ليس كتاب جان بول سارتر الشهير "الوجود والعدم" والفلسفة الوجودية، ما تريد هذه السطور التطرق إليه، ولا كتابه عن الشاعر بودلير صاحب "أزهار الشر" الذي تواطأ فيه مع ألم بودلير منبع عظمة الشاعر واعتبر فيه أنه "يتأمل نفسه عندما يتأمل الأشياء"، ولا كتابه عن "القديس جينيه الكوميدي والشهيد" الذي تداخلت فيه تحليلاته في الحرية والمسؤولية الفردية مع رؤيته الأخلاقية السياسية مبيناً كيف دفع جينيه ثمن خياره في مواجهة المجتمع وكيف تحول المطرود إلى مبدع يصوغ فرادة الهامش وجمالياته.
بل يقع الاختيار هنا على المقدمة التي وضعها سارتر للكتاب الفريد "معذبو الأرض" لمواطنه الفرنسي المارتينيكي الفيلسوف والطبيب وعالم الاجتماع والمناضل فرانز فانون الذي ألهمت أفكاره المناضلين ضد الاستعمار في العالم وشكلت محطة بارزة في دراسات ما بعد الاستعمار، ولا تزال إلى يومنا هذا.
لا تزال هذه المقدمة راهنة مستدامة كما هذا الأثر العظيم لفانون، ففيها تكثيف لما أفضت إليه معرفة سارتر الواسعة من مواقف وما كتبه في هذا السياق عن قضايا الشعوب والتحرر من الاستعمار والعبودية.
أعلن سارتر أن الوجود يسبق الماهية. وأن الإنسان ينبغي أن يستثمر حريته في بناء ماهيته المتطورة، ولا عذر له حين يخشى الاضطلاع بمسؤولية حريته، فالناس محكومون بالحرية. وإذا كان إدراك الحرية ووعيها هو الخطوة الأولى عند سارتر فإن اسـتخدامه لهذه الحرية وتصرفه بها والتزامه هو الخطوة الثانية. فالإنسان بالنسبة إليه قبل أن يعي حريته ويستثمر هذه الحرية هو عدم.
حين احتلت ألمانيا النازية فرنسا انخرط سارتر في صفوف المقاومة، وانتشرت أفكاره الوجودية بعد التحرير كما شارك بقوة في أحداث مايو/أيار 1968 في فرنسا، وأدان حرب فيتنام. وكان موقفه معاديا لفكرة أن تكون الجزائر فرنسية، وناصر الشعب الجزائري واحتج على التعذيب ودعا إلى الاستقلال وصور العنف على أنه نتيجة للاستعمار، على خطى فانون.
نتلمس في هذه المقدمة عمق الأثر الذي تركه الطبيب المارتينيكي فانون بمواطنه الفرنسي سارتر. فهو يحث الأوروبيين على قراءة الكتاب رغم أنه كما يوضح لهم، ليس موجهاً إليهم. يدافع عن مبادئ فانون كونها قيما عالية في إنسانيتها لإنصاف المستضعفين وروح العدالة.
إذا كان إدراك الحرية ووعيها هو الخطوة الأولى عند سارتر فإن اسـتخدامه لهذه الحرية وتصرفه بها والتزامه هو الخطوة الثانية
يقول سارتر: "كانت الحقيقة في المستعمرات تبدو عارية، وكانت عواصم البلاد المستعمَرَة تؤثرها مكسوة، حين يقول فانون إن أوروبا ساعية إلى حتفها، فهو لا يصيح صيحة من ينبه إلى الخطر وإنما يُشخصُ الداء، ويَفضح. إن فانون يشرح أمركم لإخوته فاستفيدوا من ذلك لتكشفوا لأنفسكم عن أنفسكم، إن ضحايانا يعرفوننا بواسطة جراحهم وأغلالهم وهذا ما يجعل شهادتهم صادقة لا تُرد، وجنودنا فيما وراء البحار ينبذون فكرة المساواة بين البشر. إن العنف الاستعماري يجرد المستعمَر من إنسانيته يقضي على تقاليده، يُحل لغة محل لغة، يهدم الثقافة دون أن يكون لدى المستعمر رغبة في أن يعطيهم ثقافته".
يعتبر سارتر أن فانون شق العالم إلى مُستعمَر ومستعمر. وامتلكت الثورة الجديدة التي يحملها في ضلوعه هويةً ثقافية، إنها صراع للقبض على هوية ضائعة، هوية مسلوبة تعرضت للتشويه. من الإشارات الهامة في المقدمة كيف أدخل فانون إلى المعجم الثوري مصطلحات جديدة أسهمت في توسيع الثورة وإخراجها من النطاق العرقي والطبقي إلى نطاق ثقافي. ويرى سارتر أن كلا من المستعمَر والمستعمر سيستفيدان من قراءة فانون الذي يوضح توضيحا كاملا أن هذا العنف الجامح في مقاومة المستعمر ليس زوبعة سخيفة ولا هو يقظة غرائز وحشية، ولا هو ثمرة حقد، بل إنه الإنسان نفسه يعيد تشكيل نفسه تشكيلا جديداً. المستعمَر يشفى من عصاب الاستعمار بطرده المستعمِر ويعرف نفسه بمقدار ما يصنع نفسه.
ويشير سارتر إلى أن هذا الكتاب الذي يتتابع فينا دائما لم يكن بحاجة إلى مقدمة. لكنه كتب المقدمة من أجل أن يمضي بالديالكتيك إلى أقصاه "إنهم يخلصوننا نحن أيضا أهل أوروبا ويجتثون المستعمر الموجود في كل منا".
صادق سارتر فانون بناءً على أفكاره، لم يكن شاهداً فقط، بل كان منظراً شرساً وربما مقاتلاً، ما دامت الكتابة السوداء، المناهضة للاستعمار هي كتابة تصبو إلى الوعي والتحرر. فتح النار على أوروبا، على كل طبقات أوروبا. ورأى مثل فانون أن المُخلص هو المضطهَد المستعمَر، حتى إنه مجّد عنف المستعمَر في سبيل حريته.
المستعمَر يشفى من عصاب الاستعمار بطرده المستعمر ويعرف نفسه بمقدار ما يصنع نفسه
نُشر "معذبو الأرض" عام 1961، وهو نداء لإعادة بناء الذات بعد سنوات من الاستعمار. ولا يزال (كما مقدمته)، عملًا فكريًا ثوريًا يحتفظ براهنيته، صوتًا للشعوب المضطهدة، دعوة مستمرة للتحرر تلهم الضمير الإنساني. صدى هذه الأفكار راهن وحار، وفيها تشريح للكثير من الأفكار والتهم والأصفاد التي تكبل الشعوب ووعيها إلى وقتنا هذا.
لا بد من شكر مواطني السوريين دكتور جمال أتاسي ودكتور سامي الدروبي على الترجمة الممتعة للكتاب ولمقدمته. وبما أن هذه السطور حطت في سوريا، فلا بد من رد تحية سارتر: إننا محكومون بالأمل.