بدأت جميع اتفاقيات السلام الثماني، التي أعلن الرئيس دونالد ترمب من مقعده في البيت الأبيض، أن له الفضل في إبرامها، في التهاوي الواحدة تلو الأخرى، كما لو كانت قلاعا شيدت من رمال. فمن اتفاق إسرائيل و"حماس" على وقف الحرب في غزة، إلى النزاع المسلح بين تايلاند وكمبوديا، والحرب بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، وإسرائيل وإيران، عادت الصراعات إلى الاشتعال من جديد، ولم يمر على أبعدها أكثر من ستة أشهر. وطالما كرر ترمب الذي يطلق على نفسه "صانع السلام" مزاعم بأنه هو الذي توسط في التوصل إلى سلام بين الهند وباكستان، وفي تثبيت السلام بين أرمينيا وأذربيجان، وصربيا وكوسوفو، وفي التحضير للوساطة بين مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة.
بيد أن الاتفاقيات التي أعلنها أمام أطرافها، في مشاهد بدا فيها التركيز على اللقطة، أكثر من الرغبة في الغوص في جذور هذه الصراعات القديمة في أغلبها، كانت بالهشاشة التي حالت دون صمودها لأكثر من عدة أشهر. وحينما أعلنها ترمب، لوح بأوراق ضغط تمثلت في التهديد، بفرض عقوبات اقتصادية على من يرفض الإذعان، كما لو كانت صفقات تجارية. ولم ينس ترمب أن يستفيد من مساعيه، لإطفاء نار هذه الصراعات بالخروج بمكاسب تمثلت في حالة الكونغو ورواندا، في امتيازات لاستغلال الثروات المعدنية النادرة لكلتيهما، كي يقطع الطريق على تغلغل النفوذ الصيني هناك. وربما استطاع بالفعل تعليق أو تخفيف حدة هذه الصراعات لبعض الوقت، بيد أن منهجه إلى ذلك، لا يفضي إلى تسوية مستدامة أو سلام دائم. فالمصافحات بين قادة هذه الدول المتصارعة أو ممثليها أمام الكاميرات، لا تبدد المشاعر الدفينة، ولا تمحو الإحن القديمة، ولا تعالج الأزمات جذريا. كما أن الأسلوب الذي اتبعه لا ينم عن فهم عميق لهذه الصراعات المعقدة التي تظل نيرانها متأججة تحت الرماد، ما استمرت أسبابها التي تمتد امتداد الحدود المتنازع عليها بين كمبوديا وتايلاند، والصراعات الإثنية بين رواندا والكونغو الديمقراطية، والحروب العقائدية بين إسرائيل والعرب وإيران، والتوتر بسبب الموارد بين مصر وإثيوبيا، والصراع على الأرض بين أرمينيا وأذربيجان، أو على الأقاليم كالهند وباكستان، والنزاعات الدموية بين الصرب والبوسنة والهرسك.
كما عمد ترمب إلى الانفراد بالمشهد متجاهلا المنظمات الدولية المعنية، بتسوية النزاعات، وحفظ السلام، وتوثيق المعاهدات ومراقبة الالتزام بها، متبنيا نهج توقيع العقود أو تمهير الصفقات.


