في دمشق يستعيد الياسمين مكانته في باحات البيوت الدمشقية الأنيقة، وتستعد الأرض للربيع في الأرياف بعد سنوات عجاف، ويسهر الناس في المقاهي، يجادلون ويتحدثون بكل حرية ودونما وجل. تلك مشاهد من الأسبوع الماضي على هامش ندوة دولية شاركنا بها بقصد إعادة بناء الأرشيف السوري؛ لأجل تاريخ وطني ينتمي إليه كل السوريين.
وقد انعقدت المبادرة في جامعة دمشق برعاية وزيري الثقافة والتربية والتعليم محمد سعيد صالح ومروان حلبي، وبعنوان: "الأرشيف السوري بين الماضي والمستقبل"، بمشاركة نخبة من الأساتذة والباحثين من سوريا، وتركيا، ولبنان، والأردن، وفرنسا، والولايات المتحدة الأميركية، وهي مبادرة طموحة لانتشال الماضي السوري من الأعباء الثقيلة، وإعادة النهوض بأرشيف الدولة الذي تعرّض للتشويه والتحريف والإعدام.
والمبادرة جاءت بدافع الحرص على الذاكرة، وحماية الإرث الثقافي للوثيقة السورية ولكي يؤسس لأرشيف موثق لسوريا الجديدة، وقد نسق للمبادرة الدكتور عمار السمر، والمهم في المبادرة أنها مستقلة، وتطمح أن تلقى الدعم والرعاية من قبل وزارة الثقافة السورية التي تملك الرؤية والحلول. وأمامها التجارب العالمية، والتقدم التقني الهائل الذي قد يجعل هذا الأرشيف آخر المستفيدين من التقدم العلمي في بناء الأرشيفات خاصة في البلدان التي خرجت من صراعات وأنظمة مستبدة، وهي المعنية بالأرشيف بالدرجة الأولى، بالإضافة للمؤسسات السورية الأخرى.
وبالرغم من أهمية اللقاء على الصعيد الثقافي والعلمي، فإنه أعطى أكثر من مؤشر، فقد انعقد اللقاء عقب الانتهاء من مهمة الحكومة السورية في حلب، وهي مهمة أنجزت بدرجة عالية من الاستفادة من الدروس السابقة، والتخطيط الجيد، وأعقبها المرسوم الرئاسي الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع بشأن الأكراد؛ ليعيشوا بدرجة مواطنة سورية كاملة، بعد عقود من التهميش والإقصاء، وهو فعل حميد لكي يفوّت الفرصة على كل المتربصين بالدولة الجديدة.
سوريا لا تحتاج فقط للأرشيف، بل هي بحاجة لمتحف تذكاري للثورة والتحرر الوطني وضحاياه، وهي بحاجة لنصب يوحد الجميع ويكون معبراً عما جرى
والمؤشر الثاني من هذا اللقاء، أن الدولة المشغولة بالسياسة والأمن والنهوض بالاقتصاد من رأس الهرم فيها إلى أصغر موظف أو مسؤول، لديها الفسحة والفرصة من الوقت وسلم الأولويات لكي تعطي للثقافة والتاريخ أهميتهما المستحقة، وأيضاً يأتي اللقاء لضرورة توثيق الأيام السورية خلال عقد ونصف من الثورة التي أنتجت دولة مدمرة ومجتمعا عانى الكثير من الجراح.
في هذا الصدد، يجب الانتباه للتجارب العالمية في كتابة التاريخ وحفظ الذاكرة، هناك نموذج قديم فريد هو اليابان، وهناك نموذج حديث معاصر وفارق وهو دولة رواندا، التي تشكل تجربة فريدة في المصالحة والتجاوز وتوثيق زمن الإبادة بدءا من عام 1994، وهناك تجربة في كوسوفو وفي غيرها من البلدان التي نهضت وقطعت شوطاً في الاستقرار والبناء الوطني وفي العدالة الانتقالية.
وسوريا لا تحتاج فقط للأرشيف، بل هي بحاجة لمتحف تذكاري للثورة والتحرر الوطني وضحاياه، وهي بحاجة لنصب يوحد الجميع ويكون معبراً عما جرى، والذائقة السورية لا خوف عليها من هذا، وهي تحتاج أيضاً إلى فعل تاريخي علمي مستقل، ولا يكفي جمع الأرشيف، بل إتاحته وتسهيل الوصول إليه ورقمنته والأهم تصنيفه.
دمشق خلال جولة لكاتب السطور، بدت مدينة مستقرة، وبين زيارة في شهر سبتمبر/أيلول الماضي وما كانت عليه الأسبوع الماضي، ثمة تغير كبير، وثمة إنجازات تحققت، وثمة آمال معقودة، وثمة مهمات لم تكتمل ويجري العمل عليها، فحركة السوق جيدة والأسعار في تراجع، وإصلاح العملة ما زال يحتاج لثقة أكبر من قبل المواطن، والمنشآت فاعلة، وحركة السياحة جيدة، مع أهمية تبديد كل ما يشاع سلباً عن الحالة السورية.
دمشق وغيرها من المدن، لا خوف فيها، أزقتها هادئة، وأسواقها عامرة، وقرى ريفها وافرة الخيرات، فيها حركة عمران وبناء وتجديد وإحياء وعمارة للأرض، وتلك هي المهمة الكبرى
ما تحتاجه سوريا اليوم الكثير من العمل والاجتهاد، والقليل من الخطابة، وهي في هذا النهج تسير، وعلى قيادتها مسؤولية كبيرة، ولا يمكن إغفال التحديات الكبيرة، ويجب إعطاء الفرصة الكاملة للدولة ومؤسساتها لكي تستعيد عافيتها.
الطريق من عمان لدمشق آمن، والحال مريح، هناك بعض النقاط الأمنية دونما توقف، وهذا طريق مهم للجنوب السوري، ومع أن آثار الدمار واضحة، فإن شغف المواطن السوري بالعمل والحرفة يعوض كل الفوات والدمار الذي أصاب البلد، ولعل خيرات المطر التي نعمت بها سوريا والمنطقة مؤخرا كافية لتعيد للبلاد قوة العمل والإنتاج الزراعي المهم.
أما مرسوم الرئيس رقم 13 لعام 2026 فهو غاية بالأهمية؛ لكونه وضع النقاط على الحروف في المسألة الكردية، إذ أكد المرسوم أن المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة. وبناء الدول يحتاج للاعتراف بالجميع على قدر واحد من الحقوق والواجبات، وهو على أهميته في هذه الناحية، إلا أنه أكد على وحدة سوريا الكاملة غير المجزأة، وفي ذلك رسالة واضحة للأخوة الدروز في الجنوب. وتلك مهمة مؤجلة للحسم وبانتظار صوت العقل والوحدة والمواطنة لكي يغلب على صوت الاحتماء بالخارج والرغبة بالتجزئة، وهو أمر من صلب مهمات الحكومة السورية التي لم تأتِ لتضع سوريا بعد سنوات التذرر والانقسام والاستبداد أمام خيارات الانقسام والانفصال.
دمشق وغيرها من المدن، لا خوف فيها، أزقتها هادئة، وأسواقها عامرة، وقرى ريفها وافرة الخيرات، فيها حركة عمران وبناء وتجديد وإحياء وعمارة للأرض، وتلك هي المهمة الكبرى.