لبنان لأخطار جسيمة لا طاقة له على تحملها، قد تبدأ بفرض عقوبات قاسية عليه، انتهاء بإقصائه من النظام المالي العالمي بسبب السماح بالتعامل وبتسوية المدفوعات بالدولار من خلال مقاصة محلية من دون المرور بالنظام الأميركي عبر المصارف المراسلة، أي من دون رقابة خارجية على حركة الأموال وشرعيتها. من شأن ذلك تسهيل تبييض أموال المخدرات والفساد وعوائد الجريمة المنظمة، وتمرير الصفقات مع الدول الخاضعة لحظر التعامل معها، وخصوصا بعد بروز صورة لبنان خلال السنوات الأخيرة كمرتع لتجارة المخدرات ومقر لتبييض الأموال القذرة وأيضا لتلويث الأموال النظيفة، وإدراج إحدى منظماته على لوائح الجريمة المنظمة دوليا وعلى لوائح مماثلة اقليميا وفي عدد من الدول.

علما أن الإدارة والمحاكم الأميركية متوافقتان على ضرورة مرور كل عملية بالدولار في النهاية في غرفة مقاصة قائمة على الأرض الأميركية، للتأكد ليس فقط من توافر سيولتها  (eligibility)، بل أيضا من توافر شرعيتها (legitimacy)، بحسب القانون الأميركي، وعلى فرض العقوبات.

التفسير الإداري والقضائي الأخير، يجب أن يستفيد منه أصحاب الودائع بالدولار لتوقيع عرائض دعاوى جماعية في ساحات المدن والقرى، تُرفع أمام المحاكم الأميركية وتطالبها بوضع اليد على أخطر عملية إبادة مالية جماعية لودائع مئات الألوف من المودعين لمعاقبة المتسببين به، أيا كانت مواقعهم العامة والخاصة، والحجز على أملاكهم وأصولهم أنى كانت، توطئة لاعادة الحقوق، وخصوصا أن القضاء الاميركي بات صاحب خبرة واسعة بهذا النوع من القضايا بعد إفلاسات أزمة الرهونات العقارية عام 2008. 

بالتوازي يمكن أيضا للمودعين المتضررين، مطالبة السلطات الأميركية المعنية بعرائض لاتخاذ القرارات والتدابير المناسبة لاغلاق مقاصة التعميم 165 نظرا الى عدم قانونيتها وعدم لزومها، ولجعلها البلاد مكشوفة على أخطار قاتلة، ريثما يتم وضع إطار عام للدولرة، دائم أو موقت، يوضح مبرراتها ويحفظ حقوق الجميع بالتساوي. 
 

font change