يبدو أن إحدى النتائج غير المحسوبة للسياسة الخارجية التي يتبعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب هي بروز دعوات جدية لتشكيل نظام دولي متعدد الأقطاب منعاً لهيمنة أميركية جائرة في العالم.
وبخلاف الدعوات الشائعة والضعيفة التأثير القادمة من الخصوم والمنافسين التقليديين للولايات المتحدة كالصين وروسيا وإيران بضرورة تشكيل مثل هذا النظام، تأتي الدعوة هذه المرة من حلفاء أميركا التقليديين في أوروبا، وإن بصيغة مهذبة وغير مباشرة تتجنب تحدي الولايات المتحدة، كما ظهر في تصريحات مختلفة لكبار الساسة الأوروبيين. فمثلاً أكد المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، على أهمية أن تستقل أوروبا عسكرياً عن أميركا وتطور دفاعاتها الخاصة بها، وذلك رداً على ما يبدو تخلياً أميركياً مقلقاً عن الدفاع عن أوكرانيا ومحاباة روسيا التي يرى الزعماء الأوروبيون أنها، بغزوها أوكرانيا، تهدد الأمن الأوروبي.
ثم هناك مؤخراً الانتقاد النادر للرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، لخرق أميركا "القواعد الدولية" بعد فرض ترمب تعريفات جمركية إضافية على دول أوروبية، بينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا، بسبب وقوفها مع الدنمارك في رفض الأخيرة ضم جزيرة غرينلاند إلى الولايات المتحدة.
يبدو أن التحول نحو تبني عالم متعدد الأقطاب اكتسب زخماً أوروبياً حقيقياً بسبب الخلاف الأميركي-الأوروبي بخصوص غرينلاند ورغبة ترمب بضمها لأميركا بأي وسيلة ممكنة، ومن ضمنها القوة العسكرية!
وقبل إثارة موضوع إلحاق هذه الجزيرة النائية في الشمال القطبي كان الانزعاج الأوروبي من أميركا تحت قيادة ترمب، الذي تمحور حول موضوعي فرض التعريفات الجمركية والتخلي عن دعم أوكرانيا لصالح روسيا، يقع ضمن الحيز المقبول لخلافات الحلفاء التي يمكن التعايش معها على أمل حلها مستقبلاً أو نهايتها بنهاية عمر الإدارة الجمهورية الحالية في البيت الأبيض. لكن الإصرار على ضم الجزيرة سلماً أو حرباً وهي جزء من دولة أوروبية حليفة شاركت أميركا بقوات عسكرية في كثير من حروبها (كوسوفو، الكويت، أفغانستان، العراق) انطوى على الاحتمالات الجدية بتحول أميركا إلى خصم حقيقي للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الأولى التي دشنت دخولها في الشؤون الأوروبية، ليتحول هذا الدخول إلى تحالف راسخ، سياسي وعسكري واقتصادي، قادته هي بعد الحرب العالمية الثانية.
تستطيع أوروبا مجتمعةً، أن تصنع من نفسها قطباً استراتيجياً عالمياً للوقوف بوجه التفرد اليميني الأميركي الذي يقوده ترمب، على نحو لا تستطيعه لا الصين ولا روسيا
تتعمق احتمالات هذه الخصومة في ظل العداء الأيديولوجي المعلن لليمين الأميركي المتشدد الذي يأتي منه ترمب للأنظمة الليبرالية الأوروبية، كما برز هذا في خطاب نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس في ميونيخ خلال شهر فبراير/شباط الماضي عندما أشار إلى أن "التهديد الذي يقلقني أكثر بخصوص أوروبا ليس روسيا ولا الصين... وإنما العدو الداخلي: تراجع أوروبا عن بعض أهم قيمها الأساسية التي تتشاركها مع الولايات المتحدة الأميركية".
في الحقيقة، تستطيع أوروبا مجتمعةً، بقوتها الاقتصادية الهائلة وتضامنها السياسي وتماسكها الأيديولوجي، وفي ظل سعيها لتطوير قوة ردع عسكرية مستقلة بها تغنيها عن الاعتماد العسكري على أميركا، أن تصنع من نفسها قطباً استراتيجياً عالمياً للوقوف بوجه التفرد اليميني الأميركي الذي يقوده ترمب، على نحو لا تستطيعه لا الصين ولا روسيا. ومع ذلك، يبدو مستبعداً أن تلجأ أوروبا إلى مثل هذا الخيار الصعب والمعقد والمُكلِف، لأن اختلافها الأساسي هو مع إدارة ترمب وليس مع الثقافة السياسية الأميركية الراسخة مؤسساتياً وأيديولوجياً القائمة مع التشابه والتعاون الاستراتيجيين مع أوروبا على نحو تكاملي صَنعَ على مدى العقود الماضية الكتلة السياسية والاقتصادية والثقافية الصلبة التي اسمها "الغرب" وقادت العالم بنجاح منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
يخطط مشرعون جمهوريون وديمقراطيون لتشريع قوانين مختلفة تحد من قدرة الرئيس على استهداف غرينلاند أو حلف "الناتو"
يتحدى ترمب هذه الثقافة بقوة بأشكال مختلفة، سياسية واقتصادية، ويصطدم مع مؤسساتها الكثيرة باستمرار (ولذلك هناك الكثير من القضايا التي تنظر فيها المحاكم الأميركية لفك حالات الاصطدام هذه). لكن التحدي الأكثر إقلاقاً هو الاستخدام المنفرد للقوة العسكرية. كان هناك الكثير من السخط غير المعلن في أوساط الكونغرس مثلاً ضد العملية العسكرية لاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، لكن السخط المتصاعد ضد التلويح العسكري الترمبي لاحتلال غرينلاند مختلف نوعياً واستراتيجياً في الكونغرس، إذ يخطط مشرعون جمهوريون وديمقراطيون لتشريع قوانين مختلفة تحد من قدرة الرئيس على استهداف غرينلاند أو حلف "الناتو" (قانون حماية سيادة غرينلاند، وقانون حماية وحدة الناتو). على الأغلب ستتصاعد الردود المؤسساتية الأميركية ضد سلوك ترمب الذي يفكك التحالف التاريخي الأميركي-الأوروبي. فاستمرار هذا التحالف هو خيار استراتيجي أميركي يتجاوز خلافات الحزبين الرئيسين، فضلا عن أن هذا الخيار، بالأدوات الأميركية الكثيرة التي تدعمه، أقوى، على المدى الطويل، من إرادة رئاسة يمينية متشددة بعمر دستوري محدود، يقودها رئيس عنيد يبالغ دائماً في قدرته الشخصية على إعادة صياغة العالم على النحو الذي يريد.