زيادات المحروقات تشعل جدل الدعم والإصلاح في الجزائر

من تفاوت الأسعار إلى عبء الخزينة... لماذا عاد ملف الدعم إلى الواجهة؟

Shutterstock
Shutterstock
الغاز الجزائري محور الشراكة مع دول القارة الأفريقية

زيادات المحروقات تشعل جدل الدعم والإصلاح في الجزائر

اتسمت الأسابيع الأولى من السنة الجديدة في الجزائر بسخونة النقاش الاجتماعي والسياسي عن الزيادات التي أقرت على أسعار المحروقات، وهي الأولى من نوعها منذ خمس سنوات. تستهدف هذه الخطوة خفض فاتورة الدعم وترشيد الاستهلاك بما يساعد الموازنة العامة للبلاد.

تثار حاليا أسئلة اقتصادية عن خلفيات رفع أسعار المحروقات، لتعديل التقديرات الأولية كي تتوافق مع الأسعار الحقيقية عند التوقيع أو بداية التنفيذ، وهل لهذه الزيادات علاقة بقانون الموازنة لسنة 2026. والسؤال الأهم يرتبط بانعكاسات هذه الزيادات وتداعياتها على الحياة اليومية للمواطنين.

منذ الأول من يناير/ كانون الثاني 2026، أصيب الجزائريون، وفق متابعات "المجلة"، بالدهشة والاستغراب من ارتفاع أسعار المحروقات بنسب تراوحت ما بين 3 و30 في المئة لمختلف أنواع المشتقات النفطية. المثير في الموضوع، أن هذا الارتفاع لم يكن مدرجا في قانون الموازنة لعام 2026، الذي دخل حيز التنفيذ في التاريخ نفسه.

بناء على لائحة الأسعار الجديدة، ارتفع سعر ليتر المازوت من 29,01 دينارا (0,223 دولارا) إلى 31 دينارا (0,238 دولارا)، كما ارتفع سعر الليتر الواحد من البنزين من 45,62 دينارا (0,350 دولارا) إلى 47 دينارا، أي ما يعادل (0,361 دولارا)، بينما ارتفع سعر الليتر الواحد من وقود غاز النفط المسال (LPG)، الذي يعتبر الأقل سعرا في البلاد، من 9 إلى 12 دينارا (0,092 دولار).

يؤدي الفارق الكبير بين كلفة الإنتاج الفعلية وسعر البيع للمستهلك الى تكبد خسائر مالية كبيرة، إذ ارتفعت الإعانات غير المباشرة لأسعار المحروقات والكهرباء والغاز الى نحو 38,7 مليار دولار بين عامي 2021 و2022

على الرغم من حالة الغضب العام التي سيطرت على الشارع الجزائري في الأسبوعين الماضيين، لا تزال الجزائر تتصدر قائمة الدول ذات أسعار المحروقات الأقل عالميا، بما في ذلك الدول المنتجة للنفط. وتستفيد من السياسة الاجتماعية المعتمدة منذ الاستقلال، وهو نظام يسهم في تحقيق الحماية الاجتماعية وتوزيع الثروة لصالح الفئات الهشة. وقد قدرت قيمة التحويلات الاجتماعية في قانون الموازنة لسنة 2026 بنحو 5,9 تريليون دينار جزائري، (نحو 46 مليار دولار)، وهو ما يمثل 34 في المئة من حجم الموازنة، أي ثلثها.  

الفرق في الأسعار يكشف حجم الدعم الحقيقي

لفهم أثر الدعم، يجب تحديد السعر المعمول به حاليا مقارنة بسعر التكلفة والسعر المتداول عالميا. إذ يبلغ سعر البنزين حاليا 47 دينارا، بينما يبلغ السعر المتوسط للبنزين عالميا 1,28 دولار، أي ما يعادل تقريبا 200 دينار في السوق السوداء. وبالنسبة الى قارورة غاز البوتان، فهي تباع حاليا بـ220 دينارا، بينما تتجاوز تكلفتها الحقيقية 1,000 دينار، وفق بعض التقديرات الرسمية. أي أن المواطن الجزائري يدفع 20 في المئة فقط من قيمتها.

رويترز
مقر شركة "سوناطراك" في العاصمة الجزائر

تنتج من الفارق الكبير بين تكلفة الإنتاج الفعلية وسعر البيع للمستهلك، خسائر مالية كبيرة. وتكشف أرقام تضمنها بيان السياسة العامة للحكومة لعام 2023، أن الإعانات غير المباشرة لأسعار المحروقات والكهرباء والغاز ارتفعت من 2,6 تريليون دينار جزائري عام 2021 إلى 5,4 تريليون دينار جزائري في عام 2022، أي نحو 38,7 مليار دولار. في المقابل، يشهد الطلب المحلي على المشتقات النفطية ارتفاعا مدفوعا بالحركة الاقتصادية التي تشهدها البلاد. وتظهر أحدث الإحصاءات التي قدمها أخيرا رئيس سلطة المحروقات رشيد نديل، ارتفاع المؤشر العام للاستهلاك الوطني للمواد النفطية، إذ بلغ 17,7 مليون طن من يناير/ كانون الثاني حتى نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، مرتفعا بـ5,4 في المئة، مقارنة بـ16,8 مليون طن استهلكت خلال الفترة نفسها من عام 2023.

الفارق في الأسعار بين الجزائر ودول الجوار، جعل من تهريب البنزين نتيجة طبيعية نحو تونس شرقا والمغرب غربا ومالي جنوبا

من عيوب سياسة الدعم الحالية، إهدار الطاقة وتهريب مختلف أنواع الوقود نحو تونس شرقا والمغرب غربا ومالي جنوبا، بسبب الاختلاف الكبير في سعر الليتر الواحد في محطات البنزين بين هذه الدول. فعلى سبيل المثل، يعتبر الوقود سلعة نادرة في مناطق متفرقة من باماكو، وهو يباع حاليا بـ4,000 فرنك "سي. إف. إيه" (CFA) (عملة كل من التشاد والكاميرون وجمهورية الكونغو ومالي)، في حين يبلغ سعره في المغرب 11,88 درهما مغربيا للبنزين، أي نحو أربعة أضعاف السعر في الجزائر. أما في تونس، فيبلغ السعر 2,6 دينار تونسي، أي نحو ثلاثة أضعاف سعره في الجزائر.

رفع أسعار المحروقات كمدخل للإصلاح

ما يمكن استنتاجه من هذا الطرح، أن رفع أسعار المحروقات يعتبر بمثابة بداية فعلية لمسار الإصلاح قبل أن يكون إجراء ماليا. في الواقع، انطلق الإصلاح بشكل أساس عام 2020 عندما أقرت الحكومة قانونا ماليا تكميليا للموازنة العامة، اقترح زيادة الرسم على منتجات الطاقة بواقع 3 دنانير بالنسبة لفئات البنزين الثلاث، وخمس دنانير بالنسبة لـ"الغاز أويل". وساق وزير المالية عبد الرحمن راوية آنذاك، العديد من "المبررات" من بينها: ترشيد استهلاك الوقود الذي يحسم من صادرات النفط وتقليص واردات الوقود بهدف تخفيف العجز التجاري ورفع الإيرادات الجبائية، وأيضا تقليص إعانات الموازنة، بالإضافة إلى الحفاظ على البيئة واللجوء إلى وقود أقل تلويثا، وحماية صحة المواطن.

قبلها، تحديدا عام 2016، أقرت السلطة الجزائرية جملة من الاجراءات لخفض مستوى الدعم من خلال رفع قيمة الضريبة على القيمة المضافة على الوقود من 7 إلى 17 في المئة، ووضعت أيضا عتبات لاستهلاك الكهرباء والغاز، يتغير عندها سعر بيع هذه المواد (2500 وحدة حرارية للغاز/للثلاثي و250 كليواطا للكهرباء/للثلاثي)، كما رفعت الضريبة على المنتجات النفطية من دينار واحد إلى 2,91 دينارا (أي بنسبة 191 في المئة).

 أي إصلاح للدعم لا يراعي الأجور، سيترجم مباشرة بتآكل في القدرة الشرائية

لا بد أن يكون هذا الإصلاح جزءا من رؤية ذكية تضمن التوجيه الأمثل للدعم العام نحو الفئات المستحقة فعليا، بما يحقق كفاءة أعلى للتحويلات الاجتماعية. فالدعم في صيغته الحالية غير موجه، وهو يشمل الغني والفقير الذي سيجد نفسه في مواجهة "الغول الكاسح" المسمى بـ"التضخم"، لا سيما أن الزيادات في الأسعار لا تتوافق والأجر الوطني الأدنى المضمون.

ما بين العدالة الاجتماعية وأخطار التضخم

 ويقول الأستاذ المحاضر بجامعة مستغانم، الدكتور بوشيخي بوحوص، إن "الأسعار يجب أن تأخذ في الاعتبار الحد الأدنى للأجور". ووفقا للخبير، يبلغ الحد الأدنى للأجور في السعودية مثلا 4,000 ريال، ويبلغ سعر البنزين 2,33 ريالا، أي أن المواطن يستطيع اقتناء 2000 ليتر بنزين، بينما يبلغ الحد الأدنى للأجور في الجزائر 24 ألف دينار جزائري أي نحو 185 دولارا. وبالسعر المعمول به حاليا، يستطيع المواطن الجزائري اقتناء 500 ليتر فقط.

وما يعيب عليه أستاذ الاقتصاد في جامعة ورقلة، الدكتور سليمان ناصر، أن "الزيادات جاءت مباشرة بعد خطاب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي أكد الحفاظ على القدرة الشرائية للجزائريين والطابع الاجتماعي للدولة، لا سيما أن الأمر يتعلق بمادة مدعومة". وعاد الى الحديث عن الزيادة على الحد الأدنى للأجور التي دخلت حيز التنفيذ انطلاقا من مطلع السنة الجارية، قائلا إن "الزيادات في الأسعار تصيب الأجور بالتآكل وهو ما سيدخلنا في الحلقة المفرغة من الزيادات (دائرة الأسعار-الأجور)".

"المجلة"

فرفع أسعار المحروقات يثير مخاوف الخبراء الاقتصاديين والسياسيين من اندلاع موجة غلاء لأسعار السلع والخدمات داخل الأسواق وتآكل القدرة الشرائية للجزائريين وكساد الأسواق. فالوقود مادة أساس تمس غالبية جوانب الحياة لا سيما في ما يتعلق بتكلفة النقل والإنتاج، وهو ما أكده السياسي الجزائري يوسف أوشيش، قائلا: "هذه الزيادات ستصيب الأسر الجزائرية مباشرة وستغذي دوامة تضخمية ذات آثار سلبية ودائمة. وعليه، فإن الزيادات الأخيرة في المعاشات والأجر الوطني الأدنى المضمون مرشحة لأن تلتهمها سريعا عودة التضخم".

تظهر أحدث الأرقام والإحصاءات، أن معدل التضخم في الجزائر، بلغ 3,64 في المئة في يونيو/ حزيران 2025، في مقابل 6,42 في المئة في الشهر نفسه من العام السابق، وهو ما يعكس قدرة نسبية على التحكم في ضغوط الأسعار. وفي المقابل، يشكل هذا الاستقرار فرصة لتعزيز النمو الاقتصادي لا سيما إذا ما تواصلت الإصلاحات الداعمة للإنتاج المحلي وتقليص التبعية للأسواق الخارجية.

font change