رضا بهلوي... نوستالجيا جماعية في زمن الاحتجاج الإيراني

رضا بهلوي... نوستالجيا جماعية في زمن الاحتجاج الإيراني

استمع إلى المقال دقيقة

في الاحتجاجات الإيرانية، يبرز اسم رضا بهلوي، نجل آخر شاهات إيران، كشخصية قيادية تتصدّر إدارة تغيير سياسي مفصلي في المشهد الاعتراضي الجديد، من دون أن تكون هناك إشارات إلى وجود إجماع داخلي أو خارجي حوله، أو تسميته من قِبل الشارع كقائد فعلي للاحتجاجات.

ويرافق الظهور الرمزي والمكثّف والمدروس لرضا بهلوي، سيل من التساؤلات، عما إذا كان يعبّر عن تحوّل حقيقي في المزاج الشعبي الإيراني، تجاه عودة الملكية وإسقاط الجمهورية، أم إنه يعكس الفراغ القيادي الذي تعانيه المعارضة الإيرانية، سواء في الداخل أو الخارج؟ وذلك بعد رصد غياب شبه كامل لأي إعلان عن قيادة سياسية للاحتجاجات، حيث لم يُذكر اسم قائد أو زعيم معارض، كما لم يُعلن أي تيار أو تشكيل معارض مسؤوليته عن تنظيمها أو توجيهها، باستثناء التيار البهلوي بالطبع.

يعيش رضا بهلوي أو شاه رضا بهلوي الثاني، كما يسمّيه مناصروه، البالغ من العمر 65 عاما، في الولايات المتحدة الأميركية منذ الإطاحة بوالده الشاه محمد رضا بهلوي في ثورة 1979، وهو بحسب أصوات معارضة له، يفتقر إلى الخبرة السياسية، ولم يقدّم طوال حياته خطابا سياسيا ناضجا، أو مواقف تعكس كفاءة قيادية، أو كاريزما قادرة على جذب مجتمع معقّد مثل المجتمع الإيراني، حضوره الاجتماعي يستند إلى إرث أبيه وجدّه (رضا شاه الأول)، ويبني استحقاقه على افتراضات تاريخية يراها حقا مكتسبا لعائلته. حتى الرئيس الأميركي دونالد ترمب المهتم بما يجري في إيران، بدا في تصريحاته غير متحمّس له!

علما أن رضا بهلوي قام خلال السنوات القليلة الماضية، بمحاولات تنظيمية داخل إيران وخارجها، مستفيدا من موارد مالية كبيرة وميزانيات غربية، فضلا عن دعم إسرائيلي علني، لكن هذه المحاولات لم تنجح في توسيع قاعدة شعبيته، ولم تنتج له مشروعية سياسية، بقدر ما اندرجت في إطار الشعبوية الدعائية، وبرغم الضخ الإعلامي، لا سيما في هذه الأيام، ظل دوره السياسي هامشيا إلى حد كبير، إذ لا توجد صعوبة في قياس حجم الدعم الحقيقي الذي يحظى به، ولا في قناعة الشعب الإيراني في أهليته السياسية وقدرته على لعب دور انتقالي، وأغلب الظن أن التأييد المحدود الذي يحظى به، ينبع لدى الكثيرين من كره النظام الإسلامي، أكثر من كونه قناعة واعية بأن البهلوية بديل سياسي مناسب.

يبدو أن الشارع الإيراني في مكان آخر، ذلك أن هدفه الأول هو إسقاط الإسلام السياسي، والتحدي الحقيقي الذي يحسب له حساب بعدها، هو منع تحوّل الفراغ إلى بيئة مواتية لإعادة إنتاج نظام استبدادي جديد

فمن ناحية، استقرّت لدى مجتمع القومية الفارسية- كردة فعل على الأزمات التي عاشها في ظل النظام الإسلامي لأكثر من أربعة عقود- صورة نمطية نسبيا تجاه رضا بهلوي، حصرته بوصفه رمزا لنوستالجيا جماعية تحنّ إلى الماضي، لا من باب المجد الذي أعطي له، بل من خلال مقارنته بالحاضر المتردّي، بينما من ناحية أخرى، بقيت الأقليات القومية، التي تشكّل مجتمعة نسبة عددية تفوق الأكثرية الفارسية التي ينتمي إليها بهلوي، إضافة إلى قوى اليسار والتيارات المعتدلة والإصلاحية والقومية، تنظر بتوجّس إلى الظاهرة البهلوية، وذلك بناء على صراعات وتجارب سياسية تاريخية، وقناعة راسخة بأن البهلوية، كتجربة حكم، تمثّل نكوصا اجتماعيا وثقافيا وسياسيا وعودة بالزمن إلى الوراء.

كان عدد سكان إيران عشية قيام الجمهورية الإسلامية نحو 33 مليون نسمة، فيما يتجاوز اليوم 90 مليونا، ما يعني أن أكثر من ثلثي السكان وُلدوا بعد عام 1979، وهذا يعني بالضرورة أن الثلثين لم يعيشوا تجربة القمع السياسي والسجون والإعدامات التي اتسمت بها الفترة البهلوية، ولم يعانوا القبضة الأمنية التي طوّق بها جهاز "السافاك" السيئ الصيت المجتمع الإيراني على اختلاف مكوناته، بل سمعوا روايات بسيطة وتلميعية عن الماضي، ركّزت على سعر الدولار المنخفض جدا آنذاك، ومكانة جواز السفر الإيراني، إضافة إلى الحريات الشكلية، ولهذا المزاج تفسيرات نفسية، منها أن أي مجتمع مُنهك ومستلب ومنهار، يلجأ بدافع العجز واليأس إلى التعلّق برمز وهمي، باعتباره خشبة النجاة من نظام أغرقه في الأزمات، لا بوصفه حلا سياسيا ناجعا.

يبقى السؤال الجوهري: ما الذي يميّز رضا بهلوي المعارض عن أي شخصية معارضة أخرى باستثناء كونه ابن الشاه، إلى درجة أن يتم تسويقه بأنه الزعيم الذي باستطاعته أن يلبّي آمال شعب متعدد الإثنيات والقوميات والديانات؟ الجواب يعود في جزء كبير منه إلى الفراغ القيادي، الذي سبّب الانجراف نحو الخيار الوحيد المتاح، وإلى تشرذم المعارضة الإيرانية في الداخل كما في المنافي...

في هذا الوقت، يبدو أن الشارع الإيراني في مكان آخر، ذلك أن هدفه الأول هو إسقاط الإسلام السياسي، والتحدي الحقيقي الذي يحسب له حساب بعدها، هو منع تحوّل الفراغ إلى بيئة مواتية لإعادة إنتاج نظام استبدادي جديد.

font change