كمال رحيم... القانونيّ الذي عشق الكتابة فأبدع فيها

صاحب ثلاثيتي اليهود والقرية المصرية

كمال رحيم

كمال رحيم... القانونيّ الذي عشق الكتابة فأبدع فيها

غيّب الموت صباح أمس الجمعة الروائي المصري الكبير كمال رحيم عن عمر يناهز السادسة والسبعين، بعد رحلة طويلة قضاها بين أروقة عالم القانون والإبداع، كتب خلالها عشر روايات احتلت مكانا بارزا في خريطة الأدب العربي، لاسيما أنه عالج فيها وقضايا ندر تناولها في الرواية العربية عموما والمصرية بوجه خاص.

ولد كمال رحيم بقرية المنصورية بمحافظة الجيزة، وحصل على الماجستير في القانون من جامعة القاهرة عام 1975، ودبلوم الإحصاء عام 1978 من المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية بتقدير امتياز، وتدرّج في وظائف الشرطة إلى أن عمل مُفتشا في الإنتربول عام 1978 في فرنسا، وصار مديرا له عام 1985، كما عمل في تدريس القانون حتى عام 2005 بجامعة قابوس في سلطنة عُمان.

  لقيت "ثلاثية اليهود" إشادة نقدية بوصفها إضافة هامة للمشهد الروائي في مصر، وكان أبرز ما ميزها أنها استطاعت الاقتراب من هذا الموضوع الشائك وهو العلاقة بين المسلمين واليهود في مصر


بدأ حياته الأدبية بكتابة القصة القصيرة، فأصدر مجموعة "لقمة العيش" عام 1994، والتي ظهر فيها اهتمامه وانحيازه للكتابة عن البسطاء والمهمشين، سواء من الأطفال الذين كانوا أبطالا لعدد من هذه القصص أو من العمال البسطاء الذين يحضرون في قصصه وحكاياته باستمرار، كما صدر له عام 1997 مجموعة "أيام في المنفى" التي فازت بجائزة نادي القصة، وبالرغم من النجاح الذي حققته تلك المجموعات إلا أن الرواية جذبته أكثر لعالمها ووجد فيها فرصة أكبر لتنوع الموضوعات وتعدد الأساليب.   

 

ثلاثية اليهود... توثيق الرحلة

في سنوات دراسته للمرحلة الإعدادية  تعرّف كمال رحيم على زميل له يُدعى وهيب دوس لم يعرف أنه يهودي إلا بعد وصولهما إلى المرحلة الثانوية، واستمر على علاقة طيبة به حتى بعد سفره للخارج، وكانت علاقته به ثم تعرّفه إلى عدد من الأصدقاء اليهود المصريين دافعا قويا لكتابة وتوثيق حالة خاصة مرّ بها اليهود في مصر، فكتب روايته "قلوب منهكة/المسلم اليهودي" عام 2004. تدور الرواية حول حكاية "جلال" المولود لأب مسلم وأم يهودية منذ طفولته ووفاة والده أثناء الاشتباكات مع اليهود في بورسعيد، وكيف تتحول حياته هو وأسرته بعد ذلك حتى تقرّر والدته السفر به إلى باريس، ينشأ الفتى في رعاية جده اليهودي في حي الظاهر في القاهرة، ويرصد الكاتب تفاصيل حياة اليهود المصريين في ذلك الوقت، وقدر التسامح والتعايش الذي كان يحيا فيه المجتمع بين مسلمين ومسيحيين ويهود، ويبدو واضحا تشتّت هوية البطل دينيا بين اليهودية والإسلام إلا أن انتماؤه المصري يبقى راسخا وأكيدا.

بعد أربع سنوات، يتتبع كمال رحيم سيرة جلال بعد أن سافر إلى فرنسا، ويصدر روايته "أيام الشتات" عام 2008 التي يبدو منذ عنوانها ما وقع فيه بطل الرواية بسفره إلى باريس من شتات وتمزق بين هويته المصرية وما يراه ويتعرف عليه في فرنسا سواء من الفرنسيين اليهود أو المصريين، ولكن حنينه إلى مصر وانتماؤه لها يبقى أصيلا، بل إنه شأن الكثير من المصريين المسلمين في ذلك الوقت يرفض معاهدة السادات مع إسرائيل (اتفاقية كامب ديفيد) ويرى فيها ضياعا لحقوقه كمصري وابنٍ لشهيد أيضا، كما تتعاقب عليه المواقف والأحداث التي يسعى فيها كلها إلى تأكيد هويته المصرية الإسلامية، سواء في الزواج أو التعامل مع الموتى وما يتبع ذلك من مراسم وطقوس وعادات.   

لا تنتهي رحلة جلال عند هذا الحدّ، بل يحمل كمال رحيم أحلامه وأفكاره في العودة إلى مصر، ليكتب "أحلام العودة" عام 2012 ويرصد فيها محاولات جلال للعودة إلى هويته وبحثه عن أصوله المصرية وماضيه الذي يوشك أن يضيع منه، يسعى جلال لاستحضار كل ماضيه سواء أمه المرضعة أم حسن أو زميل دراسته القديم الليثي وغيرهما، ولكن يشغله أكثر رصد ما حدث من تغيرات في مصر في فترة غيابه، ليس فقط في القاهرة بل حتى في بلدة أبيه في الريف، لم تكن تلك التغيرات في المظاهر فحسب وإنما بدت تغيرات أشد عمقا وخطورة لا سيما في المجتمع الذي بدا أنه يلفظ ذلك اليهودي الغريب. ويستمر ذلك الصراع بين جلال ومن حوله من جهة وبينه وبين نفسه من جهة أخرى حتى يقرّر في النهاية العودة إلى باريس.

قدّم كمال رحيم في "ثلاثية القرية" رؤية بانورامية شاملة عرض فيها مشكلات هذه القرى التي يستشري فيها الفقر، وكيف ينشأ بين أهلها من يستغل ظروفهم الصعبة

هكذا اكتملت "ثلاثية اليهود" التي أعادت "دار العين" طباعتها كاملة والاحتفاء بها عام 2021، وكانت فرصة لتناولها نقديا بالدراسة والنقاش، فلقيت إشادة بوصفها إضافة هامة للمشهد الروائي في مصر، وكان أبرز ما ميزها أنها استطاعت الاقتراب من هذا الموضوع الشائك وهو العلاقة بين المسلمين واليهود في مصر في فترة السبعينات حتى التسعينات بأسلوب روائي جريء وهادئ يضع القارئ في تفاصيل الحكاية ويجعله يتعاطف معها دون مزايدات أو شعارات صاخبة. كما تناقش أزمة الاغتراب والهوية المصرية التي مرّ بها بطل الرواية على خلفية الصراع العربي الإسرائيلي واستطاعت أن تصور الأبعاد الإنسانية المختلفة لتجربة بطل الرواية جلال في مصر وفرنسا من خلال التقاط تفاصيل الحياة اليومية والتعبير عنها بشكل متقن. في الوقت نفسه يؤكد كمال رحيم أنه يفرق بين اليهود كمواطنين عاشوا فترة من الزمن في مصر وبين الإسرائيليين الصهاينة، الذين احتلوا الأرض ودمروا البلاد، وهو ما سيدفعه في ما بعد لكتابة رواية خاصة عن بورسعيد ودور أهلها في المقاومة الشعبية عام 1968.

 

ثلاثية القرية

بعد سنوات من كتابة تلك الثلاثية يعود كمال رحيم لعالم الكتابة الذي يحبه، ويشعر بحاجة ماسة إلى العودة لذكرياته الجميلة في الريف والقرية المصرية التي يبدو أنها ما زالت تعد بالكثير، فكتب روايته "أيام لا تُنسى" التي كانت بمثابة إعادة إحياء وتعريف للوسط الأدبي به عام 2018، وفيها نجد الشاب علي يعود إلى قريته ويتذكّر جده العمدة "هارون" وكيف كانت حياته وسيطرته على عالم القرية هناك في خمسينات القرن الماضي، نشأت علاقة خاصة بين الجد وحفيده داخل تلك الأسرة التي تتمتّع بالسلطة والنفوذ ولكنها تحتوي أيضا على نقاط الضعف والطيبة، لم يقدّم كمال رحيم عالم المهمشين في القرية أول الأمر، بل جاء به من مستوى آخر مختلف، إذ قدّم العمدة الإنسان وما يتسم به من صفاتٍ تجعله قريبا لقلوب الناس سواء من أفراد أسرته أو من أهل القرية، كما عمد إلى وصف تفاصيل القرية المصرية وما كان فيها من ثراء وصفات جعلت الحفيد يتعلّق بها ويستعيدها ليتذكرها بعد مرور السنين.

وجه آخر من وجوده القرية يعرضه كمال رحيم في رواية "قهوة حبشي" التي صدرت في 2019، ونتعرف فيها إلى شخصيتين شديدتي الثراء والاختلاف هما حبشي صاحب القهوة ومساعده ضاحي، وتبدو القهوة ذلك المكان الذي يجمع أهل القرية ويكون مسرحا للكثير من تفاصيل وأحداث الرواية، يظهر فيه عالم البسطاء الذين يمثلهم ضاحي بكل  من إيمان واتباع وطاعة لمن يعلونه في الشأن والمكانة، وما يمثله حبشي من قدرة وتسلط وانتهازية، وكيف تتحوّل حياته وتنقلب رأسا على عقب بسبب حادث مفاجئ في عائلته، وهكذا يتناوب على السرد ضاحي وحبشي وبقية أفراد القرية وشخصياتها المرسومة بدقة، ويعرض من خلالها كمال رحيم بذكاء وبساطة ما تتمتّع به القرية المصرية من سحر وثراء.

في "دكاكين تغلق أبوابها" الصادرة 2022 يرسم كمال رحيم بعدا آخر للقرية المصرية من خلال عيني الصبي علي الذي يحكي ملاحظاته على القرية والدكاكين وتعامل أهلها مع أصحابها من البداية، حتى يصل إلى المواقف والأحداث التي تعكر صفو الحياة في القرية البسيطة، حيث يعرض حياة المسلمين والمسيحيين فيها، وكيف كانت علاقة طبيعية وصحيّة، ولكن الأمر يتغير بهم، ومن خلال وصف شخصيات مختلفة في القرية وتحولاتهم، تتغيّر طبيعة العلاقات ويحدث ذلك الشرخ الكبير في العلاقة وكيف يؤثّر ذلك على القرية في تفاصيل بسيطة ودقيقة.

وهكذا استطاع كمال رحيم أن يقدّم في رواياته التي خصّ بها القرية المصرية رؤية بانورامية شاملة عرض فيها مشكلات هذه القرى التي يستشري فيها الفقر، وكيف ينشأ بين أهلها من يستغل ظروفهم الصعبة.

 

 عوالم أخرى  

بعيدا من عالمي يهود مصر والقرية كتب كمال رحيم عن القاهرة وفتوّاتها وحاراتها، فأصدر"رواية حارة المليجي" 2014 التي نتعرّف فيها إلى الموظف البسيط الذي يحال للمعاش قناوي وفتوّة الحارة المليجي ما يملكه من سطوة وسيطرة على مقدرات الناس، وبين هذا وذاك ينتقل السرد بخفة وسخرية، فينشئ للقناوي عالما موازيا وفقا لسيناريو آخر يضعه ويصوغه المليجي، في حين نتعرّف في السيناريو أو الحكاية الأصلية إلى حقيقة قناوي واستسلامه وخموله لا سيما بعد إحالته للمعاش، وتتحول الرواية بعد ذلك إلى نوع من التماهي بين شخصية قناوي والمليجي حينما يشعر الأول بحاجته للأخير، ويبدو أنه قادر على التمرّد بعد كل ما مرّ به من مواقف وتجارب وأحداث، وهكذا ترسم الرواية صورة مختلفة عن الحارة المصرية تقارب في وجه منها حارات محفوظ وحرافيشه وفتوّاته.  

لم يمهل القدر كمال رحيم حتى يحتفل بآخر رواياته التي صدرت منذ أيام بعنوان "وكسة الشاويش" كما ستصدر له رواية أخرى بعنوان "البنداري"

كما وثّق رحيم تاريخ نضال ومقاومة أهل بورسعيد عام 1968 في روايته "بورسعيد 68" التي حكى فيها عن الضابط طارق الذي ينتقل للعمل في بورسعيد بعد هزيمة 1967 ويرصد من خلال عمله حكايات أبطال المقاومة من الناس العاديين هناك، وكيف كانت حياتهم بعد الهزيمة حتى حرب الاستنزاف وصولا إلى نصر أكتوبر/ تشرين الأول 1973. يركز كمال رحيم في الرواية على تصوير أحوال البسطاء من الشاويش إلى الصو.ل إلى العمال، بالإضافة إلى قصص الحب التي تنشأ في هذا الوقت وكيف يتعامل معها الناس، وكيف يسعى الجميع إلى تجاوز حالة الهزيمة نفسيا ومعنويا حتى يتمكنوا من التغلب على العدو والمشاركة في النصر.

لم يمهل القدر كمال رحيم حتى يحتفل بآخر رواياته التي صدرت منذ أيام عن "دار الشروق"، بعنوان "وكسة الشاويش" والتي يبدو أنه يعود فيها إلى أيام عمله بالشرطة، ويتناول فيها شخصية عادل العطفي ابن الشاويش الذي يرى والده سيدا من سادات الكون، ولكن زوجته لا تعتبره كذلك، يكبر الولد وتتغيّر نظرته لوالده وأمه والمجتمع من حوله، تدور الرواية حول تلك العلاقة الملتبسة بين الولد وأبيه والمجتمع الذي يجد فيه من يقدّره ويحترمه وآخرين يرونه أقل من ذلك بكثير.

بالإضافة إلى ذلك أشارت الناشرة فاطمة البودي صاحبة "دار العين" إلى أن للراحل رواية جديدة تحمل اسم "البـنداري" ستكون مفاجأة الدورة المقبلة من معرض القاهرة الدولي للكتاب.  

تجدر الإشارة إلى أن كمال رحيم حصل على جائزة الدولة التشجيعية في الرواية عن روايته "قلوب منهكة" عام 2005،  كما حصل على جائزة اتحاد الكتاب عن رواية "أيام لا تنسى" عام 2021، وأخيرا جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2022.

وصلت روايته "دكاكين تغلق أبوابها" القائمة الطويلة لجائزة كتارا عام 2023.  

 ترجمت رواياته إلى اللغة الإنكليزية عن دار نشر الجامعة الأميركية بالقاهرة، وإلى الألمانية والأرمنية.

font change

مقالات ذات صلة