مارون النقّاش

مارون النقّاش

استمع إلى المقال دقيقة

منذ أن أصدر رائد المسرح العربي مارون النقّاش أوّل مسرحية عربية في القرن التاسع عشر، بعنوان "البخيل" ما زال السجال قائما حول هُويتها، حيث انقسم المثقفون والنقاد اللبنانيون والعرب حول هُويتها: أهي من تأليف مارون النقّاش، أم إنها اقتباس أو ترجمة عن مسرحية "البخيل" للكاتب الفرنسي موليير.

لن نعود إلى إعادة هذا السجال، لكن نختزل المسألة بأن مارون النقّاش لم يترجمها حرفيا، بل عمل إلى اقتباسها. ولكنني هنا أراجع رأي بعض المخرجين حول هذه القضية، فريمون جبارة جزم بأنها ترجمة أصلية، أما الكاتب السوري سعد الله ونّوس، فرأى أنها مترجمة ترجمة كاملة عن موليير، لكن المخرج اللبناني يعقوب الشدراوي قرر أن يعيد إخراج هذه المسرحية، وأضاف: مارون ترك وصية، بأن تكون جميع الآلات الموسيقية عربية، واعترف أنها تكلّف نحو 15 ألف ليرة لبنانية آنذاك، ولم يستطع أن يحصل سوى على عشرة... فترك المشروع.

نذكر هنا أن مارون النقّاش تاجر، وُلد في صيدا، وزار عدة بلدان أوروبية حتى أميركا وروسيا، وكان يجيد أربع لغات: العربية، والفرنسية، والإنكليزية، والروسية. وقد حضر، وهو محب للأدب والشعر، مسرحيات عديدة في إيطاليا وسواها، وأراد أن ينفذها في لبنان والعالم العربي، وهذا ما فعله، حيث حوّل منزله في بيروت إلى مسرح، واضعا خشبة تصلح للتمثيل عليها، حيث قدّم أول مسرحية عربية "البخيل". وقد اختار أيضا مسرحية "كاره الشر" متأثرا أيضا بموليير، إلا أنه في المسرحية الثالثة اختار موضوعا عربيا، أبو حسن المغفل وهارون الرشيد، قدمها في منزله في بيروت.

ما أوردناه بات إلى حد كبير معروفا، لكن غابت عن بال المسرحيين أمور عديدة: لقد ركزوا على النصوص وقالوا "إنه أول من أصدر مسرحيات بنصوصها"، أي إنهم ركزوا على الكتب التي أصدرها، وتناسوا الخشبة وما فيها، أي الإخراج والسينوغرافيا خصوصا في "البخيل".

ففي "البخيل"، آلات موسيقية تعزف، ولا نؤكد أن عامل الرقص كان موجودا، وسبب ذلك أنه في النص المسرحي كان الممثل هو السيّد، ولم يكن الاهتمام جديا أو حتى موجودا في "الكوريغرافيا" (الحركة أو الرقص)، ولم يتجاوز دور الممثل سوى إلقاء النص إلقاء بلا حركة ولا إخراج... لكن نتساءل: لماذا أُهمل هذا العنصر من النقاد والمسرحيين في القرن العشرين (باستثناء يعقوب الشدراوي)؟

اكتشف الجدار الرابع بعد أن كان المسرح قبله منصة مفصولة عن الجمهور، فهو تجاوزها، حيث بات المتفرّج جزءا من العمل

نعم، هو أول نص مسرحي عربي، لكن إذا أردنا التوغل في هذه النقطة، لا ننسى أن مارون النقّاش أخرجها، وهذا يعني أنه أول مخرج عربي أيضا، وقد عمد إلى وضع السينوغرافيا: الخشبة، والآلات الموسيقية، أي إنه أول من استخدم الموسيقى الاحتفالية في المسرح، وورثها الكثير من المسرحيين العرب، ولأنها قُدمت في منزله، فهو يعتبر أول من أصدر عملا مسرحيا خارج المسرح، وهذا ما وجدناه بكثرة في القرن العشرين في أعمال انتقلت معها "الخشبة المسرحية" إلى المنازل التراثية، أو الشوارع والمقاهي.

بمعنى آخر أنه اكتشف الجدار الرابع بعد أن كان المسرح قبله منصة مفصولة عن الجمهور، فهو تجاوزها، حيث بات المتفرّج جزءا من العمل، لا مجرّد متفرّج. ومن ناحية أخرى، هو أول من انفـتح على التراث العربي بعدما اخترق التراث الغربي، وللمرة الأولى يصبح الكاتب هو المخرج، ولم يكتفِ بعرض بعض أعماله في لبنان بل حمل مسرحه إلى مصر، وخصوصا الإسكندرية، وفي هذا المجال، استدعت الحكومة التونسية أخاه شفيق النقّاش ليساعد على تكوين مسرح في ذلك البلد، ويدرّب الممثلين على أداء أدوارهم.

من هنا، ومن خلال السجالات حول هذا الموضع، نرى أن مارون النقاش، بثقافته الأجنبية والعربية، واتساع أفقِه المستقبلي، هو أيضا أول مسرحي شامل، أول طليعيّ، ليس في وضعه نصوصا مسرحية، بل في أنه مهد لدور المخرجين الذي ظهر في مطلع القرن العشرين، مع اختراع الكهرباء ولعب الإضاءة دورا مفصليا في العناصر السينوغرافية، بعد ما كان النص هو السائد في ذلك الزمن.

كل هذه العناصر التي حققها مارون النقاش، هي الأبواب الكبيرة التي انفتحت على المسرح الحديث اليوم، بمعنى أنه لم يكن مجرّد كاتب اقتبس أو وضع نصوصا، بل تجاوز ذلك إلى معظم الأدوات التي ارتكز عليها المسرح العربي، وصولا إلى المسرح الغربي.

لم يكن مجرّد كاتب اقتبس أو وضع نصوصا، بل تجاوز ذلك إلى معظم الأدوات التي ارتكز عليها المسرح العربي

ولكن نأسف أن هذا المسرحي غير المسبوق، لم ينل من المسؤولين اللبنانيين، وحتى الكثير من المسرحيين، ما يستحقه من تكريم يكون إرثا للأجيال الجديدة، والغريب أن مهرجان القاهرة هو أول من طبع مسرحياته، وأول من نظّم ندوة فكرية حول دوره الكبير في المسرح العربي.

font change