هوية الأدب والمجتمع الخليجي

هوية الأدب والمجتمع الخليجي

استمع إلى المقال دقيقة

الأدب الخليجي ليس وليد لحظة عابرة أو نتاج طفرة حضارية مفاجئة، إنما هو ثمرة مسار تاريخي طويل تشكل في بيئة غنية بالتجارب الإنسانية المتجذرة في الوجدان العربي والإسلامي، والخليج العربي قبل الطفرة النفطية أو بعدها مكان خصب، متعدد الفنون الشعبية والشعرية، والأساطير الموروثة التي شكلت الرافد الأول للوعي الأدبي في منطقة أصيلة حافظت على هوية مجتمعية موحدة.

في مطلع القرن العشرين تأثرت منطقة الخليج كغيرها من مناطق العالم بالتحولات الاجتماعية، ونشاط التعليم، وظهور الصحافة، وبداية تكوّن الدولة الحديثة، ليبدأ معها أول ملامح الأدب الخليجي المكتوب. وخلال النصف الثاني من القرن العشرين دخل هذا الأدب مرحلة جديدة من الوعي الذاتي، حيث انتقل من التعبير الفردي المحدود إلى مشروع ثقافي يسعى إلى تسجيل القفزات المتسارعة العميقة في بنية المجتمع الخليجي، وما صاحبها من أسئلة حول الهوية والانتماء والحداثة لتبرز أسماء أدبية في الشعر وفنون السرد جعلت هدفها الأسمى الموازنة بين المحافظة على الخصوصية الثقافية والانفتاح على التيارات الأدبية العربية المركزية، والعالمية التي باتت مصدرا للتواصل بين شتّى الأطياف والمجتمعات.

ومع تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربي في عام 1981 ظهر نوع من التجانس في الهوية الخليجية ليس على مستوى المجتمع وحده، بل شمل مستوى الفكر الثقافي، ليغدو المجلس بذلك محطة مفصلية في مسار الأدب الخليجي، متجاوزا دوره السياسي والاقتصادي، مساهما في ترسيخ الوعي بالهوية المشتركة، وخلق مناخ ثقافي داعم للتفاعل بين الأدباء والمثقفين في دول المجلس، عبر إطلاق المؤتمرات الأدبية، والمجلات الثقافية المشتركة، والجوائز والمسابقات، والملتقيات الفكرية. ومن يومها بدأ الأدب والمجتمع الخليجي بتجاوز حدوده الإقليمية مقدما نفسه بوصفه أدبا يحمل رؤية جماعية تعكس تجربة إنسانية واحدة، رغم تنوع البيئات وتعدد الثقافات ذات البعد الإبداعي المشترك متجاوزا في شكله المتماسك والمتحد قدرة الأقاليم المتحدة، والاتحادات الدولية كأوروبا وغيرها.

منذ ذلك التاريخ وما تلاه لم يعد الأدب الخليجي مجرد امتداد جغرافي للأدب العربي، بل أصبح خطابا ثقافيا قائما بذاته، يمتلك أدواته التعبيرية وأسئلته الوجودية الخاصة، ويسعى إلى تأكيد حضوره في المشهد الثقافي المعاصر. أدب تشكل في لحظة تحول تاريخي كبرى، ولا يزال يعيد تعريف نفسه في ضوء المتغيرات، محافظا على جوهر هويته، ومنفتحا على آفاق الإبداع الإنساني الأوسع.

لم يعد الأدب الخليجي مجرد امتداد جغرافي للأدب العربي، بل أصبح خطابا ثقافيا قائما بذاته

وقد اتسمت الهوية في مجمل الأدب الخليجي بانطلاقها من عمق ثقافي وحضاري تشكل عبر قرون من التفاعل مع موروث بيئته. فمعظم كتّاب الخليج يستلهمون نصوصهم من الموروث الاجتماعي، ومن منظومة القيم التي تحكم العلاقات الإنسانية مثل مفهوم الجماعة، والانتماء للأسرة، والارتباط بالمكان، واحترام الذاكرة الشفوية والتاريخ المحلي. وتظهر هذه الهوية في اللغة والرموز واستدعاء العادات والتقاليد، سواء في النص الشعري أو السردي، بوصفها عناصر تؤكد الخصوصية الثقافية وتمنح النص بعده المحلي الأصيل.

في المقابل، لم تنغلق هذه الهوية على ذاتها، بل دخلت في حوار مستمر مع العولمة التي مرت بها، والتحولات الاجتماعية والفكرية التي فرضها العصر الحديث. إذ سعى كثير من الأدباء الخليجيين إلى الموازنة بين التمسك بالجذور مع الانفتاح على القضايا الإنسانية العامة، مثل أسئلة الفرد، والحرية، والتغير الاجتماعي، والتعدد الثقافي،. وبهذا المعنى، تتجلى الهوية الخليجية في الأدب بوصفها هوية أصيلة تجمع بين البعد العربي الكوني والطابع المحلي اليومي، وتعكس تجربة إنسانية مشتركة قادرة على مخاطبة القارئ العربي والعالمي دون أن تفقد خصوصيتها أو تنفي سياقها الثقافي.

ولعل الأعمال الروائية الحديثة التي كتبها أدباء خليجيون هي أكثر ما يؤكد على الترابط الفكري، والتعالق الثقافي، والتواصل المعرفي فيما بينهم، وجعل المجتمع أداة تعبيرية سردية لربطه بأحداثه الشبيهة بما هو عليه اليوم.

ولم يغفل النقاد الخليجيون بدورهم تناول أدبهم وهويته المترابطة، ففي كتاب "تحديات الهوية الوطنية في الخليج العربي" لعلي أسعد وطفة نقرأ تحليلا ونقدا سوسيولوجياً يبحث في الانتماء والهوية داخل دول مجلس التعاون، وإسهامات النهضة الاجتماعية والطفرة النفطية في تكوين المفاهيم المجتمعية. وهناك أعمال روائية عدة تتوحد في التعبير الوجداني عن مجتمع واحد لا مجتمعات متعددة تحتاج إلى ترجمة أو مصطلحات ورموز.

ولا ننسى ما جمعه غازي القصيبي من المقالات والدراسات عن أسرار وخبايا الأدب الخليجي في كتابه "الخليج يتحدث شعرا ونثرا" الذي أشار فيه إلى الرؤى النقدية الذاتية لدى عدد من الأدباء تجاه تراثهم وهويتهم الخليجية.

هذا التحول الكبير بدوره قد يؤدي إلى إنتاج نصوص متشابهة تفتقر إلى العمق والتميز، وتذوب في خطاب ثقافي عام

واليوم وبعد عقود كثيرة تعيش الهوية الخليجية خطرا محدقا وتواجه تحولات وتحديات جديدة لم تكن ظاهرة على السطح، أو حاضرة في ذهنية المتلقي، ولم يتسع النقد لتحليلها أو إضاءتها مع اتساع آثارها الثقافية. أبرزها يكمن في التسطيح الثقافي الذي يُفرغ النص الأدبي من خصوصيته المحلية، سواء عبر تراجع استخدام المفردات المرتبطة بالأوساط الخليجية، أو إهمال الرموز الثقافية والاجتماعية التي شكلت لسنوات طويلة ملامح الهوية الأدبية والمجتمعية. وهذا التحول الكبير بدوره قد يؤدي إلى إنتاج نصوص متشابهة تفتقر إلى العمق والتميز، وتذوب في خطاب ثقافي عام لا يعكس خصوصية التاريخ والمكان والإنسان. وفي حال لم يتم تحصين المجتمع الخليجي وأدبه بوعي نقدي واعتزاز حقيقي بالجذور، فإن هويته ستبقى مهددة بالتآكل التدريجي، لا بالاختفاء المفاجئ وحده، ما يوجب إيجاد رؤية ثقافية شاملة تتجاوز المعالجات الآنية، وتستند إلى استمرارية الاستثمار في المعرفة والفرد والمجتمع.

font change