"باي باي طبريا" والتأمل الهادئ في معنى الذاكرة والهوية

قصة نساء من أربعة أجيال

Bye Bye Tiberias (2023)
Bye Bye Tiberias (2023)
مشهد من الفيلم

"باي باي طبريا" والتأمل الهادئ في معنى الذاكرة والهوية

لو أن الفيلم التسجيلي "باي باي طبريا" اكتفى، بسرد قصة جيلين فقط من النساء الفلسطينيات، جيل 1948، وما بعده، وكيف تبعثرت حيواتهن، إثر النكبة، وانتزعن من بيئاتهن وأحلامهن وعوائلهن، وألقين في العراء، ثم كيف اضطررن إلى المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وكيف نجحن في ذلك بدرجات، لو أنه اكتفى فقط بذلك لصار هذا العمل فيلما كلاسيكيا غنيا عن الهوية والنضال، والقوة الفطرية للنساء إزاء حياة غير طيّبة وغير متوقعة.

لكن ما يجعله أوسع كثيرا، وأعمق أيضا، هو انفتاحه على ثيمات أخرى، قد تبدو معارِضة ظاهريا لهذا الخطاب الكلاسيكي الكبير، لكنها باطنيا، قد تكون تكمله، وتجسده على الأرض، إذ هي تخلص لموقف الفرد من أزمته، ولتمسكه بصوته الخاص، وانشغاله بأسئلته الشخصية المشروعة، في لحظة تاريخية تملي انمحاءه كذات، وتبقيه فقط كرمز، مجرد أداة في الصراع المحتدم بين الأيديولوجيات والسرديات التاريخية.

الحاصل أن "باي باي طبريا"، من إنتاج فرنسي، بلجيكي، قطري، وفلسطيني، ينفتح على قصص أربعة أجيال لنساء من شجرة عائلة واحدة، هن: أم علي، وابنتها نعمات، ثم هيام (النجمة هيام عباس)، وابنتها لينا (لينا سويلم) مخرجة هذا الفيلم نفسه، وكاتبته بالاشتراك مع نادين ناووس.

أمومة لا فكاك منها

أم علي (الجدة الكبرى) توفيت ولينا في العاشرة من عمرها، والذكريات الشخصية المصوَّرة لم تكن عديدة مع نعمات والدة هيام، لأن هيام قد رحلت في شبابها فجأة عن دير حنا في فلسطين، إلى فرنسا، ساعية وراء حلمها بالفن. مع ذلك، فإن حضورا سينمائيا خاصا تصنعه لينا سويلم لهما، في فيلمها، عبر أدوات عديدة، أهمها ذلك النص الذي كتبته بالفرنسية وقرأته على طول الفيلم، وفيه أعادت تركيب شذرات الحيوات المتشظية، معلقة كل مرة على ما سمعته بما تراه وما تحس به، مضيفة ما تيسّر من مقاطع موثقة للشوارع القديمة التي عاشت فيها أم علي ونعمات، وصورهما الفوتوغرافية بالطبع في مراحل مختلفة من حياتيهما.

فراغ الواقع، تملأه لينا بصوتها الخاص، لكن أيضا بصوت والدتها، النجمة هيام عباس وبحضورها الحي

أي أن فراغ الواقع، تملأه لينا بصوتها الخاص، لكن أيضا بصوت والدتها، النجمة هيام عباس وبحضورها الحي، فهي في النهاية مركز هذا الفيلم ومدخلنا إليه ونقطة جاذبيته القصوى. لقد غادرت هيام إلى باريس، في مطلع شبابها، في قرار لم ترض عنه العائلة، لكن هيام أيضا لم تستشرهم فيه. تقول تعليقا على إحدى الصور: "كل شيء كان يُشعرني بالاختناق، حتى من يحبونني، كانوا يشعرونني بالاختناق". بدأ حب هيام للفن وهي بعد صغيرة، تزور مسرح الحكواتي، وتحاول الولوج إلى دنياه. روح حرة، تحلم أيضا بالحب، وتمارسه قدر استطاعتها، قبل أن تقرر الرحيل نهائيا. ومع أن العائلة، على الأقل الأب، لم يعترض قصص حبها العابرة، كما تتذكر هي اليوم مع أخواتها ضاحكة، إلا أن الشعور بانسداد الأفق، ومن ثم إغواء تجاوز هذا الأفق، ظل يلازمها، إلى أن تمكنت ذات يوم من تحقيقه، ولم يكن ذلك بلا ثمن.

في باريس عملت هيام وتزوجت، وحاولت أن تقطع صلتها بالماضي، أن تمحو ذاكرتها القديمة، وتستبدلها بمكان جديد ولغة جديدة، وكأن ذلك كاف لمحو الألم! هناك أنجبت ابنتها لينا، التي تقول بالفرنسية في التعليق الصوتي: "لقد ولدتُ من هذه المغادرة، من هذا الانفصال". لكن بالتدريج ستدرك هيام، أن هذا المحو الذاتي، قد يكون فعلا ضد الذات وليس معها، وبفضل لينا الصغيرة، تقرر العودة مرة أخرى إلى فلسطين، هذه المرة زائرة وممتلئة بالحنين، معها جواز السفر الفرنسي، لأن جوازها الفلسطيني ما كان ليسمح لها بالإطلال مرة أخرى على عائلتها في دير حنا، تقول هيام: "عدت لأنه كان من الصعب أن أكون أما وحدي في الغربة، عدتُ لأني احتجتُ أمي كي أصير أما".

وهذا أحد الأوتار الحساسة التي يضرب عليها "طبريا" بعذوبة، علاقات الأمومة بتشعباتها، بغاباتها الخانقة وبحيراتها الرحبة. في طفولتها سمعت لينا من هيام، عن حكاية طبريا وبحيرتها التي سار فوق مياهها المسيح، وها هي تعترف لأمها في مشهد من وراء الكاميرا: "حين عرفتُ ذلك وأنا صغيرة، ظننتُ أن صلة قرابة لنا بالمسيح"، وتضحك هيام غير مصدقة. ولعلّ من هذا الوعد بالقداسة، من القدرة على التجاوز، وُلدت رغبة لينا في العودة إلى دير حنا، وهذا التعلق بالبحيرة التي يستحق الفيلم عنوانه منها. "عدتُ أجدد الوصل مع عائلتي وكنتُ أعرف أنهم سيحتضنونك كطفلتي الصغيرة"، تستفهم لينا: "أي أنني كنتُ الذريعة لعودتك إلى هنا؟". تسألها هيام: "هل أخطأت في هذا؟". فتجيب ببساطة: "بل أحسنتِ".

الذاكرة مقابل الهوية     

لينا هي الابنة الفرنسية بالميلاد والتعلم والجنسية في شجرة العائلة هذه. ولئن كانت هيام قد قررت الرحيل عن فلسطين، إلى باريس، بمعنى أنها كوَّنت قسما من هويتها الجديدة اختياريا، فإن لينا الفرنسية الجزائرية الفلسطينية، لم تختر هذا التركيب الخاص لهويتها. لكنها في المقابل، تختار الآن أن تشهد على هذا التداخل والامتزاج، وتأتي شهادتها تلك عبر السينما. وحتى من قبل "طبريا"، صنعت لينا سويلم فيلمها التسجيلي "جزائرهم"، وفيه كانت تتبع سيرة عائلة والدها الجزائري، لا سيما جدها وجدتها الجزائريان المهاجران إلى فرنسا، حاملين معهما الآثار النفسية لما تعرضا له من بطش الاحتلال الفرنسي في الوطن. هنا تشهد لينا مجددا، وتجعل الكاميرا تشهد معها، على أمها وهي تقرأ بعض القصائد العربية، ونعرف أن هيام عباس، كانت مشروع شاعرة كبيرة. نراها وهي تلقي بتأثر بالغ من قصيدة بعنوان "يا أنشودة الغابات"، وتتوقف لبرهة، تقول فيها لابنتها بالفرنسية: "كم كنتُ أود أن تتعلمي هذه اللغة!".

إن كنا نسمع الكثير من التعريفات عن معنى الهوية، فإن "باي باي طبريا" يجعلنا في النهاية نفكر أن الهوية صعبة التعريف لأنها بطبيعتها سائلة

تفهم لينا العربية الدارجة التي تستمع إلى أمها تحكيها مع خالاتها، في رحلاتهما معا من باريس إلى دير حنا، وتحاورهن أحيانا بها، كما تعرض مقاطع مصورة للحظات العائلة السعيدة، كزفاف الخالة بثينة وتسمح لنا بسماع النشيد الوطني الذي كان عزفه عرفا يسبق مراسم الزفاف. وفي تصويرها لجولات هيام في الحيّ، والأحياء الأخرى التي احتضنتها زمان، ترصد عبر شريط الصوت في الفيلم، نداءات الباعة عبر الميكروفونات، وغناء العصافير، وهدير المياه أمام بحيرة طبريا. وكأنها محاولة للاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من الذاكرة الزائغة.

إن كنا نسمع الكثير من التعريفات عن معنى الهوية، فإن "باي باي طبريا" يجعلنا في النهاية نفكر أن الهوية صعبة التعريف لأنها بطبيعتها سائلة، أما الذاكرة فهي أكثر رسوخا من الهوية التي تتغير أيضا بتغير بالزمان والمكان والناس واللغة.

AFP
هيام عباس ولينا سويلم على السجادة الحمراء خلال الدورة العشرين لمهرجان مراكش الدولي للسينما، مراكش في 25 نوفمبر 2023

في الفيلم نوعٌ من الإعزاز، لهذه الامتداد البعيد للجذور. إعزاز يحتِّم على لينا سويلم، بوصفها مخرجة، إعادة تشكيل "ذاكرة" بصرية ما، عن المكان والعائلة والبلد. فمن عام إلى عام، تتغير جغرافيا المكان، يستحوذ الإسرائيليون على المزيد من الأرض، يهيمنون على المناطق الأثرى، وينزح مجددا أصحاب البلد، آخذين معهم ذكرياتهم، التي لن يعود لها مطرح إلا في القلب والعقل، ويقينا في الصور والشرائط والأفلام.

لقد سكنت عائلة أم علي، خلال أعوام ما قبل النكبة، في طبريا نفسها، قبل أن يضطروا إلى النزوح الفجائي، وتنقل لينا عن أم علي قولها: "لم أعرف لحظات أسعد من التي عشتها في طبريا قبل خمسين عاما". وفي خضم هذا الرحيل، تبتعد حسنية، ابنة أم علي، وشقيقة نعمات، إلى سوريا، حيث ستعيش مع زوجها، ولسنوات سيُفقد أثرها، وبسبب البطش الإسرائيلي لن تعود لرؤية عائلتها إلا متأخرا جدا وهي عجوز، في زيارة خاطفة وبالتهريب إلى دير حنّا. في هذه الزيارة التي يمكن رؤيتها كزيارة وداع، إذ ستموت صاحبتها بعدها بزمن قصير، في مخيم اليرموك للاجئين في سوريا، ستتنبأ حسنية لهيام بأنها ستنجح في تجاوز الحدود، أن شأنا كبيرا سيكون لها تحت سماء ما.

ولنتخيَّل إلى ماذا كانت ستؤول ذاكرة هذه العائلة، لو تطلب منهم لينا، ربما بدافع من هذا الفيلم نفسه، أن يستخدما جدارا في أحد البيت، ويلصقون عليه، صورا مختزلة للعائلة؟

بحثا عن البحيرة

يذكِّرنا "طبريا" بفيلم تسجيلي آخر، هو "إحكيلي" المصري للمخرجة والمنتجة ماريان خوري، إنتاج عام 2019. وفيه أيضا تجميع لذاكرة ثلاثة أجيال من النساء، هن والدة ماريان خوري وشقيقة المخرج الكبير يوسف شاهين، وماريان نفسها، ثم ابنتها سارة التي تبدو في حواراتها مع والدتها غاضبة من هذا التشذرم العائلي، مستغربة التقلبات العائلية العنيفة، وربما ذلك التكتم الذي له ما يفسره في تاريخ العائلة النسائي. غير أن "باي باي طبريا"، لا يحمل أي غضب، برغم الاحتلال، وبرغم حزن هيام عباس الذي يطفو بين آن وآخر في حواراتها، مثلا حين تتحدث عن زعل أمها منها لأنها غادرت دير حنا وتركتها، وحين تعجز بعد موت هذه الأم عن إقامة حداد ملائم، مع اعترافها بحاجتها إلى الحداد نفسيا من أجل التجاوز: "من الصعب أن أنفصل عن أمي، وأنا نفسي أم".

يتخذ الفيلم سمته الهادئة، الحكيمة، المتأملة في سريان الذاكرة، الباحث عن جماليات حياة يصر على أنها ليست متقشفة

ولعلّ من المدهش في هذا الفيلم، حالة التخفف التي تعيشها النساء. تخفف لا يلغي الألم، فليس من السهل علينا أن نتجاهل كل مرة نظرات الجنود الإسرائيليين الذين يظهرون في الكادر، وينظرون إلى هيام بوقاحة وهي تتأمل بحيرتها الحبيبة. ومع كل ذلك، ثمة ضحك تنجبه لحظات اجتماع أخوة هيام، توازيه طبعا لحظات بكائهم، ثم هناك تلك المشاهد التي تعيد فيها هيام مع شقيقتها تمثيل لحظة مرحة من تجاربها الأولى في التمثيل. وترافق الفيلم في رحلاته المزاجية تلك، موسيقى أمين بوحافة الرزينة والمعبرة.

عند لينا سويلم يصب "باي باي طبريا"، ليس فقط بوصفها الصانعة الأولى للفيلم، لكن أيضا بوصفها الجيل الأخير، الذي استمع حتى الآن إلى معظم الحكاية، وعليه تكوين وجهة نظر شبه حاسمة، ولو إلى حين. هكذا يتخذ الفيلم سمته الهادئة، الحكيمة، المتأملة في سريان الذاكرة، بحثاً عن جماليات حياة يصر على أنها ليست متقشفة، ومؤمناً باحتمالات للحياة تتخطى الفقد والوداع.

font change

مقالات ذات صلة