ترمب في السنة الأولى من ولايته الثانية... إعادة تعريف الدولة الأميركية

رؤية أيديولوجية لأقصى اليمين

المجلة
المجلة

ترمب في السنة الأولى من ولايته الثانية... إعادة تعريف الدولة الأميركية

في لقاء له موخراً مع صحيفة "نيويورك تايمز"، تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب بصراحته المعهودة والصادمة التي لا يخفف من وطأتها الاعتياد على الخطاب المختلف للرجل. من بين ما قاله ترمب في هذه المقابلة: "لا أحتاج إلى القانون الدولي، فأنا لا أسعى لإيذاء الناس"، ليكمل فكرته في موضع آخر من المقابلة ذاتها بقوله بخصوص الموانع التي يمكن أن تعترضه في صنع قراراته: "نعم، هناك شيء واحد: أخلاقي، عقلي. إنه الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفني". رغم أن كلمات الرئيس هذه قِيلت في سياق تناول السياسة الخارجية لإدارته بعد العملية العسكرية الأميركية بالإطاحة بحكم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واقتياده محتجزاً إلى أحد السجون الأميركية في نيويورك بانتظار أن يواجه تهماً فيدرالية بالإتجار بالمخدرات، فإنها تعكس على نحو دقيق شخصيته السياسية العامة، سواء في الملفات الداخلية أو الخارجية: السياسي الذي لا يلتزم بالحدود المعتادة للأشياء سواء كانت تلك الحدود عُرفية أو قانونية، إذ يستسهل خرق الاثنين كلما تطلبت مصالح إدارته ذلك أو اتسق هذا الخرق مع شخصيته الأيديولوجية ذات الطبيعة المحاربة والصريحة على نحو جارح.

يعيد ترمب تشكيل الدولة الأميركية كي تكون معبرة عن رؤية الرئيس ورغباته وليس نتاجاً لتفاعل السلطات الثلاث

الرئيس الطموح الذي لا يتسامح مع الخصوم

في سبتمبر/أيلول من العام الفائت، أثناء تشييع الخطيب الإنجيلي المؤثر في أوساط حركة "ماغا" والمؤيد القوي لترمب، تشارلي كيرك، البالغ من العمر 31 عاما حين قتلته رصاصة شاب مضطرب نفسياً على الأكثر، وقفت زوجته، إيركا كيرك، إلى جانب ترمب لتلقي خطاب تشييع مؤثر في وداع زوجها. ذكرت فيه أنها تغفر لقاتل زوجها، بوصفها مسيحية تؤمن بالحب والمغفرة. في جملتها المثيرة للإعجاب، قالت المرأة التي فقدت زوجها ووالد طفليها قبل أيام قليلة: "الرجل، ذلك الرجل الشاب، أغفر له لأن هذا ما قام به عيسى، وهذا ما كان سيفعله شارلي أيضاً. الجواب ليس أن نكره. نعرف أن الجواب من الإنجيل هو الحب ودائماً الحب، الحب لأعدائنا والحب لأولئك الذين يضطهدوننا".

وفي خطبته التي ألقاها بعدها مباشرة، توقف ترمب عند جملتها هذه بالقول تعليقاً على السلوك المفترض لزوجها الراحل: "لم يكره خصومه. أراد الأفضل لهم. هنا أختلف مع شارلي. أكره خصومي ولا أريد الأفضل لهم. أنا آسف إيركا، قد تستطيعين إقناعي بأن هذا ليس صحيحاً، لكنني لا أستطيع تحمل خصومي". كلمات ترمب هذه ليست مجازية الطابع، فالرجل يقول الأشياء بجرأة وينفذها عبر الأدوات الكثيرة المتيسرة له كرئيس. من هنا كان فتح وزارة العدل تحقيقات بتهم إجرامية ضد بعض المسؤولين السابقين والحاليين الذي اختلفوا معه مثل رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق جيمس كومي، ووزيرة العدل السابقة لولاية نيويورك ليتيشا جيمس، وآخرين غيرهما.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده أثناء صعوده على متن طائرة الرئاسة "إير فورس ون" متجهاً إلى فلوريدا، في قاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند الأمريكية، في 16 يناير 2026

ظهرت الشخصية المحاربة للرئيس بأوضح صورها في الرئاسة الثانية لترمب، بعكس الرئاسة الأولى التي هيمنت عليها السياسات المحافظة التقليدية الشبيهة بتلك التي يتبعها في الولاية الثانية بخصوص الاقتصاد والهجرة والبيئة وسواها من الملفات الداخلية المهمة. يكمن الفارق الأساسي بين إدارتي الرجل، حتى مع التشابه العام في السياسات في أثنائهما، في كيفية تنفيذ هذه السياسات في إدارته الثانية: عبر توسيع السلطة التنفيذية الممنوحة للرئيس إلى أقصى حد ممكن وصولاً إلى تجاوز الحدود القانونية والدستورية. في سعيه هذا الذي يقترب، بحسب متابعين ومنظمات حقوقية كثيرة، من دكتاتورية السلطة التنفيذية التي لم تعرفها أميركا في تاريخها كدولة، يعيد ترمب تشكيل الدولة الأميركية كي تكون معبرة عن رؤية الرئيس ورغباته وليس نتاجاً لتفاعل السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، في سياق مبادئ دستورية وتراكم قانوني ومؤسساتي على مدى أكثر من مئتي عام من عمر هذه الدولة.

أحد الوجوه الأخرى لسعي الرئيس إعادة تعريف الدولة الأميركية من الداخل هو محاولته إخضاع الكثير من الهيئات الفيدرالية المستقلة لسلطة البيت الأبيض مباشرةً

سجل طويل في عام قصير

في غضون سنة واحدة من ولايته الثانية الحالية، غَيَّر ترمب الكثير من وجه أميركا داخلياً في إطار عملية إعادة التعريف هذه التي يمكن تتبع جذورها إلى رؤية أيديولوجية لأقصى اليمين الأميركي اختصرها مشروع 2024 الذي كتبته مؤسسة "هيرتج فاونديشن" (Heritage Foundation) وشارك فيه بعض المقربين من ترمب. في هذا المشروع الذي يمتد لمئات الصفحات والذي أنكر ترمب معرفته به اقتراحات تفصيلية لسياسات كثيرة، خارجية وداخلية، تجد طريقها للتنفيذ في إدارة ترمب الحالية، كما كان الحال وإن على نحو أقل نسبياً في إدارته السابقة. يفترض هذا المشروع ويدعو صراحةً إلى إعادة هيكلة الدولة الأميركية باتجاه مَركزة الكثير من الصلاحيات بيد السلطة التنفيذية وسلبها من الكونغرس والهيئات الفيدرالية المستقلة. هذا عملياً ما حدث في عام ترمب الأول في البيت الأبيض، إذ يتجاوز الرجل على نحو مستمر تقريباً دور المؤسسات التقليدية من خلال الانفراد الرئاسي بالتنفيذ القائم على التوسع الكبير وغير المسبوق في السلطات الرئاسية.

رويترز
اصطفّ الحضور مرتدين قبعات كُتب عليها "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً" (MAGA) قبل انطلاق تجمع انتخابي لترمب، 4 نوفمبر 2024

ظهرت نية الرئيس ترمب لتوسيع سلطاته في أيامه الأولى في المنصب، إذ طردَ في شهر يناير/كانون الثاني 18 مفتشا عاما في مؤسسات فيدرالية مهمة كوزارات الدفاع والطاقة والخارجية، وهي الخطوة التي أثارت انتقادات واسعة داخل الكونغرس وخارجه. أنشأ الكونغرس في عام 1976 بعض مكاتب المفتشين العامين بعد "فضيحة ووترغيت" التي تضمنت الكثير من إساءة استخدام السلطة، وذلك لتشكيل مَصدٍ إضافي ضد سوء الاستخدام هذا، ليتم تعزيز هذه المكاتب ونشرها في مختلف مؤسسات الدولة الفيدرالية وتوحيد طريقة عملها على أساس قانون مهم تم تشريعه في عام 1978 (قانون المفتشين العامين لعام 1978). حسب هذا القانون وتعديلاته التالية، يرشح الرئيس المفتش العام ويصوت عليه مجلس الشيوخ، ولا يحق للرئيس طرد مفتش عام إلا بعد إعطاء إعلام للمجلس قبل ثلاثين يوماً وشرح سبب الطرد وهو ما لم يفعله ترمب. وبدلاً من تقديم مرشحين جدد لهذه المناصب لمجلس الشيوخ يشترط القانون أن يكونوا مستقلين وليسوا موالين للبيت الأبيض، عَيَّن ترمب موظفين من داخل هذه المكاتب عوضاً عن المفتشين المطرودين ليديروها بالنيابة وليس بالأصالة، في إضعاف واضح للصلاحيات الرقابية لهذه المكاتب!

مؤسسات تابعة تدافع عن استقلالها

أحد الوجوه الأخرى لسعي الرئيس إعادة تعريف الدولة الأميركية من الداخل هو محاولته إخضاع الكثير من الهيئات الفيدرالية المستقلة لسلطة البيت الأبيض مباشرةً. حددت القوانين أسلوباً ذاتيا لإدارة هذه الهيئات ضمن اشتراطات معينة تتضمن الرقابة عليها من جانب الكونغرس واستقلالها عن البيت الأبيض الذي تقتصر صلاحياته في الغالب على ترشيح الذين يشغلون المناصب العليا فيها لمجلس الشيوخ كي يقبلها أو يرفضها. صراع ترمب العلني مع رئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، هو أحد الأمثلة على مساعي الإخضاع هذه. يمنح القانون (قانون الاحتياطي الفيدرالي لعام 1913 وتعديلاته) هذه المؤسسة المالية المهمة سلطة تقديرية وتنظيمية لتحقيق الاستقرار في الأسواق المالية.

رويترز
ترمب وستيف مور، الباحث الزائر الأول في الاقتصاد بمؤسسة التراث، يشيران إلى لوحة، قالا إنها تُظهر تغيرا في الدخل الحقيقي للأسر، في البيت الأبيض في واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة، في 7 أغسطس 2025

في الترجمة الأدق لهذه السلطة مدعومةً بسجل تاريخي طويل بهذا الصدد، يعني هذا حق هذه المؤسسة في تحديد أسعار الفائدة حسب قراءتها المهنية والمستقلة للأوضاع المالية في البلد، دون تدخل من البيت الأبيض. بخلاف هذا السجل والقانون، يضغط ترمب على نحو علني على باول لتمرير تخفيضات كبيرة في أسعار الفائدة (ما يعني خفضاً لقيمة الدولار أمام العملات الأجنبية) وذلك دعماً لتوجه الإدارة الاقتصادي القائم على تشجيع الصادرات ودعم الناتج المحلي (الهدف الأساسي للإدارة هنا هو المنافسة التجارية مع الصين). على الجانب الآخر، يفضل الاحتياطي الفيدرالي تخفيضاتٍ تدريجية، حذرة وليست كبيرة، لأسعار الفائدة للجم التضخم ودعم سوق التوظيف، وذلك بناءً على المعطيات الاقتصادية والمعلومات المالية المتوفرة لديها، وليس اتباع الأجندة السياسية للرئيس بخصوص الاقتصاد. ما يزال الصراع بين الاثنين مفتوحاً خصوصاً بعد فتح وزارة العدل تحقيقاً جنائياً بحق باول.

يشعر الكثير من المتابعين بأن السنوات الثلاث المتبقية من العهد الثاني لترمب ستكون طويلة جداً وأن بعض آثارها السلبية ستكون طويلة الأمد تتجاوز كل فترة الرئاسة الحالية

تعقب الخصوم الديمقراطيين

حاول الرئيس تجاوز صلاحياته لإعادة تعريف الانتخابات لصالح الحزب الجمهوري وعلى نحو يضر بالحزب الديمقراطي. حصل هذا عبر اشتراطه في أمر رئاسي تنفيذي أصدره في مارس/آذار الماضي وثائقَ رسمية محددة لتسجيل الأميركيين أنفسهم كي يستطيعوا التصويت في الانتخابات، وهي السلطة التي تختص عادة بالكونغرس والمجالس التشريعية في الولايات. بحجة منع المهاجرين غير القانونيين والذين لا يحملون الجنسية الأميركية من التصويت في الانتخابات (وهي الحجة التي يكررها ترمب كثيراً رغم عدم وجود أدلة تدعمها بحسب المنظمات المختصة)، أصدر ترمب امراً غير قانوني لهيئة المساعدة الانتخابية المستقلة (Election Assistance Commission) بمطالبة الأميركيين باستخدام جوازات سفرهم أو شهادات ولادتهم لإثبات أنهم مواطنون وبالتالي يحق لهم التصويت، (بدلاً من العملية السهلة والسلسة والدقيقة الحالية التي لا تشترط تقديم هذه الوثائق).

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، بتاريخ 14 يناير 2026

يعني إمضاء هذا الأمر أن ملايين المواطنين سيُحرمون من التصويت عملياً، فنصف الأميركيين تقريباً لا يمتلكون جوازات سفر، علاوةً على أن الكثير من النساء المتزوجات يغيرن أسماءهن عند الزواج من دون تغيير الوثائق الرسمية الأخرى التي تتطلب بعض الجهد والمال، فيما لا يحتفظ كثيرون، من ذوي الدخل المحدود خاصةً، بوثائق ولادتهم أو هي ليست متيسرة لهم بسهولة في حالة وجودها (وهاتان المجموعتان تصوتان، في أغلبيتهما، للديمقراطيين عادة). جرى تحدي قرار ترمب أمام إحدى المحاكم الاتحادية التي أصدرت في آخر المطاف حكماً بوقف تنفيذ هذا الأمر الرئاسي بسبب تجاوزه على صلاحيات مؤسسات أخرى، لكن الإدارة تعتزم تحدي هذا الحكم أمام المحكمة العليا التي بدت في قضايا سابقة متعاطفة مع الرئيس بسبب هيمنة القضاة المحافظين عليها.

يشعر الكثير من المتابعين الذين تقلقهم جهود ترمب بتوسيع سلطاته بأن السنوات الثلاث المتبقية من العهد الثاني لهذا الرجل القوي الإرادة ستكون طويلة جداً وأن بعض آثارها السلبية ستكون طويلة الأمد تتجاوز كل فترة الرئاسة الحالية.

font change

مقالات ذات صلة