فلسطين... هزيمة "مسار التاريخ"

ثمة أمثلة عالمية لتغيير جذر الصراعات وتبديلها إلى العكس تماما

فلسطين... هزيمة "مسار التاريخ"

لو أوقفنا مشهد الحرب الحالية في غزة (وفلسطين عامة) للحظة، وحاولنا إعادته بالزمن إلى الوراء، إلى أي وقت من تاريخ الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، بما في ذلك اللحظة التأسيسية قبل أكثر من قرن من الآن، لعثرنا على المشهد الحالي تماما، بكل تفاصيله، الجغرافية والسياسية والخطابية والمنطقية والعقائدية، وشبكة حلفاء الطرفين والمقولات والحجج التي يقدمونها كذرائع للحرب، لكن أولا حجم "المطلق" الذي في الصراع، منذ لحظته التأسيسية وحتى الآن. فكل حرب وموقف ومشهد منه، منذ التأسيس وحتى الحرب الحالية، كان ولا يزال صورة طبق الأصل عن الجذر.

يبدو أمرا مذهلا للغاية، إذ لم يشهد العالم صراعا آخر تمتع بهذه الخاصية قط، تحديدا خلال هذا القرن المتخم بالحيوية والتحولات. حتى تلك الحروب العسكرية والنزاعات الجغرافية والعقائدية الأكثر وحشية وعدمية في العالم المعاصر، طرأت عليها تحولات بنيوية ما، غيرت من منطق المواجهة وخففت من حدة "المطلق" الذي بداخلها. حدث ذلك بحكم تبدلات تاريخية جيوسياسية عامة في الكل العالمي، كانت محيطة ومؤثرة على تلك الصراعات، ناظرتها تغيرات أخرى ضمن مجتمعات المتصارعين، صارت الأجيال الأحدث بالتقادم تعتقد أن هذه الحدة والاستمرارية في المواجهة شيء غير ذي جدوى ومعنى، وأن دروبا أخرى يمكن اجتراحها والسير عليها، أقل عنفا وأكثر فسحة، يمكن للكل العيش فيها، وإن بعدالة نسبية غير مطلقة.

ثمة أمثلة عالمية تكشف فاعلية المسار التاريخي في تغيير جذر الصراعات وتبديلها إلى العكس تماما 

ثمة أمثلة عالمية، باهرة ولا تُحصى، تكشف كل واحدة منها فاعلية المسار التاريخي في تغيير جذر الصراعات، وفي أحيانٍ كثيرة تبديلها إلى العكس تماما مما كانت عليه لحظة التأسيس.

ألمانيا مثلا، التي كانت في لحظة اندلاع المسألة الفلسطينية أشد المناهضين لليهود والحركة الصهيونية على مستوى العالم، والداعم الرئيس للتيارات الفاشية في المنطقة العربية، والنظام السياسي المتخم بالفاشية العرقية، المعادية للمحيط الأوروبي، وكل العالم، انقلبت على نفسها تماما بعد سنوات قليلة، حتى إنها صارت على العكس من ذلك تماما، وبعد سنوات قليلة. تنازلت عن كثير من أراضيها التاريخية، وقبلت أنواعا من الاحتلال، وغيرت نظرتها لنفسها وتاريخها، حتى إنها صارت أشد حلفاء "أعدائها السابقين".

الأرمن الذين ذهب أكثر من نصفهم ضحايا لإبادة جماعية مروعة أوائل القرن، رضوا بدولة على أقل من خُمس جغرافيتهم التقليدية، اعترفوا بدولة تركيا الحديثة، وخاضوا جدالات ومطالب نسبية بشأن مسؤوليتها عما لحق بهم في أوائل القرن العشرين. مثل الأرمن كان أكراد مختلف دول المنطقة، الذي خاضوا أنواعا من الكفاح المسلح والمدني والأيديولوجي، لكنهم في المحصلة استمرأوا منطق التاريخ، وقبلوا بمساومات مع دولهم ومجتمعاتها، غضوا النظر عن ممارسات وحشية مورست بحقهم، من محق ثقافي وإذلال مجتمعي وقمع أمني... إلخ، وما اعتبروها "نهاية التاريخ".

العلاقة الثلاثية بين دول الهند وباكستان وبنغلاديش تقدم مثالا واضحا عن ذلك. فالدول الثلاث كانت كيانا تاريخيا واحدا، خاضت حتى أواخر النصف الأول من القرن العشرين كفاحا موحدا ضد الاستعمار البريطاني. لكنها ما لبثت أن تصارعت على ضفتي الشقاق الديني الهندوسي/الإسلامي، وانفصلت عن بعضها، موقعة ملايين الضحايا. لكن مسلمي الهند، الذين صارت لهم دولة واحدة تضم باكستان وبنغلاديش، ما لبثوا أن تصارعوا كقوميين بنغال وآخرين باكستانيين، بعد أقل من عقدين، وأراقوا دماء كثيرة، إلى أن انفصل بعضهم عن بعض. لكنهم جميعا، وفي المحصلة، اعترف بعضهم ببعض، تجاوزوا ما حدث بينهم، وجعلوا من خلافاتهم الكثيرة بشأن الأرض والسيادة أشياء ثانوية ونسبية، والأدهى أنهم جميعا صاروا يتراكضون للحاق بالقوى التي ناهضوها مشتركين في "كفاحهم".

لا تنتهي الأمثلة العالمية، من تشيلي وفيتنام واليابان التي خاضت حروبا ضد أميركا وصاروا شركاء اقتصاديين وسياسيين لها، مرورا بتيمور الشرقية ومسار تاريخها المتعرج مع إندونيسيا، ومثلها قبرص اليونانية وكامبوديا ودول البلقان.

لأسباب يطول شرحها في النموذج الفلسطيني، بقيت المقولات المطلقة والمرويات المقدسة سيدة التاريخ

في كل واحدة منها، انقلب جيل المتخاصمين الثاني من أعداء ليكونوا أصدقاء متعاونين، وصارت الأيديولوجيات الحماسية أشياء لا معنى لها، ووجدت الحلول النسبية طريقها للعيش، وإن كانت خالية من عدالة مطلقة، وباعتراف الجميع. غُض النظر عن بحور من الدماء والآلام والحقوق التاريخية، وصار كل شيء آخر مقبولا، في سبيل شيء وحيد، هو العيش بسلام أكثر وحروب وصراعات أقل.

في كل واحد من تلك الأمثلة، كان الضحايا أضعاف ما شهده الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والجغرافيا والسيادة المتنازع عليها لا تقارن من حيث الحجم والثروة بما لفلسطين، والأمم والجماعات العرقية والدينية أكبر حجما وأفعل دورا في الكل العالمي. ومع كل ذلك، تمكنت حركة التاريخ من اختراقها، وتفكيكها وإعادة صياغتها، وتقديم معانٍ وقيم جديدة للحياة المشتركة بين المتصارعين.

لأسباب يطول شرحها وتفكيكها، لم يحدث ذلك في النموذج الفلسطيني، وبقيت المقولات المطلقة والمرويات المقدسة والرؤى الملحمية سيدة التاريخ فيه. ولأجل ذلك بالضبط، ترى ما لا يُمكن تصديقه حتى في الأساطير القديمة الأكثر ظُلمة وظلامية، طفلة تناجي طبيبا بعد وقوع المجزرة: "عمو منشان الله هادا حلم ولا حقيقة؟".

font change