يبدو أن التقدم التقني في تسجيل الوقائع ونشرها لن يساهم في "تصويب" كتابة التاريخ، أي في جعلها أمينة لما يجري، موضوعية وصادقة ومحايدة. فمن يتابع وسائل الإعلام التي تستطيع أن تصور الحدث وتبثه عند وقوعه، يمكنه أن يرى ويسمع ويحصل على المعلومات، ولكنه على الرغم من هذا كله يظل مفتقرا إلى الحقيقة، بل ربما يشعر بأن التقنيات الحديثة، وهي توحي له باقترابها من الحقيقة، إنما تساهم في المزيد من التمويه والتشويه، وأحيانا التضليل.
إن معايشتنا للأحداث ورؤيتنا لها لا تعنيان الإمساك بها أو معرفتها أو فهمها. فالصور التي تقدمها لنا التقنيات الحديثة تحولنا إلى متفرجين، ولكنها لا تقرّبنا من الحقائق، بل من أوهامنا حولها. وإذا كان التيقن من أي شيء أمرا صعبا أو شبه متعذر، فماذا تقدم لنا المعلومات التي تنقلها إلينا وسائل الإعلام؟ هل تقدم لنا مزيدا من الإثارة فقط؟ هل يقتصر دورها على الترويج لهذه الجهة أو تلك؟ وكيف لنا في النهاية أن نقف على صورة ما حدث فعلا؟
هذه التساؤلات من شأنها أن تطرح معضلة التاريخ والتأريخ. ولنتفق هنا على أن التاريخ هو مجموعة ما حدث في الماضي، بينما التأريخ هو كتابة التاريخ، أي توثيق ما جرى بالكتابة عنه، أو بتصويره كما بات ممكنا في أيامنا هذه. لقد كان التأريخ في السابق يعتمد على"الخبر" المتناقل عن فلان عن فلان عن فلان... إلخ، أي إنه كان يعتمد على الكلام المتناقل كتابة أو شفاهة. أما اليوم فقد أضيفت إلى تقنية نقل الكلام تقنية الصورة، التي يمكنها أحيانا أن تنقل الحدث دون فارق زمني (يُذكر) بينه وبين الإخبار عنه. هذه الإضافة لم تجعل "الوثيقة" أكثر صدقا، وإن جعلتها أكثر إثارة.
كيف يمكن تمحيص الروايات التي تروى؟ وما معنى الوثيقة؟ ما قيمتها؟ إذا كان ما يُكتب وما يصور يخضع دائما لأغراض هؤلاء أو لأهواء أولئك. لقد كانت كتابة التاريخ معضلة على الدوام، وحقائق التاريخ لم تكن سوى احتمالات يكتنفها الشك من كل جانب.
كيف هو الأمر، على سبيل المثال، إزاء التاريخ العربي الإسلامي؟ علما بأن عصر التدوين- تدوين التاريخ وغيره- لم يبدأ إلا بعد وفاة النبي بأكثر من مئة وخمسين عاما. إن من يتأمل في كتب التاريخ التي وضعها العرب القدامى يمكنه أن يتبين حجم الصعوبات التي واجهوها في بحثهم عن الحقائق التاريخية، ويمكنه أيضا أن يتبين حجم الجهود التي بذلوها في التمحيص والتدقيق والحذف والإضافة والافتراض والتخيّل... وغير ذلك، مما جعل كتابة التاريخ عندهم مزيجا من التوثيق والأدب. ولهذا المزيج، في جانب معيّن، حسناته التي تتمثل بجماليات أضفاها على كتابة التاريخ علماء مثل الطبري والمسعودي والدينوري وابن الأثير وابن خلدون... وغيرهم.
لقد كانت كتابة التاريخ معضلة على الدوام، وحقائق التاريخ لم تكن سوى احتمالات يكتنفها الشك من كل جانب
هل نقول إذن ليس في التاريخ حقائق "مطلقة"؟ وما يثبته المؤرخون، هل نقول إنه ليس سوى حقائقهم "النسبية"، أو بالأحرى ليس سوى ترجيحاتهم أو افتراضاتهم؟ وينبغي لنا أن نشير هنا إلى أن كتابة التاريخ كانت على الدوام نهبا لمختلف أنواع النزاعات: الدينية والمذهبية والسياسية والعرقية والقومية... وغيرها. وكانت إضافة إلى ذلك رهنا بإرادة القوي، الذي يرمي دائما إلى فرض رؤيته على الضعيف.
اليوم، كيف تسجل الوقائع؟ وكيف ستروى؟ ومن سيحقق قصب السبق في روايتها، وفي إثبات روايته، أو على الأقل في ترجيحها؟
الفارق بين تسجيل الوقائع في الحاضر وتسجيلها في الماضي ليس جوهريا، وإنما هو فارق في الوسائل. ففي أيامنا الحاضرة، يمكن تجميع المعلومات والصور وبثها بسهولة وسرعة متناهيتين، ويلعب الإعلام ووسائله في خلال ذلك دورا شديد الخطورة، لتأثيره المباشر في الجمهور الواسع. وهذا ما لم يكن متوفرا في الماضي، حيث كان تجميع المعلومات يعتمد على وسائل بدائية. ولكن، من الناحية الجوهرية، لا يزال التأريخ- كما كان- رهنا بميول المؤرخين وأهوائهم،
ولا يزال أيضا عرضة للتوجيه من قبَل مراكز السلطة والنفوذ.
نستطيع اليوم أن نرى ونسمع ونشهد الحدث لحظة وقوعه، بفضل التطور الهائل في التقنيات الإعلامية. ولكننا ما زلنا نفتقر إلى إمكان الحصول على "رواية" صحيحة لحقيقة ما يجري. هنالك الأسرار، الحقائق السرية، التي تختفي وراء الشاشات والإذاعات والصحف ومختلف أنواع الخطاب والإعلان.
هو التاريخ، دائما يحتفظ بأسراره، ويجعلنا نتلهى بما يحجب هذه الأسرار، ذاهبين مذاهب شتى في التأويل وفي محاولات الفهم. ولكن، علينا أن نقرّ بأن التطور التقني في نقل المعلومات بات يحول دون حجب المعلومات، أو بالأحرى دون حجب القليل أو الكثير منها. ففي الحروب التي شهدناها مؤخرا ولا نزال نشهد فصولا منها، وبالأخص الحرب الإسرائيلية على غزة، كان من الممكن طمس الكثير من الوقائع لولا العمل الشاق الذي قامت به وسائل الإعلام على أنواعها، والتي دأبت على نقل الأحداث بالصوت والصورة، بشكل مباشر أو غير مباشر. وبسبب من ذلك، تعرض كثير من العاملين في هذا المجال إلى القصف والتصفية. لأن الجانب الإسرائيلي الذي ارتكب الفظائع في حق الأهالي، لم تكن له مصلحة في أن يؤدي الإعلاميون واجبهم في نقل الحقائق. ولكنه لم يستطع أن يحجب كل ما أراد حجبه.
علينا أن نقرّ بأن التطور التقني في نقل المعلومات بات يحول دون حجب المعلومات، أو بالأحرى دون حجب القليل أو الكثير منها
يمكن القول في الخلاصة إن الحقائق التي نسعى إليها، ونريدها كاملة وساطعة، في التغطية الإعلامية وفي التأريخ وفي غيرهما من المجلات، ستبقى ناقصة، أو عرضة للتنميق أو التحريف أو التشويه. وقد لا يستطيع التطور التقني، مهما بلغت وسائله من تقدم، أن يخفف من الوجه المظلم أو المأساوي لهذه المعضلة.