احتمالات انحسار التوتر الإيراني - الأميركي محدودة

احتمالات انحسار التوتر الإيراني - الأميركي محدودة

استمع إلى المقال دقيقة

منذ اندلاع أحدث موجة من الاحتجاجات المناهضة للحكومة في إيران مطلع العام، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إظهار استعداده للجوء إلى القوة العسكرية لوقف سفك الدماء.

ولم يساور النظام الإيراني أي شك في احتمال أن تعود الولايات المتحدة إلى شن جولة جديدة من الضربات العسكرية ضد إيران، عقب تدخل إدارة ترمب المثير للجدل في فنزويلا، الذي انتهى بالإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو واعتقاله.

شهد العالم أيضا تصاعدا ملحوظا في التوترات على خلفية تهديد ترمب بالسيطرة على جزيرة غرينلاند القطبية، التي تحولت إلى بؤرة تنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين.

أمام هذا المشهد نظر قادة إيران بجدية إلى احتمال إقدام ترمب على تجديد المواجهة مع طهران، وسعوا في الوقت نفسه إلى احتواء الموجة الجديدة من الاحتجاجات التي عمّت البلاد مطلع العام على وقع انهيار الاقتصاد الإيراني، والتي تحولت إلى حركة جماهيرية واسعة ضد قادة الجمهورية الإسلامية، حيث طالب المتظاهرون علنا بإسقاط المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وإقامة نظام حكم جديد.

بادرت السلطات في البداية إلى تبني استجابة متوازنة للاحتجاجات، فطرح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان حوارا مع قادة الحركة. ثم عاد النظام لاحقا إلى اتباع الأساليب الصارمة التي استخدمها لقمع المعارضة المناهضة للحكم، بينما أشارت تقارير إلى مقتل آلاف الإيرانيين خلال موجة العنف التي عمّت البلاد في الأيام الأخيرة.

وكان ترمب في وقت سابق قد انتقد بشدة ما اعتبره فشل إدارتي أوباما وبايدن الديمقراطيتين في التدخل في إيران خلال موجات مماثلة من الاحتجاجات المناهضة للحكومة. وارتفع هذا الأسبوع احتمال لجوئه إلى عمل عسكري ضد طهران، بعدما حذر عبر منصة "تروث سوشيال" من أن السلطات الإيرانية "ستدفع ثمنا باهظا" بسبب عمليات القتل التي ارتكبتها، وحثَّ الناس على "مواصلة الاحتجاج".

وبلغت التوترات ذروتها بعدما أعلنت عائلة صاحب متجر إيراني يبلغ ستة وعشرين عاما، أوقف لمشاركته في الاحتجاجات المناهضة للحكومة، صدور حكم بالإعدام بحقه واقتراب موعد تنفيذه.

أثارت احتمالات انزلاق الاحتجاجات إلى حرب إقليمية أوسع، مع تهديد إيران بمهاجمة الولايات المتحدة ردا على أي عمل عسكري أميركي يطال مواقعها، عمليات إجلاء لرعايا أميركيين وبريطانيين من قواعد عسكرية وبعثات دبلوماسية في قطر وطهران.

رغم استمرار احتمال موافقة ترمب على القيام بعمل عسكري، تفيد المؤشرات الأولية بأن تهديده بالتدخل أحدث الأثر المطلوب في حسابات النظام

ورغم استمرار احتمال موافقة ترمب على القيام بعمل عسكري، تفيد المؤشرات الأولية بأن تهديده بالتدخل أحدث الأثر المطلوب في حسابات النظام.

وفي محاولة لتهدئة التوتر ظهر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بصورة مفاجئة على قناة "فوكس نيوز"، وهي القناة اليمينية التي يتابعها ترمب، مؤكدا أنّ النظام لا يعتزم إعدام المحتجين المناهضين للحكومة.

وعند سؤاله عن الاحتجاجات الدائرة في إيران شدد عراقجي على عدم وجود خطة لإعدام الناس. وقال في مقابلة ضمن برنامج "سبشيال ريبورت مع بريت باير": "لا توجد لدينا خطة للشنق". وأضاف: "الشنق غير وارد".

وفي إشارة أخرى إلى حرص النظام الإيراني على تفادي مواجهة عسكرية مباشرة جديدة مع الولايات المتحدة، لمّحت طهران إلى استعدادها لفتح حوار مع إدارة ترمب بشأن مستقبل برنامجها النووي، إلى جانب ملفات إقليمية أخرى.

وكانت طهران قد عطلت في وقت سابق العرض الذي قدّمته إدارة ترمب لاستئناف المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني، عقب قصف الولايات المتحدة وإسرائيل منشآت نووية داخل البلاد في يونيو/حزيران الماضي.

غير أن تهديد ترمب بمرحلة جديدة من العمل العسكري ضد إيران دفع عباس عراقجي إلى التواصل مع ستيف ويتكوف، مبعوث ترمب الخاص، لبحث احتمال فتح جولة جديدة من المحادثات "على أساس الاحترام".

وجاء رد ترمب حتى الآن فاترا، فقال إن اجتماعا قيد الإعداد، غير أنّه قد يتعثر إذا واصلت طهران قمعها للمحتجين.

وعلى الرغم من هذه الخطوات الدبلوماسية الأخيرة من جانب طهران، تظل احتمالات انحسار التوترات داخل البلاد محدودة ما دام الاقتصاد الإيراني على حالته المتردية الراهنة.

فالاحتجاجات اندلعت أساسا نتيجة سياسات النظام التي قادت إلى تراجع كارثي في قيمة الريال، العملة الوطنية، إذ يُقدّر أنه فقد نحو أربعين في المئة من قيمته منذ حرب الصيف الماضي بين إيران وإسرائيل.

ومع إعلان ترمب هذا الأسبوع حزمة عقوبات جديدة على طهران يفرض من خلالها رسوما عقابية بنسبة خمسة وعشرين في المئة على أي دولة تواصل التجارة مع "الملالي"، تغيب في الأمد القريب مؤشرات تحسن ملموس في آفاق الاقتصاد الإيراني. وإذا بقي الوضع على حاله فلن تخف حدة الاحتقار العلني الذي يبديه كثير من الإيرانيين تجاه حكامهم.

font change