اللاجئون في لبنان: رهاب الديموغرافيا

"المجلة" تتقصى وتكشف مسالك الهجرة السرية (4)

Aliaa Aboukhaddour
Aliaa Aboukhaddour

اللاجئون في لبنان: رهاب الديموغرافيا

بيروت: "دولة عربيّة أعداد مواطنيها في تراجع مستمرّ، بين 32 دولة عالميا". عنوان مثير للاستكشاف دوّى في المواقع الإخبارية. البلد هو لبنان، والوحيد عربيّا، وفق التقرير الأممي الأخير للتعداد السكاني.

لم يكن التقرير ضروريّا لتصعيد النفور تجاه اللاجئين السوريين في لبنان. الحالة مستنفرة منذ بدء الأزمة الاقتصادية اللبنانية، ويتوالد منها عنف يوميّ بين لبنانيين وسوريين. الجديد أنّ الاحتقان يغذيه إجماع الموقف السياسي اللبناني النابذ للاجئين، في ظلّ موجة اللجوء الجديدة التي انطلقت في الشتاء الأخير، معطوفة على عنوان "التهديد الديموغرافي" من اللاجئ السوري، إلى الحدّ الّذي جعل وزير الداخلية والبلديات اللبناني يعتبر أنّ عمّال "الدليفري" السوريين، يهدّدون الأمن الأهلي لأنهم "يطّلعون على تفاصيل حياة اللبنانيين".

ينقلنا المشهد الراهن إلى خلفية فاعلة ومتفاعلة منذ قبل لجوء السوريين، وتعني الفلسطينيين الذين أسس لجوؤهم إلى لبنان تهديد "التوطين". يؤبّد هذا التهديد في الوجدان المسيحي سؤال الزعيم بيار الجميل في أواخر سبعينات القرن الماضي: "هل فعلا تعتقدون أنّه لم يتمّ توطين الفلسطينيين بعد؟".

حتى اليوم، لا تزال المعالجة العلمية غائبة في خصوص التوطين، وخطّة "الترحيل الآمن" التي وضعها لبنان في الصيف المنصرم غير واضحة المعالم للرأي العام، في حين يتأثر المعيش اللبناني بدوامة المواقف السياسية التي تشحن التوترات بين المواطنين واللاجئين، باعتبار أن هؤلاء سيقضون على خصوصية لبنان المسيحيّة.

إذا، وفي ظلّ غياب اليقين وتسلّط الحوافز الغريزية لانتزاع مقوّمات البقاء ضمن اقتصاد ومال منهارين، ما ملامح التغيّر الديموغرافي الذي يشق طريقه إلى لبنان على خطى اللاجئين؟ وعلى أي أسس من الحقيقة ينبع الخوف من التوطين؟

خطّة "الترحيل الآمن" التي وضعها لبنان في الصيف المنصرم غير واضحة المعالم للرأي العام، في حين يتأثر المعيش اللبناني بدوامة المواقف السياسية التي تشحن التوترات بين المواطنين واللاجئين

نازح أم لاجئ سوري؟

المحامية المتخصصة في القانون الدولي ديالا شحادة، تقول: "البعض يصوّر أنّ اللاجىء سيُمنح الجنسية، وهذا استغلال للجهل بثلاثة أمور: من اللاجئ؟ ما الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئ؟ وما التوطين؟".

اللافت أوّلا بحسب شحادة، تسميتهم بـ"النازحين"، في حين أنّ النازح لا يعبر حدودا دولية معترفا بها. تشرح أنّ لبنان يستخدم مصطلح "نازح سوري" بموجب البيان الوزاري المتعلق باللاجئين في حكومة تمام سلام عام 2014، واعتمده إمّا لجهل لدى مَن أعدّ البيان، أو لاعتبار ساذج بأنّه يُحرّر لبنان من التزامه تجاه اللاجئين السوريين.

وتتابع أنّ صفة اللاجئ ملزمة بحسب القانون الدولي، وتسقط عن السوريين فقط عندما يتبين أنّهم قادرون على العودة. وهذا جرى عام 2015، حين تشاركت "المفوضية" والأمن العام اللبناني بيانات حركة دخول السوريين وخروجهم، وبناء عليها شطبت المفوضية 200 إلى 300 ألف لاجئ.

AP
عائلة لاجئة في مخيم للاجئين في البقاع، لبنان 2022.

تقدّر الحكومة اللبنانية أنّ عدد سكان البلاد البالغ اليوم أكثر من 6 ملايين يشمل نحو 1.5 مليون لاجئ سوري، معظمهم لا يملك أوراقا نظامية، ولدى مفوضية اللاجئين نحو 795 ألفا و322 مسجلا.

ووفق بيانات الجيش اللبناني، فإنّ عدد الموقوفين السوريين الداخلين خلسة بلغ منذ بداية 2023 حتى سبتمبر/أيلول الماضي قرابة 22 ألفا و820 نازحا.

حقائق حول الترحيل

أثبتت الحكومات اللبنانية المتعاقبة غياب الإدارة المنهجية والشفافة للجوء السوري منذ اندلاع الحرب. ما يمكن تشخيصه اليوم انفجارا للجوء هو نتيجة الاخفاقات طوال 12 عاما، تراوحت الحلول خلالها ما بين طلب مساعدات من الدول المانحة، أو ترحيل لاجئين.

عمليّا، يستند لبنان في ترحيل اللاجئين إلى قانون تنظيم الدخول إلى لبنان والإقامة فيه والخروج منه الصادر عام 1962، وينصّ   على "صلاحية المدير العام للأمن العام اللبناني في إصدار قرارات بترحيل الأجانب في حالات استثنائية حيث يشكّل الأجنبي خطرا على السلامة والأمن العام".

كما يستند إلى قرار المجلس الأعلى للدفاع الصادر في 2019، الذي انطلقت على إثره أولى قوافل اللاجئين ضمن "العودة الطوعية والآمنة".

AP
مجموعة من السوريين متهمين بالعبور بطريقة غير شرعية إلى لبنان من سوريا عن طريق الطريق مهربين في بلدة شدرا بمحافظة عكار شمال لبنان.

توضح شحادة أنّ لبنان ملتزم تجاه اللاجئين السوريين عدم الترحيل، بموجب القانون الدولي، فلبنان لم يوقّع اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئ، لكنه شارك في صوغ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يحفظ الحق في اللجوء. وإن اتضح أنّ الشخص غير معرض للاضطهاد، يجب عرضه على القضاء بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، وهذا لا يفضي إلى الترحيل بل إلى سلوك مسار قانوني يبدأ بالدستور ثم الاتفاقيات الدولية وانتهاء بالنصوص الخاصة. ولبنان وقّع مع المفوضية عام 2003 اتفاقية تلحظ هذا المسار، ويتم تحريفها، فهي تعطي مهلة سنة لإيجاد دولة ثالثة لإعادة توطين اللاجئ.

وتقول شحادة نقلا عن مصادر أمنيّة، أنه يجري ترحيل السوريين من مرتكبي الإرهاب والقتل والسرقات في لبنان، على ألا يكونوا ارتكبوا جرائم أمنية في سوريا، وبالتالي لا يطرح الترحيل خطرا على حياتهم. وقد تابعت ملفات لسوريّين من "الجيش الحرّ"، لم يُرَحّلوا على الرغم من إدانتهم في المحكمة العسكرية اللبنانية وانقضاء محكوميتهم.

أوعز المصرف المركزي بعدم فتح حسابات مصرفيّة لجمعيات وشركات مدنية إن اتضح أنّها تنشط لإغاثة السوريين، إلا في حال جمّدت المنظمة مبالغ مرقومة تصل إلى مليون دولار

أخطار أمنية وديموغرافية

يستوجب ترحيل اللاجئ السوري أن يشكّل خطرا أمنيّا على لبنان.

في هذا الجانب، يقول الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين: "هناك نحو 9000 موقوف ومحكوم في السجون اللبنانية، 40 في المئة منهم سوريون"، مضيفا "بحسب تقرير المديرية العامة للأمن العام من 15 يونيو/حزيران إلى 15 يوليو/تموز 2023، أوقف 532 متهما بالجرائم، من بينهم 291 سوريا. وفي تقرير موازٍ لأمن الدولة، أوقف 161 متّهما، من بينهم 55 لبنانيا فقط و106 سوريين".

Aliaa Aboukhaddour

يفترض شمس الدين أنّ شبكات تشغيل السوريين يكون فيها اللبناني هو الرأس والأداة هو السوري، بسبب وضعه الاجتماعي الهش. ويقيّم الباحث المخاوف الديموغرافية كالآتي: يبلغ معدل زيادة اللبنانيين 1%، والسوريين 3% ويوجد في لبنان اليوم 4 ملايين و200 ألف لبناني ومليون و600 ألف سوري. وإن استمرّت هذه الوتيرة، نصل إلى 7 ملايين و116 ألف لبناني، في مقابل 7 ملايين و118 ألف سوري بعد 53 سنة. ولا شكّ في أنّ التهديد الديموغرافي يطال المكوّن المسيحي الذي يشكّل بحسب الباحث 28% من اللبنانيين المقيمين، وذلك استنادا إلى دراسة القوائم الانتخابية لعام 2022.

ويشير رئيس مركز السكان والتنمية الدكتور علي فاعور إلى انكماش متسارع في الولادات المسيحية، فقضاء جزّين يسجّل متوسط حجم الأسرة الأقل لبنانيا (3.3)، وتبلغ النسبة في البترون وكسروان وراشيا (3.4)، والمتن (3.5).

لا يعزل فاعور الحالة المسيحية عن تراجع عام للسكان اللبنانيين. ويبرز مقارنات بين عامي 2018 و2022، حيث لحظ تراجعا كبيرا في الولادات (%38-)، مقابل زيادة الوفيات (%6.2+)، عازيا التغيرات إلى "الحد الطوعي للنسل" جراء الأزمة الاقتصادية، وتراجع معاملات الزواج ( (%24.6- وتزايد الطلاق إلى مستوى ( (%26.5+ في 2022، وهجرة الكفاءات اللبنانية وفي عدادها 260 ألفا غادروا البلاد خلال المدّة المذكورة.

عودة السوريين

هل يرغب اللاجئون السوريون بالعودة إلى بلادهم، ما قد يكسر المخاوف الديموغرافية؟

"ليس على المدى القريب"، يجيب فاعور. ويستشهد بالجولة الثامنة لـ "استطلاع الآراء والنوايا لدى اللاجئين السوريين" الذي أصدرته المفوضية في يونيو/حزيران 2023 ويغطي لبنان والأردن والعراق ومصر. وتستوقف نسبة اللاجئين السوريين في لبنان "الرافضين للعودة خلال 12 شهرا"، وتبلغ %91، فيما ترتفع نسبة "الراغبين بالعودة خلال 5 سنوات" لتبلغ %27. كما تشير النتائج العامة إلى رغبة %56 من اللاجئين السوريين بالعودة، مقابل %32.2 لا يرغبون في ذلك إطلاقا، مع رغبة %26 من هؤلاء بالتوطين في بلد  ثالث.

يضيف فاعور أنّ "نقص فرص العمل" يتقدّم الأسباب التي تدفع السوريين الى عدم العودة، فيما حلّ "الوضع الأمني" في المرتبة الثانية، وفي المرتبة الثالثة "نقص الخدمات الأساسية وانعدام البنية التحتية".

AP
أطفال سوريون يلعبون كرة القدم أمام خيامهم في مخيم للاجئين في بلدة بر الياس في سوريا وادي البقاع، لبنان، 7 يوليو/تموز 2022.

ابتزاز سوري- لبناني

تحمّل المحامية ديالا شحادة النظام السوري المسؤولية الأولى لإعاقة عودة اللاجئين. وتقول إنه في ظلّ مقاطعة المجتمع الدولي، باستثناء الاغاثة الإنسانية لسوريا جراء الزلزال المزدوج في شباط/فبراير 2023، لا يمتلك النظام السوري إلا ورقة اللاجئين. ففيما يطالب المجتمع الدولي سوريا بوقف الانتهاكات الإنسانية، وإعلان مصير المفقودين، والإفراج عن المعتقلين السياسيين وخصوصا النساء، لم يعلن النظام قبوله بهذه الاجراءات.

وتتابع أنّ النظام وضع معوقات شتى لعودة اللاجئين، منها المرسوم الرئاسي 2018/10، الذي يهدّد ملكياتهم العقارية. ويفرض 100 دولار على كل سوري يدخل حدود البلاد، ويتقاضى قيمتها على سعر الصرف الرسمي، كما فرض رسوما خيالية للاعفاء من التجنيد بقيمة نحو 4000 دولار. ولذلك موقف النظام السوري واضح المؤشرات برفضه عودة اللاجئين.

على المقلب الثاني، لبنان "دولة فاشلة" وفاسدة في منظور المجتمع الدولي. هذا ما تشدّد عليه شحادة، مذكّرة بأنّ المانحين قرّروا منذ 2017 الاعتماد أكثر على منظمات المجتمع المدني لإغاثة اللاجئين السوريين. حينها، أوعز المصرف المركزي بعدم فتح حسابات مصرفيّة لجمعيات وشركات مدنية إن اتضح أنّها تنشط لإغاثة السوريين، إلا في حال جمّدت المنظمة مبالغ مرقومة تصل إلى مليون دولار، وذلك تحت مسمى "مكافحة الإرهاب وتبييض الأموال".

وترتفع النبرة الحكومية ضد اللاجئين في الموجة الجديدة باعتبارهم "لاجئين اقتصاديين"، للإشارة الى أنهم يريدون العمل والحصول على المساعدات الأممية، ويدخل أغبلهم لبنان من معابر غير شرعية وحدود برية غير مضبوطة شمالا وشرقا بتسهيل من المهرّبين. في حين يرى الحقوقيون أن الظروف الأمنية والاقتصادية غير المستقرة في سوريا ونشوب نزاعات مستجدة في مناطق محسوبة على النظام هي مسوغات هذا اللجوء.

تستنتج شحادة أنّ إفلاس المنظومة السياسية اللبنانيّة بكامل تناقضاتها، اقتادها إلى استنزاف الملف السوري مجدّدا، بينما الأجدر ضبط لبنان حدوده والمعابر غير النظامية، وهي ممسوكة من مخابرات الجيش اللبناني ومجموعات محمية من "حزب الله" أو الجيش السوري النظامي.

تميّز شحادة بين شبحية "التوطين" الحائمة منذ الحرب الأهلية، والأصول القانونية لهذه المسألة، والتي يحجبها الخطاب السياسي المُضلّل. فمَن يمنح الجنسية اللبنانية هو أولا رئيس الجمهورية، وقام بذلك مسبقا، و"إن تكلمنا بالمنطق الطائفي السائد، فإن ممثّل المسيحيين في السلطة هو مَن يتّخذ إجراء التجنيس".

أمّا الطرف الثاني فهو مجلس النواب، الذي يمثل أكثرية الأحزاب الحاكمة.

في حالة ثالثة، يصدر حكم قضائي لأشخاص لم يُسجلوا في المسح السكاني. ويجب تمييزهم عن "مكتومي القيد" من عشائر عربية تعيش في عكّار منذ عقود، وتحتفظ بأوراق رسمية قديمة، وجُنّست عام 1994.

وعليه، تؤكّد شحادة أنّ الكلام عن توطين السوريين تهويل، فلا يوَطّن من له جنسية، ولا يوطّن من له جنسية لم يسع للاستحصال عليها. ولا يوَطّن أحد إلا بتوافق أكثرية الأحزاب السياسية وترجمة الاتفاق بقانون صادر عن البرلمان أو بمرسوم جمهوري.

إذا كان المزاج العام الفلسطيني يسعى الى الهجرة بفعل تراكم البؤس في المخيمات، فإن فئة صغيرة ترغب بالحصول على الجنسية اللبنانية

توطين الفلسطينيين

تتلاحم مع الخوف الديموغرافي الراهن وتسبقه مخاوف من توطين الفلسطينيين منذ لجوئهم إلى لبنان. خلال 75 عاما على لجوئهم، أضحى "رهاب التوطين" بمثابة تقليد ثقافي مفاده أنّ الفلسطينيين يرغبون في التوطين. 

يفنّد السؤال مدير مركز تطوير الدراسات هشام دبسي، قائلا: "بداية لا بد من الإشارة إلى أنّ الموقف الرسمي الفلسطيني والممثل بمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية، أصدر وثائق موجهة للدولة اللبنانية ولجميع الطوائف، ليعلن اعتذاره عن المشاركة في الحرب الأهلية، ويتعهد برفض أي محاولة للتوطين. وتجدر مراجعة وثيقة "إعلان فلسطين في لبنان" الصادرة عام 2008 ووثيقة "كلمة شرف وعهد وفاء لأخوتنا المسيحيين في لبنان" الموجهة للعائلات الروحية في عيد الفصح من ذلك العام. كما يَبرز تقرير الإحاطة لمندوب الأمين العام للأمم المتحدة لمتابعة تنفيذ القرار الأممي 1559، وما نصّه تقرير مجلس الأمن عن تعاون الشرعية الفلسطينية لتطبيق هذا القرار داخل المخيمات وخارجها على قاعدة إنقاذ سيادة الدولة اللبنانية".

ويرصد دبسي الحراكات الشبابية الفلسطينية التي دعت إلى السماح لها بالهجرة إلى الضفة الغربية أو إلى أميركا وأوستراليا، وشكّلت لجان تجول على السفارات ذات الصلة لطلب اللجوء حتى لا تضطر للهجرة غير النظامية. وقد لاقى هذا الحراك أبوابا موصدة في السفارات، كما واجهته فصائل فلسطينية، واتهمّته بأنه مؤامرة لإسقاط "حق العودة"، ومارست تلك الفصائل التهديدات والضغط على الحراك حتى أجهضته.

ويذكّر بأنّ مجموعة تمثل اللاجئين الفلسطينيين الذين لجأوا من سوريا إلى لبنان بعد تدمير مخيم اليرموك وغيره في سوريا، أعلنت موقفا يطالب "الأونروا" و"مفوضية اللاجئين" بحقهم في التوطين في بلد ثالث، وحمل الحراك تفويضا موقّعا من أكثر من ألف عائلة فلسطينية انتقلت من سوريا وعائلات فلسطينية من المخيمات اللبنانية تطالب بالتوطين في بلد ثالث، وتعاون مع اللجنة محامون لبنانيون، لكنهم أيضا فشلوا في إقناع "الأونروا"و "المفوضية"، فتحولوا إلى السفارات لكنها أيضا أوصدت أبوابها.

تحركت ضد هذا الحراك فصائل "الممانعة" لتتهمهم بالعمالة، مما أدّى إلى اختفاء أغلب عناصره المعروفة، ولاحقا كان البحر وسيلتهم لسلوك الهجرة غير النظامية.

في مواجهة المشهد العام الذي يعكس إرادة غالبية الفلسطينيين في المخيمات، يلفت دبسي إلى أنّ القيادات اللبنانية الأعلى صوتا في رفض التوطين الفلسطيني (عون-باسيل) منحت الجنسيات اللبنانية بمرسوم رئاسي لعدد لا بأس به من الفلسطينيين أصحاب المال لقاء مبالغ طائلة.

ولا يفوت الباحث أنّ أمهات لبنانيات متزوجات من فلسطينيين سعين من طريق النضال السلمي للمطالبة بمنح المرأة اللبنانية الجنسية لأطفالها، لكن البرلمان يرفض النقاش في هذا المطلب الإنساني، وأبلِغَت الحملة بإيقاف مشروع القرار بسبب الزيجات من الفلسطينيين.

ويتدارك دبسي: "إذا كان المزاج العام الفلسطيني يسعى الى الهجرة بفعل تراكم البؤس في المخيمات، فإن فئة صغيرة ترغب بالحصول على الجنسية اللبنانية. وهذه الفئة عاشت في قرى وأحياء فقيرة في المدن مثل صيدا القديمة، برجا، قرى الجنوب، الضبية، برج حمود، زحلة. ومعظم هؤلاء مندمجون في محيطهم، ويخفون جنسيتهم مخافة فقدان عملهم ومصدر رزقهم، وبحسب سجلات الأونروا، لا يتجاوز عدد هؤلاء الفلسطينيين 3000 إلى 4000 عائلة، وهم يرغبون في التوطين بشدّة ولكنه لا يحقّ لهم".

Aliaa Aboukhaddour

التطبيع واحتمالات التوطين

أخيرا، وعلى وقع خطوات التطبيع المتسارع مع إسرائيل، تبقى مسألة توطين الفلسطينيين في لبنان محاطة بالشبهات.

في أيّ  حال، ينفي هشام دبسي إمكان توطين الفلسطينيين في لبنان، منطلقا من مسار اتفاقات السلام بين مصر وإسرائيل والأردن وإسرائيل، ومع ذلك لم يُوطَّن اللاجئون الفلسطينيون في الأردن وعددهم يصل إلى 50 في المئة من سكان المملكة، وكذلك لم يوَطّن اللاجئون الفلسطينيون في مصر وعددهم يقارب 100 ألف.

أما في مسار تطبيع الإمارات والبحرين والسودان والمغرب حيث لا يوجد لاجئون فلسطينيون، فيقول "يجري العمل اليوم على إحياء مسار السلام الفلسطيني-الإسرائيلي على قاعدة خيار الدولتين. وهنا يتوقف المطلب، حيث أن عودة المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية هي الهدف من إدراج الموضوع الفلسطيني في مسار التطبيع، على أن تتابع المفاوضات القيادة الفلسطينية وليس سواها على ملفّات الحلّ النهائي المتعارف عليها (الحدود، القدس، اللاجئين، الأمن)".

ويخلص هشام دبسي إلى أنّ من يخوّف ويحذّر من التطبيع على أنّه "مدخل توطين في لبنان"، فإنه يتحدث خارج المعطيات الدولية والاقليميّة، ويريد الاستثمار في هذا العنوان من أجل استخدام الحالة الفلسطينية في لبنان كورقة مساومة، فضلا عن مزايدات الخطاب الإيديولوجي (الإسلامي- القومي- اليساري) الذي يشكّل خلفية محور الممانعة بشكل عام.

font change

مقالات ذات صلة