يوسا بلغة الضاد: أدب وفلسفة وسياسة

مقال نصف شهري في "الشرق الأوسط"

AFP
AFP
الروائي البيروفي ماريو بارغاس

يوسا بلغة الضاد: أدب وفلسفة وسياسة

منذ نحو سنة، يكتب الروائي البيروفي ماريو بارغاس يوسا مقالا نصف شهري في صحيفة "الشرق الأوسط"، متناولا شؤونا ثقافية وظواهر فكرية متنوعة، دون أن يتجاهل قضايا سياسية ملحة، كالحرب الأوكرانية، وإبداء رأي حيالها.

في هذه الاطلالة يوظف الروائي الفائز بجائزة نوبل الآداب عام 2010 خبراته وتجاربه في الحياة، ويستحضر أسماء تركت أثرا في الثقافة الانسانية، عامة، ويبحر في عالم الكتب والفنون ككاتب لفت الأنظار الى مهاراته السردية منذ روايته الأولى "المدينة والكلاب"، ويستعرض قراءاته الأخيرة، ويسجل تأمّلاته وهواجسه وهو على مشارف التسعين. وهو في ذلك كله يمزج الشخصي بالعام، ويخوض في مسائل معقدة بأدنى قدر من التكلف، فهذه المساحة المخصصة له كي يخاطب من خلالها القارئ العربي، تعكس شخصية كاتب خبر الحياة طويلا، وها هو الآن، ينقل رؤاه وتصوراته إلى القراء بلغة الضاد، بذهن صاف ولغة سلسة واضحة.

يمزج يوسا الشخصي بالعام، ويخوض في مسائل معقدة بأدنى قدر من التكلف، فهذه المساحة المخصصة له كي يخاطب من خلالها القارئ العربي، تعكس شخصية كاتب خبر الحياة طويلا، وها هو الآن، ينقل رؤاه وتصوراته إلى القراء بلغة الضاد

نيتشه وسارتر وفلوبير

يعود يوسا في بعض مقالاته إلى سير أسلافه من الكتاب والفلاسفة، ممن تركوا أثرا في تجربته الأدبية، فيتحدث، مثلا، في مقال عن لقاء قريب جمعه مع بائع كتب قديم كان يقتني منه، في سبعينات القرن الماضي مجلة "الأزمنة الحديثة" التي كان يصدرها جان بول سارتر. يقول يوسا: "حين ذكّرته بتلك السنوات البعيدة وبسارتر، رد مستغربا: 'سارتر! لم يعد يقرأه أحد اليوم'". ويعلق يوسا بأنه يجد "صعوبة في القبول بنظرية بائع الكتب العجوز أن أحدا لم يعد يقرأ سارتر في هذه الأيام. هذا ليس ممكنا. إنه أحد كبار المفكرين الذين أنبتتهم فرنسا، كما يتبيّن من رواياته وبحوثه التي كان فيها متفرّدا وخارجا عن المألوف من التقاليد الفكرية والأدبية".

في مقال آخر، يروي يوسا تفاصيل زيارة قام بها الى متحف للفيلسوف الألماني نيتشه أقيم في منطقة سويسرية بجبال الألب كان يعشقها نيتشه وهي منطقة سيلس ماريا التي "أبهره هواؤها النقي، والأسرار التي تختزنها جبالها الشاهقة، وخرير شلالاتها، والسكون الذي يخيّم على بحيراتها، وما يسرح فيها من سناجب وقطط بريّة".

في هذه المنطقة وضع نيتشه أهم مؤلفاته مثل "هكذا تكلّم زرادشت"، و"أبعد من الخير والشر"، و"أفول الأصنام". كان ينزل هناك في دار تحوّلت اليوم إلى متحف ومقرّ للمؤسسة التي تحمل اسم الفيلسوف، والتي تستحق زيارة متأنية، بحسب يوسا.

يقر يوسا بأنه تعلم من فلوبير تقنية كتابة الرواية، إذ يقول "بعد ساعات على وصولي إلى باريس ذات يوم من القرن الماضي، اشتريت نسخة من رواية "مدام بوفاري". وبعدما أمضيت الليل بكامله في قراءتها، أدركت عند طلوع الفجر أي نوع من الكتّاب أريد أن أكون، وأني، بفضل فلوبير، بدأت أتبين جميع أسرار فن الرواية".

AFP
رئيسة البيرو دينا بولوارت تسلم قلادة "وسام إل سول" للكاتب البيروفي الحائز على جائزة نوبل للآداب ماريو بارغاس يوسا خلال حفل أقيم في قصر الحكومة في ليما يوم 8 مارس/ آذار 2023.

لا يجد يوسا حرجا في مدح هذه الرواية بسخاء: "مضى أكثر من مئتي عام على ولادة فلوبير، ولا يزال الأسلوب الذي ابتدعه لكتابة الرواية حيا ونضرا. وفي ظني أنه سيبقى يافعا ومتجددا طوال المئتي عام المقبلة".

تضم قائمة أسلاف يوسا كذلك، الروائي الأميركي وليم فوكنر صاحب "الصخب والعنف"، "ونور في آب"، وغيرهما من الأعمال، غير ان يوسا يختار عملا آخر له وهو رواية "الدب" التي يواظب على قراءتها بين حين وآخر، لأنها بحسب تقييمه "من أجمل ما وضعه هذا الكاتب".

لا يغفل يوسا عن تخصيص مقال لأبرز عمل كلاسيكي في اللغة الإسبانية، هو "دون كيشوت" لسرفانتس، ويكشف هنا بأن محاولته الأولى لقراءة دون كيشوت باءت بالفشل، "فقد كنت لا أزال على مقاعد المدرسة، وكانت تربكني الجمل الطويلة، والعبارات القديمة التي كنت أضطر للبحث عن معانيها في المعاجم. لكن بعد سنوات، أفلحت في قراءته من البداية إلى النهاية، متمتعا بكل جملة وكل صفحة، فكل ما في هذا الكتاب يثير الانبهار".

يعود يوسا قرونا الى الوراء، عندما يتحدث عن سقراط والمعنى الذي تركه باستسلامه للإعدام بالسم، متسائلا ما هي تلك القدوة التي أراد إعطاءها لتلاميذه؟ ويجيب: "هي أن الموت، أحيانا، أغلى من الحياة. لقد جعل من موته قدوة على احترام قوانين لم يكن مؤمنا بصوابها، لاعتقاده بأن العالم، أو أثينا في الأقل، بحاجة لنظام يسيّر أمور الناس وينظمها، ومؤسسات يحترمها المواطنون، حتى وإن كان ذلك يتعارض مع مصالحهم الشخصية، لأن ذلك هو السبيل الوحيد لتسود الحضارة بدلا من البربرية"، حسب تعابير يوسا.

بعد ساعات على وصولي إلى باريس ذات يوم من القرن الماضي، اشتريت نسخة من رواية "مدام بوفاري". وبعدما أمضيت الليل بكامله في قراءتها، أدركت عند طلوع الفجر أي نوع من الكتّاب أريد أن أكون، وأني، بفضل فلوبير، بدأت أتبين جميع أسرار فن الرواية

ماريو بارغاس يوسا

معاصرون

يحتفي يوسا في مقالاته كذلك بأسماء معاصرة، إذ يبدي اعجابه، مثلا، برواية المكسيكي دافيد توسكانا، "عبء الحياة على الأرض" التي "لا تتوقف صفحاتها عن إدهاشنا بقدرة الإنسان على البحث عن سر السعادة على الرغم من المظالم التي تضجّ بها الحياة"، كما يتحدث عن الكاتب اليوناني تيودور كاليفاتيديس، وكتابه "في انتظار حياة أخرى"، الذي كتبه بلغته الام اليونانية بعد سنوات الهجرة في السويد والكتابة بلغتها، ويركز يوسا هنا على حكاية كاتب على ابواب الثمانين  يعيد اكتشاف لغة طفولته التي كان طواها النسيان وحلّت مكانها لغة المهاجر، كما يرثي في مقال الروائي الاسباني خافيير مارياس، ويعلق بأن مارياس كان خجولا إلى درجة أنه تدبّر أمره كي يموت خلال تشييع ملكة إنكلترا، ظنّا منه أن خبر وفاته سيمرّ مرور الكرام في خضمّ الحشد الصحافي والتعبئة الإعلامية التي رافقت رحيل إليزابيث الثانية. لكنه أخطأ في تقديره.

ويدافع يوسا عن سلمان رشدي مدينا الهجوم الذي تعرض له في نيويورك، لكنه يقول إن رشدي في "آيات شيطانية" التي أهدر الخميني بسببها دمه، "لم يعجبني لكثرة المواضيع التي يتناولها بطريقة سطحية جدا"، معتبرا أن رواية "أطفال منتصف الليل"، هي من أفضل أعماله.

AFP
الروائي ماريو بارغاس يوسا (يسار) يقف لالتقاط صورة مع الكاتب والمؤرخ باسكال أوري (وسط) والكاتب الفرنسي دانيال روندو (يمين)

السياسة حاضرة

وعلى الرغم من أن يوسا يركز في مقالاته على الأدب ورموز الثقافة عموما، لكنه كذلك يطرح بعض المواضيع السياسية. ففي موضوع الحرب الأوكرانية يعلن بأعلى صوت انحيازه الى جانب كييف ضد الرئيس الروسي بوتين "المهووس بإعادة بناء الأمبراطورية"، ويصف، في موقع آخر، طوابير المهاجرين من دول أميركا اللاتينية على الحدود الأميركية بـ"طوابير الذل"، دون ان يحمل واشنطن المسؤولية، "فليس في إمكان أي بلد أن يفتح حدوده بلا ضوابط أمام المهاجرين، مهما بلغت مساحته وتوفرت لديه فرص العمل"، ويقترح يوسا حلولا بديلة كأن ينتخب مواطنو تلك الدول حكومات تحقق مصالحهم كي لا يضطروا للهجرة.

ويستعرض في مقال كتاب "القيادة" للسياسي الأميركي المخضرم هنري كيسنجر، مبديا اعجابه بقدرته، وقد بلغ المئة عام، على وضع مؤلف "على هذا المستوى الرفيع من التألق".

يمكن أن نعد مقالات يوسا بمثابة تحية للصحافة الجادة التي تقاوم "التفاهة"، وتواجه الاحتضار أمام هيمنة الثقافة الاستهلاكية في التواصل الاجتماعي

الترند!

وعلى الرغم من القيمة المعرفية والجمالية لما يكتبه يوسا، والمكانة الثقافية المرموقة التي يتمتع بها هذا الكاتب، بأرشيف يضم نحو سبعين مؤلفا، غير أن ما يكتبه على صفحات "الشرق الأوسط" لا يصلح لأن يتحول الى "ترند"، فتحقيق هذا الرواج له شروطه وظروفه التي لا تنطبق في أي حال على ما يكتبه صاحب "دفاتر دون ريغوبيرتو".

وذلك بالطبع لا يقلل أهمية هذا الحيز الصحافي الذي يظهر من خلاله يوسا ليضيء جوانب من ملامح هذا العصر، ويستحث الذاكرة على التجوال في ظلال الماضي، من دون أن يطمح، في أي حال، الى إثارة معارك ثقافية ونقدية، أو يروم شهرة تحققت له، أصلا، بل يسعى إلى ايصال فكرة أو معلومة أو ذكرى شخصية تحمل دلالات معينة، أو حادثة أحدثت انعطافة، بأقل قدر من الضجيج.

يعلم صاحب "امتداح الخالة"، أن ما يسرده من عصارة الفكر والمعرفة سيصل إلى القارئ الحصيف، والأرجح أن ذلك هو هدف الروائي والصحيفة معا، في هذا المعنى يمكن أن نعد مقالات يوسا بمثابة تحية الى الصحافة الجادة التي تقاوم "التفاهة"، وتواجه الاحتضار أمام هيمنة الثقافة الاستهلاكية في التواصل الاجتماعي.

وفي الوقت الذي تعج فيه مواقع التواصل بـ"فيالق من الحمقى"، وفق توصيف الإيطالي أومبرتو إيكو، وبالكثير من المحتوى "الساذج والسطحي"، الى درجة استطاع معها صنّاع المحتوى الركيك هذا تشويه المشهد الإعلامي والثقافي، واستطاعوا أن يشكلوا ظاهرة تتحكم في توجهات الرأي العام، فما إن يتفوه البعض منهم، ممن يملكون ملايين المتابعين على المنصات المختلفة، ببعض الجمل والعبارات، حتى تنتشر كالنار في الهشيم، وتحظى بملايين اللايكات، ثمة، في المقابل، فضاءات، وإن كانت ضيقة، تقدم مقالات وتحقيقات وأفكارا رصينة، ولعل مقال يوسا الدوري في "الشرق الأوسط" هو مثال على ذلك.

الملاحظ في علاقة يوسا بالقارئ العربي، أن هذا الروائي حظي بحضور واسع في العالم العربي قبل نيله جائزة نوبل في الآداب 2010، وذلك على عكس غالبية الكتّاب الذين يحظون بحضور مماثل بعد الفوز بهذا اللقب الأدبي الرفيع، لكن أعمال يوسا كسرت هذه القاعدة، إذ وجدت طريقها الى اللغة العربية قبل سنوات من "نوبل".

وللانصاف هنا، لا بد من القول إن الفضل في ذلك يعود، في الدرجة الأولى، إلى المترجم الفلسطيني الراحل صالح علماني الذي ترجم الكثير من نتاجات قارة أميركا اللاتينية المكتوبة بالإسبانية، وكان ليوسا نصيب وافر من هذا الجهد، فقرأنا باكرا وبتوقيع علماني روايات يوسا من قبيل "امتداح الخالة" و"حفلة التيس" و"قصة مايتا" و"ليتوما في جبال الأنديز" و"بانتاليون والزائرات" و"حرب نهاية العالم" و"شيطنات الطفلة الخبيثة" و"حلم السلتي" و"الفردوس على الناصية الأخرى"، وغيرها.

font change

مقالات ذات صلة