بين "الحورية الصغيرة" و"باربي" الحياة على حافة الواقع

مشاهدة أحدهما دعوة إلى تأمل الآخر

Manon Biernacki
Manon Biernacki

بين "الحورية الصغيرة" و"باربي" الحياة على حافة الواقع

منذ بدأ عرض فيلم "باربي" في 21 يوليو/تموز وهو حديث العالم شرقا وغربا. تجاوزت إيراداته المليار دولار، ونجوم ومشاهير التقطوا لأنفسهم صورا مع خلفية اللون الوردي، وكأن الفيلم أعاد اختراع اللون!

غطى الفيلم والجدال الذي أثاره إلى حدّ ما على الأفلام الأخرى التي تزامن عرضها معه. تبيّن أن كريستوفر نولان كان مصيبا عندما حاول تأخير عرضه كي لا يؤثر على قنبلته السينمائية "أوبنهايمر"، كما أُشيع. لكن هذا ما حدث فعلا على أي حال، تفوقت بلاستيكية باربي على هيدروجينية الدمار، أقله على مستوى الإيرادات العالمية. نستطيع النظر إلى نصف الكوب الممتلئ، ونقول إن جمهور السينما يتطلع اليوم إلى شيء من التسلية والسلام والجمال، عوضا عن الموت والقتل والتهديد الذي يلوّح به فيلم نولان. اتضح أن العالم خائف من الغد القريب، وليس المستقبل البعيد.

فيلم آخر يتحدّث عن الجمال، خرج من رحم الخيال أيضا، وحقّق بدوره إيرادات عالية تجاوزت 550 مليون دولار، لا يزال يحافظ على مكان عزيز وسط دور العرض العالمية والعربية، هو النسخة الجديدة من "حورية البحر الصغيرة" Little Mermaid الذي تلعب بطولته ممثلة واعدة تظهر للمرة الأولى على شاشة السينما هي هالي بيلي.

هناك ما يربط بين "باربي" و"حورية البحر"، تجعل مشاهدة أحدهما دعوة إلى تأمل الآخر، في السياق العالمي الحالي، سياسيا وبيئيا وفكريا، وأيضا سينمائيا، إن أخذنا بالفرضية التي ترى أن العالم قرية صغيرة.

أحسن روب مارشال إلينا باكتشاف موهبة هالي بيلي التي أدّت نصف مشاهدها تقريبا في الفيلم بلا صوت – في المرحلة الانتقالية بين حياتها كحورية بحر انتزعت منها الساحرة صوتها، وبين تحولها إلى إنسانة تامة – وهو تحدّ سينمائي كبير لم تخفق فيه الشابة

السينما هي فن الترفيه بكل تأكيد، وهي أيضا حزمة الضوء السحرية التي شكلت ولا تزال تشكل رؤانا عن العوالم خارج هذه القاعة المظلمة. هي فن الأحلام، لكنها أيضا فن الخطاب، والأفكار، وأحيانا الأوهام، واليوم نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى التفكّر بما يقدّمه لنا صُنّاعها، والاشتباك معه أو حتى الاعتراض عليه، لكن من دون أن يعني ذلك أن نمدّ أيدينا لمنع هذا النور عنّا أو عن الآخرين.

أثار كلا الفيلمين جدالا، أغلبه حصل لأسباب سطحية لا تمسّ  الجوهر الذي ينهض عليه كل عمل. وليست مبالغة القول إن أحدهما، كالآخر، يمثل ثورة ولو صُغرى في فكر السينما العالمية حاليا، وإنهما فيلمان مُلهمان، ولا يمنع ذلك واقع تفاوت مستواهما الفني، ولا يعني أيضا خلوهما من السلبيات.

جدال مبكر

لم تكن هالي بيلي المرشّحة الأولى للعب دور حورية البحر الجديدة، قبلها كانت ممثلات أخريات بعضهن قد تقترب صورتهن من صورة حورية البحر كما قدمتها ديزني في فيلم التحريك الشهير عام 1989، أي ببشرة بيضاء وعينين زرقاوين وشعر أحمر. لكنّ روب مارشال، مخرج الفيلم، أعجب كثيرا بالمغنية الصاعدة هالي بيلي، وكانت سنها ثمانية عشر عاما آنذاك، عندما رآها تغني على المسرح، ولم يجد غضاضة، لا هو ولا شركة ديزني منتجة هذه النسخة أيضا، في أن تكون حورية البحر الجديدة سمراء البشرة. فتح هذا الاختيار على أي حال بابا للجدال، مع أم ضد، أن تختلف هيئة حورية البحر عام 2023، عن تلك التي عاشت في أذهان قطاعات كبيرة من الجمهور، طوال سنين ماضية؟ يمكننا أن نتذكر جدالا مشابها أثير عندما أسندت "نتفليكس" دور الملكة كليوباترا أيضا الى ممثلة سمراء. وقد ساق المعترضون حججهم على هذا النحو: نحن ارتبطنا بالصورة القديمة لحورية البحر، وعلى ديزني ألا تستهين بتعلقاتنا العاطفية. الحجة الثانية معقدة أكثر: إن حورية البحر في الأسطورة لم تكن سمراء، هذا تغيير في التاريخ!

الممثلة الأسترالية مارغو روبي تقف على السجادة الوردية عند وصولها لحضور العرض الأول لفيلم "باربي" في وسط لندن في 12 يوليو/ تموز 2023

الواقع أن هانز كريستيان أندرسن لم يتطرّق في الحكاية المكتوبة عام 1837 إلى لون بشرة حورية البحر، لكنّ فناني ديزني هم الذين رسموها بهذه المواصفات. من المدهش إصرار المحتجّين على إسقاط هيئة البشر، وتمييزاتهم اللونية، على صورة مخلوقة، هي نصف سحرية، نصف إنسية. غالبا ما ننسى أن إحدى أقوى سمات الأساطير، أو حكايات الجنيّات، وضمان حضورها المتجاوز للزمن، هو بالضبط قابليتها للتأويل المتجدّد الذي يجعلها قادرة على التعبير عن حياتنا الحقيقية، في مختلف الأوقات والأمكنة.  

أما مسألة مراعاة التعلقات العاطفية القديمة لجمهور السينما، فتجعلنا نتساءل: ما الداعي إذا إلى إنتاج نسخ جديدة من أي قصة؟ ولمَ لا يكتفي المتعلّقون بإعادة الفرجة على شرائطهم القديمة، بدلا من أسر صنّاع السينما في شروط محدّدة؟ على أي حال، بعيدا من هذا الجدال، أحسن روب مارشال إلينا باكتشاف موهبة هالي بيلي التي أدّت نصف مشاهدها تقريبا في الفيلم بلا صوت – في المرحلة الانتقالية بين حياتها كحورية بحر انتزعت منها الساحرة صوتها، وبين تحولها إلى إنسانة تامة – وهو تحدّ سينمائي كبير لم تخفق فيه الشابة. وهي أيضا مَنْ أدت الأغنيات التي تُعبّر عن الصوت الداخلي للحورية التي تقول الأسطورة إنها كانت تملك صوتا سحريا خلبت به لُبّ الأمير.

مَنْ يعرفون باربي جيدا، سواء مَنْ لعبوا في طفولتهم بها، أو مَنْ يشاهدون حاليا فيلمها الناجح، سيجدون في طبيعة الحال صعوبة في تصوُّر باربي فقيرة، أو باربي غير أميركية، كما لا يُمكننا أن نتوقع منها أن تدافع عن البيئة أو أن تتحدّث عن التغيّر المناخي الذي يشهده الكوكب

الأهم أن هذا الخيار الشكلي الجديد لصُنّاع العمل، سمح بإضافة بعض التنوع على البيئة التي خرجت منها الحورية الصغيرة، على سبيل المثل صار لها ست شقيقات أخريات مختلفات الهيئة، إحداهن بملامح آسيوية وأخرى بملامح إسكندينافية وهكذا. وهي فكرة لا تجرح الأسطورة في شيء، بل تضيف لمسة ذكية للفيلم الجديد. في النهاية الحوريات، هن بنات تريتون – يلعب دوره خافيير بارديم - ملك البحار السبعة، ومن الطبيعي ألا يأتين على صورة واحدة.

لم يحدث هذا الجدال "اللوني" إن جاز التعبير في حالة فيلم باربي. أولا كانت مارغو روبي، الممثلة والمنتجة هي التي تحمّست لصنع فيلم عن الدمية الصغيرة، على أن تلعب دور البطولة فيه بكل تأكيد. عند المشهد الأول، تهبط باربي، بما يشبه المعجزة، من الفضاء إلى الأرض، ثم تظهر مارغو روبي بجمالها الأوروبي الأخّاذ، وقوامها الممشوق، ونحدس كيف رأت مارغو في نفسها صورة باربي بمواصفاتها الجسدية المثالية. وثانيا كان للمخرجة غريتا غيرويغ ونواه بومباش، الذي اشترك معها في كتابة السيناريو، كلّ الحرية الممكنة وهما يرسمان العالم السينمائي الأول لباربي، على عكس مأزق حورية البحر. ليس هناك قصة أو تاريخ لهذه الدمية التي لا تفعل شيئا لكنها تملك كل شيء، فقط تستمتع بحياتها على الطريقة الرأسمالية خصوصا. تغنّي في الفيلم "اليوم جميل مثل أمس ومثل الغد، ومثل كل الأيام". غير أن جدالا آخر لا يزال مُثارا حول الفيلم.

Manon Biernacki

في محاولة لدحض التهم المسبقة لباربي عن أنها المسؤولة عن إشاعة الاكتئاب بين الفتيات الصغيرات، ظهرت في الفيلم "باربيهات" أخرى بملامح سمراء، أو بجسد غير مثالي، بل رأينا حتى باربي محجّبة تجلس إلى جانب باربي المثالية في "البيت الوردي" - المعادل الموضوع للبيت الأبيض – لكن هذا كله لم يشفع للفيلم في بعض الدول العربية، التي نتخيَّل أن تقديم باربي محجبة كان محاولة بشكل ما لإرضائها، وارتأت السلطات هناك منع عرض الفيلم. وقد يكون السبب الأساس لهذا المنع هو إظهار الفيلم شيئا من التفوّق النفسي للنساء على الرجال، وهيمنة سياسية لهن في ذلك العالم الخيالي المحض. هذا التقدير وحده، يعطينا فكرة كيف ترى بعض عناصر السلطة في المجتمعات العربية وضع النساء، وكيف تخشاهن. على الرغم من أن عرض "باربي" لم يؤدّ إلى خروج النساء ثائرات، أو مُطالبات بحياة كتلك التي رأوا باربي تعيشها في الفيلم، في أي دولة عرضت الفيلم. إن طبيعة هذا العصر، تتعارض جذريا مع إمكان المنع التام، بعد بضعة أيام من بدء العرض، ظهرت نسخة مقرصنة من الفيلم، هنا وهناك عبر الإنترنت.

الإيرادات التي يحققها الفيلم في شباك التذاكر سواء العربي أو العالمي تقول إن الجميع كان متطلعا للفُرجة على باربي، أيا كان ما ستقوله، أو سيقوله صنّاعها. "إنه فيلم صُنع لمَنْ يحبون باربي، ولمَنْ يكرهونها أيضا"، كما يقول الإعلان.

"باربي" وفلسفة الاستمتاع

مَنْ يعرفون باربي جيدا، سواء مَنْ لعبوا في طفولتهم بها، أو مَنْ يشاهدون حاليا فيلمها الناجح، سيجدون في طبيعة الحال صعوبة في تصوُّر باربي فقيرة، أو باربي غير أميركية، كما لا يُمكننا أن نتوقع منها أن تدافع عن البيئة أو أن تتحدّث عن التغيّر المناخي الذي يشهده الكوكب. أولا باربي مصنوعة من البلاستيك، وهو أحد ألد أعداء البيئة الطبيعية. وهي صنيعة النظام الرأسمالي بالذات، الذي لا يعنيه من قريب أو بعيد الأضرار التي يتسبب بها للكوكب. لم يحدث في الفيلم لباربي أن تمرّدت على هذا النظام، وإن هربت ذات مرّة من رئيس شركة "ماتيل" الذي قرّر حبسها في صندوق، كي يعيدها إلى العالم الخيالي الذي أتت منه.

اقرأ أيضا: "أوبنهايمر" نولان: انفجار داخلي

في الربع الأول من الفيلم تضع "ويرد باربي" أو باربي الغريبة الأطوار – التي تلعب دور العرّافة أو الساحرة في رحلة البطلة - أمام باربي المثالية خيارين، إما أن تبقى في "باربي لاند" وتعاني بالتدريج من فقدانها مزاياها الجسدية المثالية، وإما أن تهبط إلى الأرض "وتستكشف حقيقة الكون" كما تخبرها. ثم يتضح ألا خيار أمامها وأنها مضطرّة إلى استكشاف "هذا الكون". مع ذلك، فإن المخرجة لم تغامر كثيرا بتعريف الدمية باربي على كوننا الحقيقي، لقد أرتها فقط بعض القشور والصور التي لا تصدمها ولا تصدم مشاهديها. رأينا مثلا سيدة عجوزا تجلس لتقرأ في سلام أو مراهقات في حالة نقاش حول زيف المعايير القياسية العالمية للجمال، فقط هذا، لا شيء عن الحروب، لا شيء عن التهديدات المحتملة بفناء العالم بالقنبلة الذرية – هذا على ما يبدو تركته مخرجة باربي لصانع أوبنهايمر.

يُبرز سيناريو "حورية البحر" أكثر من مرة أن هذا العالم الإنساني هو نتيجة للتزاوج بين ألوان وثقافات مختلفة

إن باربي عمل ترفيهي في نهاية المطاف، أحد أهدافه المعلنة هو الدعاية لشركة "ماتيل" ومنتجاتها. التوجّه الذي يتخذه الفيلم، بتغليب نمط معين من أنماط الحياة الرأسمالية، الذي يصبح فيه الثراء نوعا من تحصيل الحاصل، لا يختلف عن خطابات الكثير من المروجين للتنمية الذاتية من جميع الثقافات، بما في ذلك العربية، وزيارة سريعة ليوتيوب كفيلة إثبات أن "باربي" لم يأت بشيء جديد على هذا المستوى، إنما فقط قد يكون لخّص تلك الأفكار وجسّدها على أرض الواقع. في النهاية، نأمل جميعا بشكل أو بآخر، الاستمتاع بالذات وبالعالم بلا منغّصات، وهذا هو الحلم أو الوهم، إن شئنا الدقة، الذي يبيعه لنا "باربي" كخطاب.

قد يأتي مستقبلا مَن يقدّم نسخة جديدة من هذا الفيلم، أو يتخيَّل حكاية أخرى معارِضة للدمية التي تطمح إلى الخلود، ويومئذ ربما يتحفّظ الناس عن بعض التغييرات في النسخة الأحدث.

"حورية البحر"... أمثولة عن الهجرة

مثل الكثير من الأطفال، من جميع أنحاء العالم، مررتُ شخصيا بتجربة التعلق بالحكاية الخيالية لحورية البحر، وأمضيت أوقاتا طويلة أحاول تصوُّر هذه الجنيّة الجميلة التي تقلب حياة الصيّاد رأسا على عقب. هي من الحكايات الخيالية التي تلعب فيها المرأة دور البطولة، بل وهي التي تمدّ يدها لإنقاذ حبيبها وليس العكس. حورية البحر هي المرأة المُخلِّصة. قرأت القصة الجميلة في نُسخ عديدة، تناسب كل مرحلة من حياتي. إلى أن وصلتُ الى النسخة الأصلية التي دوّنها أندرسون، وآنذاك شعرتُ بحزن عميق. لم أفهم لمَ قست الأقدار على الحورية إلى هذا الحدّ. لكن هذه طبيعة الكثير من الأساطير، التي لم تُكتب أصلا للأطفال، غير أنها توجّهت إليهم في النهاية.

اقرأ أيضا: "باربي" في السعودية: الدولة تنتصر

في الأعوام الأخيرة، أعدتُ قراءة القصة، وبدأتُ أراها كأمثولة عن الهجرة، أمثولة كئيبة ومُقبضة عن الهجرة. تقع الحورية الصغيرة في غرام عالم البشر، وتخاطر بكل شيء كي تصير جزءا من عالمهم الجديد. لكن هذا العالم، بحسب الأسطورة، يسلبها لسانها (أي لغتها في أحد التأويلات)، ثم يُخايلها ولا يمنحها انتماءه الكامل، وهكذا تنتهي البطلة أسيرة معلقة بين عالمين، لا هي قادرة على العودة إلى العالم الأول، ولا هي نجحت في ما سعت إليه.

النزوع المبكر لعالم الإنسان، وتمجيده وإبراز أيضا جمالياته على طول الفيلم، مع الاعتراف بالشرور التي يجنيها البشر على الكوكب، هي نقطة تُخالف في طبيعة الحال ما ذهب إليه فيلم "باربي"، إذ كانت البطلة سعيدة في عالمها البلاستيكي واضطرت مرغمة للسفر إلى عالم الأرض.

مشهد من فيلم "باربي"

من جانب آخر، يُبرز سيناريو "حورية البحر" أكثر من مرة أن هذا العالم الإنساني هو نتيجة للتزاوج بين ألوان وثقافات مختلفة، ويُغيِّر الفيلم من الأسطورة، إذ يصبح الأمير إيريك – يلعب دوره جوناه هور كينغ - طفلا مُتبنى وصل بالمصادفة إلى قصر الملكة – في ذلك نوع من التناص مع قصة النبي موسى – لكن الملكة جعلته ابنا لها وولي عهد المملكة. هذه الملكة بدورها، سمراء البشرة، بينما الأمير أبيض البشرة. لا يؤدّي ذلك الى أي انشقاقات أو فتن في الفيلم. إن الصراع في "حورية البحر" لا يحدث بسبب فقدان البطلة للمواصفات القياسية كحال باربي، بل بسبب العداوة الضمنية والمشتركة بين العالمين، عالم البحار السفلي وعالم البشر الأرضي، والتحدّي الحقيقي الذي يضعه الفيلم أمام قصة الحب بين الحورية آرييل والأمير إيريك، هو قدرة هذه الرابطة على الصمود، وقدرتها أيضا على بناء جسر وسيط بين العالمين.

أي أن الهجرة، يمكن أن تنتهي أحيانا نهايات سعيدة، لا يفقد فيها أحد صوته، بل يضيفه إلى مفردات العالم الجديد. 

font change


مقالات ذات صلة