إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب توصله إلى اتفاق بشأن الإقليم المتنازع عليه من شأنه أن يسهم، إلى حد ما، في تهدئة التوترات عبر الأطلسي، بعد تهديده بالتسبب في أكبر انقسام في تاريخ حلف شمال الأطلسي.
بدت مطالب ترمب المتطرفة، في وقت من الأوقات، بجعل غرينلاند، المنطقة القطبية التي تشكل جزءا من مملكة الدنمارك، أرضا أميركية، وكأنها تشمل التهديد باستخدام القوة العسكرية لتحقيق هذا الهدف.
أثارت لهجة ترمب الحادة بشأن غرينلاند صدمة في أنحاء أوروبا، بعد أن هدد بفرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المئة على أي دولة أوروبية تعارض مطالبه، ما دفع عددا من القادة الأوروبيين إلى التساؤل عما إذا كان الحلف قادرا على الصمود في وجه أزمة جديدة في العلاقات مع البيت الأبيض.
انفرجت الأزمة فجأة بعد ظهور ترمب اللافت في مؤتمر دافوس السنوي في سويسرا، وذلك عقب أيام من النشاط الدبلوماسي المكثف الذي تميّز باتخاذ قادة أوروبيين، من بينهم رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، موقفا صارما في رفض مطالب ترمب.
وبعد محادثات مع الأمين العام لحلف "الناتو"، مارك روته، أعلن ترمب تخليه عن تهديده بفرض رسوم جمركية على حلفائه الأوروبيين، كما استبعد استخدام القوة للسيطرة على الإقليم.
وزعم أنه توصّل إلى "إطار" مع الحلف يتيح للجيش الأميركي إدخال غرينلاند ضمن نطاق نفوذه. وأدى إعلانه انتهاء الأزمة الدبلوماسية التي أثارها إلى تنفّس القادة الأوروبيين الصعداء، رغم أن تفاصيل الاتفاق لم تُكشف إلا في حدود ضيقة.
وكتب في منشور على منصة "تروث سوشيال" عقب اجتماعه مع روته على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس: "سيكون هذا الحل، إذا اكتمل، حلا عظيما للولايات المتحدة الأميركية، ولكل دول الناتو".
كما أشار إلى أن مناقشات تُجرى حاليا بشأن خططه لـ"القبة الذهبية"، وهي درع دفاع صاروخي تقترحه وزارة الدفاع الأميركية لحماية الولايات المتحدة من التهديد الذي تمثله روسيا والصين، وقد تمضي هذه الخطة قدما.
رغم أن اجتماع ترمب مع روته أسهم في دفع الرئيس إلى اعتماد نبرة أقل تصادمية مع حلفائه الأوروبيين، فإن عوامل أخرى ساهمت أيضا في تهدئة التوترات، في مقدمتها الأثر السلبي لتصريحاته المثيرة للجدل على الأسواق العالمية
ورغم أن اجتماع ترمب مع روته أسهم في دفع الرئيس إلى اعتماد نبرة أقل تصادمية مع حلفائه الأوروبيين، فإن عوامل أخرى ساهمت أيضا في تهدئة التوترات، في مقدمتها الأثر السلبي لتصريحاته المثيرة للجدل على الأسواق العالمية، التي تكبّدت أكبر خسائرها منذ أكتوبر/تشرين الأول نتيجة تهديده بفرض رسوم جمركية عقابية على حلفاء أوروبيين رئيسين.
مع ذلك، لا تزال المخاوف قائمة من أن أسلوب ترمب عالي المخاطر في التعامل مع قضية غرينلاند، والذي وبّخ خلاله مرارا ما اعتبره ضعفا من جانب واشنطن تجاه حلفائها، قد ألحق ضررا بالغا بالعلاقات عبر الأطلسي، وهو ضرر يخشى كثيرون في أوروبا أن لا يكون قابلا للإصلاح.
وقد تزايد هذا القلق الأوروبي منذ صدور استراتيجية الأمن القومي التي أعلنتها إدارة ترمب في أوائل ديسمبر/كانون الأول، والتي وصفت أوروبا بأنها قارة في حالة تراجع، ما عزز الشكوك في أن الولايات المتحدة، ما دام ترمب في السلطة، لم تعد حليفا يمكن الوثوق به.
ويتجسد التحدي الذي يواجه القادة الأوروبيين الآن، بعد أن بدت أزمة غرينلاند في طريقها إلى الحل، في إعادة العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها الصحيح، بما يسمح لهم بإعادة التركيز على قضايا أكثر إلحاحا، مثل إنهاء الحرب الطويلة في أوكرانيا، التي ستبلغ الشهر المقبل عمرا يقارب مدة الحرب العالمية الأولى.
وقد أدى الانشغال بمطالب ترمب بشأن غرينلاند، إلى جانب الجدل حول التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا للإطاحة بالرئيس السابق نيكولاس مادورو، إلى تراجع الاهتمام بتسوية النزاع الأوكراني، وهو القضية الجوهرية منذ بداية العام.
يبقى من غير الواضح ما إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في أعقاب الصدع الأخير الذي سببه ترمب داخل الحلف عبر مطالبه المثيرة للجدل، يرى أي ضرورة لتقديم تنازلات، في وقت يبدو فيه "الناتو" عاجزا عن ترتيب بيته الداخلي
ورغم زعم الإدارة توصلها إلى اتفاق مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لفرض وقف دائم لإطلاق النار، فإنه لا مؤشرات تلوح في الأفق على أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لديه نية حقيقية لإنهاء الأعمال القتالية.
وفي حين ركّز القادة الأوروبيون جهودهم على تسوية أزمة غرينلاند، واصلت روسيا تنفيذ هجمات مشتركة بالطائرات المسيّرة والصواريخ استهدفت البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن أجزاء واسعة من البلاد في ذروة الشتاء.
ويبقى من غير الواضح ما إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في أعقاب الصدع الأخير الذي سببه ترمب داخل الحلف عبر مطالبه المثيرة للجدل، يرى أي ضرورة لتقديم تنازلات، في وقت يبدو فيه "الناتو" عاجزا عن ترتيب بيته الداخلي.
وكان أحد الاعتبارات الأساسية لدى بوتين عند إطلاق ما يسميه "العملية العسكرية الخاصة" ضد أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، اعتقاده بأن الانقسامات داخل الحلف ستمنع المنظمة من إحباط مسعاه للسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الأوكرانية.
وبعد متابعته في الأيام الأخيرة للسجال غير اللائق بين القوى الكبرى في الحلف بشأن غرينلاند، قد يكون بوتين أكثر اقتناعا بأن حساباته الأولى كانت في محلها.