إسماعيل فهد إسماعيل في ذكراه الخامسة: حكواتي الأوجاع العربية

كتب عن الكويت والعراق وفلسطين ومصر ولبنان

الكاتب الكويتي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل

إسماعيل فهد إسماعيل في ذكراه الخامسة: حكواتي الأوجاع العربية

ولد إسماعيل فهد إسماعيل في قرية السبيليات جنوب البصرة أواخر 1940 لأبِ ضرير وعشرة إخوة، ولكنه أصر على التعلم والدراسة، تلقى هناك تعليمه الأساسي، ولكن سرعان ما انتقلت أسرته إلى الكويت بعد الانقلاب العسكري في العراق، وحصلوا على الجنسية الكويتية هو وعائلته عام 1966، والتحق هناك بالمعهد العالي للفنون والمسرحية، وحصل على بكالوريوس أدب ونقد، ولكنه عمل في مجال التدريس وإدارة الوسائل التعليمية أكثر من عشر سنوات، تفرغ للكتابة تماما منذ عام 1985 حتى وفاته 2018، كانت حياته ارتحال بين العراق والكويت دائما، كما سافر الفلبين بعد تحرير الكويت وكتب هناك سباعيته الشهيرة عن أيام الغزو، ثم عاد إلى الكويت حتى توفاه الله، احتفظ بعلاقات وصداقات بعدد كبير من المثقفين والكتاب من شتى أرجاء العالم العربي.

بدأ إسماعيل فهد الكتابة الأدبية بالقصة القصيرة، وذلك قبل أن يغادر البصرة حتى، فكتب عددا من القصص التي نشر بعضها في مجلتي "الرائد" و"البيان" الكويتية، كما صدرت مجموعته القصصية الأولى عام 1965 ولكنه عرف روائيا حينما كتب روايته الأولى "كانت السماء زرقاء" التي حظيت باهتمام عدد من النقاد والقراء، وأتبعها بثلاث روايات متتالية (المستنقعات الضوئية، الحبل، الضفاف الأخرى) شكلت معا "الرباعية" الأولى في كتابته، والتي تمثل الخطوة الأولى في عالمه الروائي، والذي يظهر فيه بوضوح اهتمامه برسم حدود أسلوبه الخاص سواء في اللغة أو طبيعة الموضوعات التي يتناولها.

 انشغل إسماعيل فهد إسماعيل منذ وقت مبكر بقضايا العالم العربي، وكان لنكسة 1967 أثرها الكبير عليه، كما عالج حرب لبنان والواقع المصري والفلسطيني والغزو العراقي للكويت وقضية البدون


 تتناول  تلك الرباعية موضوع الصراع الطبقي في المجتمعات العربية من خلال حكاية بطل الرواية المثقف الذي يكتب القصص ويؤمن بقدرة الكتابة على التغيير، ولكنه يسعى إلى الفرار من العراق إلى إيران، وما يواجهه من صعوبات وعقبات أثناء ذلك الهروب، الذي يضعه في مأزق وجودي كبير، يتعلق بالهدف من الحياة، ويعكس إلى حد كبير ذلك الصراع الذي كان يثور في نفس كل مثقف عربي في ذلك الوقت.  

وقد برز في تلك الروايات الأربع ميل إسماعيل فهد إسماعيل المبكر نحو التجريب في الكتابة الروائية، وعدم اعتماده على الحبكة والأسلوب التقليديين في السرد أو التناول، إذ يلحظ القارئ منذ السطور الأولى تجزئة عالم الرواية وكسر خطية الزمن واستخدام عدد من التقنيات الحديثة في ذلك الوقت مثل تقنية المونتاج السينمائي الذي يعتمد على قص بعض المشاهد وإكمالها في مشاهد تالية.   

قضايا العالم العربي

انشغل إسماعيل فهد إسماعيل منذ وقت مبكر بقضايا العالم العربي، وكان لنكسة 1967 أثرها الكبير عليه كغيره من كتاب العالم العربي، فخصها برواية "ملف الحادثة 67" التي نشرت عام 1975 وتناول فيها القضية الفلسطينية من خلال بطل بسيط يعمل خبازا يصادف في طريقه مقتولا ويتم القبض عليه وإجراء تحقيق معه من أجل انتزاع اعتراف منه بجريمة لا علاقة له بها، والمفارقة أن القاتل والمقتول فلسطينيان، تستمر التحقيقات والحوارات بين بطل الرواية وعناصر الشرطة حتى يضطر في النهاية إلى الاعتراف بالجريمة، وفي الوقت نفسه يظهر القاتل الحقيقي، تبدو الرواية بشكل عام إدانة واضحة لحالة الجدل والفوضى التي كانت تعيشها الحكومات العربية والتي أدت إلى النكسة.

كما يحضر لبنان والحرب الأهلية وعلاقتها بالحالة الفلسطينية في روايته "الشياح" (1976) التي يعتبرها الكثيرون من أوائل الروايات التي تناولت الحرب الأهلية في لبنان، وقد كتبها إسماعيل فهد إسماعيل من خلال معايشة واقعية لتفاصيل تلك المأساة الإنسانية من خلال اللاجئين الفلسطينيين في بيروت، وتتناول الرواية الصعوبات التي واجهت سكان إحدى العمارات حينما اضطرتهم الحرب للاختباء في سرداب وكيف كانوا يلتقطون الحياة من بين براثن الموت والدمار المحيطة بهم.

برز في رباعيته الروائية ميله المبكر نحو التجريب في الكتابة الروائية، وعدم اعتماده على الحبكة والأسلوب التقليديين في السرد أو التناول


كما كتب إسماعيل فهد عن مصر "رواية "النيل يجري شمالا" (1983) وفيها  يعود إلى فترة المماليك في التاريخ المصري ليتحدث عن حياة فتاتين مصريتين تعيشان في قرية "كفر العسل" بالجيزة، راسما تفاصيل حياة سكان القرية وما يعانون فيها من ذل العبودية وسيطرة الإقطاع وتلك العلاقة الشائكة بين الأغنياء والفقراء.  وكتب أيضا "النيل الطعم والرائحة" (1989) وبطلها فلسطيني اسمه "سليمان الحلبي" في مهمة رسمية لاغتيال شخصية سياسية هامة في القاهرة، وهناك يتعرف على نادلة في مقهى الفندق، تقوم بينهما علاقة من نوع خاص، ويعود الكاتب إلى شخصيات تاريخية أخرى ليكشف جوانب أخرى لذلك القاتل، إذ يطلع على تاريخ الجبرتي ويقرأ مسرحية ألفريد فرج عن "سليمان الحلبي" الجندي المصري الذي قتل كليبر، وهكذا تتغيّر وجهة نظر البطل ويعيد التفكير في المهمة التي أتى من أجلها.

الكويت قبل الغزو العراقي وبعده

كان للكويت وقضايا المجتمع الكويتي حضور بارز في أعمال إسماعيل فهد إسماعيل، ويعدّ سرده الذي لتفاصيل حياة الكويتيين في سنوات الغزو العراقي من أهم ما كتب في تأريخ تلك الفترة وتفاصيل المأساة التي حدثت فيها يوما بيوم. وقد شارك في مقاومة الغزو فترة الاحتلال، ثم لما اطمئن إلى تحرير الكويت قرر أن يعتزل ويكتب بقدر من التركيز وكثير من التفصيل سباعية "إحداثيات زمن العزلة" عام 1996 التي حملت عناوين (الشمس في برج الحوت ، الحياة وجه آخر، قيد الأشياء، دوائر الاستحالة،ذاكرة الحضور،الأبابيليون،العصف). ترصد الرواية جانبين: ذاتي يتمثل في تحولات بطل الرواية "سلطان" في فترة الاحتلال. وموضوعي يتمثل في رصد نشاطات بعض رجال المقاومة باعتبار سلطان مشاركا في هذه النشاطات، ونلاحظ أن الذاتي والموضوعي يقدم في الرواية من خلال رؤية شخصية متفاعلة مع الحدث، ولهذا وصف هذا التسجيل بأنه تأريخ للذات وتذويب للتاريخ.

كما كتب عن مشكلات البدون، وهم سكان الكويت الذين لم يحصلوا على الجنسية الكويتية، وهي واحدة من المشكلات التي لا تزال تؤرق المجتمع الكويتي، وقد تناولها في روايته "في حضرة العنقاء والخل الوفي" (2015)، وتحكي قصة "المنسي ابن أبيه" ذلك الرجل الذي عاش في وطنه دون أن يعترف له الوطن "بوثيقة هوية" وأصبح كأنه منزوع من شجرة، يدخل القارئ في عمق تفاصيل حكاية المنسي منذ طفولته وحتى شبابه وحتى فترة الاحتلال العراقي للكويت، تلك التي تشكّل فرصة نادرة لإثبات الولاء والانتماء للوطن والأرض، ولكن تبقى مشكلة المنسي مثل اسمه بعد ذلك منسية، وتبقى أحلامه وقضيته في مهبّ الريح.

الراحل اسماعيل فهد اسماعيل

وكانت ترنيمة الوداع التي كتبها إسماعيل تحية خاصة تحمل الكثير من الأسى والشجن، وتجمع بين صديقين من دولتين مختلفتين، وذلك حينما يستحضر حنظلة ناجي العلي صديقه ورفيق رحلته، ويكتب روايته "على عهدة حنظلة" (2017) التي يستعيد فيها أطرافا من سيرة الرسام الفلسطيني ناجي العلي مستنطقا شخصية الكاريكاتورية الشهيرة "حنظلة"، الذي يتحدث ويشارك بطل الرواية في لا وعيه، ولا يكتفي إسماعيل فهد برثاء ناجي العلي من خلال هذه الرواية بل يستحضر كتابا آخرين مثل محمود درويش وإميل حبيبي وسعد الله ونوس.    

كتابات ودراسات نقدية

 لم تقتصر كتابة إسماعيل فهد إسماعيل على الرواية، بل قدم للمكتبة العربية دراسات نقدية غاية في الأهمية بدأها عن القصة القصيرة في الكويت عام 1977 قدم فيها عددا من الأصوات الهامة والواعدة في ذلك الوقت، كما اهتم بالكتابة عن المسرح فكتب عن "الفعل الدرامي ونقيضه"عام 1978، ثم قدم دراسة عن مسرح سعد الله ونوس بعنوان "الكلمة _الفعل في مسرح سعد الله ونوس" تحليل لعدد من مسرحيات ونوس مثل "الملك هو الملك" و"مغامرة رأس المملوك جابر" وتناول فيها مناهج الكتابة المسرحية الحديثة متمثلة في برانديللو وبريخت وغيرهما، ويظهر في تلك الدراسة اهتمامه بالوظيفة الاجتماعية للمسرح وقدرته على إحداث التغيير في المجتمع بمعالجته القضايا الحيوية والعصرية، كما كتب دراسة نقدية عن شعر علي السبتي بعنوان "شاعر في الهواء الطلق" عام 2002 ، وكتب عن تجارب عدد من الكتاب والأدباء في كتابه "مبدعون مغايرون" عام 2006.

  يعدّ سرد إسماعيل فهد إسماعيل لتفاصيل حياة الكويتيين في سنوات الغزو العراقي من أهم ما كتب في تأريخ تلك الفترة وتفاصيل المأساة التي حدثت فيها


كان من حسن حظ إسماعيل فهد أن كان من أهم  من كتب عنه في  فترة مبكرة من حياته الشاعر المصري صلاح عبد الصبور الذي قدم روايته الأولى "كانت السماء زرقاء" عام 1970 وقال عنها:

"كانت هذه الرواية مفاجأة كبيرة لي، فهذه رواية جديدة كما أتصور رواية القرن العشرين، قادمة من أقصى المشرق العربي، حيث لا تقاليد لفن الرواية، وحيث ما زالت الحياة تحتفظ للشعر بأكبر مكان. ولم يكن سر دهشتي هو ذلك فحسب، بل لعل ذلك لم يدهشني إلا بعد أن أدهشتني الرواية ذاتها ببنائها الفني المعاصر المحكم، وبمقدار اللوعة والحب والعنف والقسوة والفكر المتغلغل كله في ثناياها، في هذه الرواية مغامرة دائمة واكتشاف متجدد وبحث لا ينقطع عن المنهج والأسلوب".

و كتب عنه الناقد فيصل دراج:

 "على الرغم من ذاتية واضحة في المزاج والأسلوب فقد آثر إسماعيل أن يكون عروبيا على طريقته.. تتكشف هذه القومية في رباعيته الشهيرة التي بنت عالمها الروائي وحاورت عوالم روائية مختلفة فانفتحت على 'ميرامار' محفوظ واقتربت من 'رجال في الشمس' لغسان كنفاني حيث رصدت مخلوقا عاثر الحظ يتسلل من أرض شائكة إلى ملاذِ لا يعطي ما وعد به، كما شاركت 'صيادون في شارع ضيق' لجبرا إبراهيم جبرا في الحديث عن فتاة بائسة تجز عنقها السكين في نهاية الطريق..

لم يكن إسماعيل في رباعيته يحاكي أحدا وإنما كانت روايته تؤازر تلك الروايات العربية الأخرى من أجل إلقاء الضوء على متاهة العربي المغترب الذي يحلم بالخير وينتظره البوار".

حصل إسماعيل فهد إسماعيل على جائزة الدولة الشجيعية في مجال الرواية عام 1989، وكذلك جائزة الدولة التشجيعية في مجال الدراسات اللغوية والنقدية عن دراسته "علي السبتي شاعر في الهواء الطلق، عام 2002، كما حصل كذلك جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2004. وجائزة العويس الأدبية من الإمارات عام 2014.

 رشح لنيل جائزة ملتقى القاهرة للرواية العربية في دورته الأولى عام 1998 ولكنه تنازل عن الجائزة لعبد الرحمن منيف. وكرمعن دوره ومجمل أعماله في المكتب الثقافي المصري عام 2015.

font change

مقالات ذات صلة