أثار نشر الرئيس الأميركي دونالد ترمب لما وصفه بـ"الأسطول الضخم والجميل" قرب السواحل الإيرانية احتمال لجوء البيت الأبيض إلى جولة جديدة من الضربات العسكرية ضد نظام الملالي. غير أن المضي في هذا التهديد لا يضمن بالضرورة نتائج تعود بالنفع على الإيرانيين العاديين.
لقد بدا واضحا، منذ اندلاع الموجة الأخيرة من الاحتجاجات المناهضة للحكومة في أواخر ديسمبر/كانون الأول، أن ترمب يدرس خيار استئناف المواجهة مع إيران. فقد بدأت المظاهرات احتجاجا على التدهور الحاد في الاقتصاد الإيراني، نتيجة الانهيار الكبير في قيمة الريال، لكنها سرعان ما تحولت إلى دعوات صريحة لإسقاط النظام.
ومع اتساع رقعة العنف في أنحاء البلاد وورود تقارير عن مقتل مئات المحتجين على يد قوات الأمن، أعلن ترمب أن "المساعدة في الطريق"، داعيا المتظاهرين إلى مواصلة تحركهم ضد السلطة. ولكنه تراجع لاحقا عن تهديده بالتدخل العسكري بعد تلقيه، كما يبدو، تطمينات من مسؤولين إيرانيين لم تُكشف هوياتهم بأن عمليات القتل ستتوقف.
وفي الوقت الذي تستمر فيه القبضة الحديدية للنظام، مع ورود تقارير عن مقتل آلاف إضافيين، انشغلت إدارة ترمب بحشد أسطول قوي من القطع البحرية، إلى جانب منظومات عسكرية أخرى، بينها دفاعات جوية متطورة.
وفيما استحوذت مجموعة حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" العملاقة على معظم الاهتمام، زاد نشر معدات عسكرية أخرى، مثل مقاتلات "إف-15" التي استُخدمت في هجوم يونيو/حزيران الماضي على مواقع نووية إيرانية، من المخاوف بشأن استعداد ترمب لحملة عسكرية جديدة ضد الملالي.
وأوضح ترمب، في أحد أحدث منشوراته على منصة "تروث سوشيال"، أنه مستعد لشن عمل عسكري ضد طهران إذا لم تستجب لمطلبه بتفكيك برنامجها النووي بالكامل، وهو مطلب لا يُرجح أن يقبله قادة الجمهورية الإسلامية.
وبنبرة تحذيرية، صرح الرئيس الأميركي بأن "أسطولا ضخما يتجه إلى إيران بسرعة وعنف"، مؤكدا أن "الوقت ينفد" بينما يواصل الضغط على طهران لـ"الجلوس إلى الطاولة". وأوضح في منشوره أن "أسطولا ضخما في طريقه إلى إيران. يتحرك بسرعة، وبقوة وحماسة وهدف واضح. وهو أكبر من ذاك الذي أرسلناه إلى فنزويلا، وتقوده حاملة الطائرات العظيمة "أبراهام لينكولن". وكما حدث في فنزويلا، فهو جاهز وراغب وقادر على تنفيذ مهمته بسرعة وعنف إذا لزم الأمر. نأمل أن تبادر إيران سريعا إلى الجلوس للتفاوض على اتفاق عادل ومنصف، من دون أسلحة نووية، اتفاق يخدم مصلحة جميع الأطراف".
في المقابل، صرح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأن مفاوضات حديثة لم تُجرَ مع المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف. كما حذر من أن القوات المسلحة الإيرانية جاهزة لـ"رد فوري وقوي" على أي هجوم قد تشنه الولايات المتحدة، وذلك بعد ساعات من إعادة ترمب التلويح باستخدام القوة العسكرية ضد إيران.
ومع هذا الحشد العسكري الأميركي الضخم في منطقة الخليج، حيث يُقال إن نحو خمسين ألف جندي أميركي باتوا متمركزين هناك، تتزايد المخاوف من أن يؤدي تصاعد التوتر إلى حرب شاملة، بما تحمله من تداعيات خطيرة على أمن المنطقة.
على الرغم من تأكيد ترمب أن أولويته الأساسية هي إنهاء البرنامج النووي الإيراني، فليس هناك ما يضمن أن تؤدي أي عملية عسكرية أميركية جديدة إلى تخفيف معاناة الشعب الإيراني
وعلى الرغم من تأكيد ترمب أن أولويته الأساسية هي إنهاء البرنامج النووي الإيراني، فليس هناك ما يضمن أن تؤدي أي عملية عسكرية أميركية جديدة إلى تخفيف معاناة الشعب الإيراني. فإذا أسفرت الضربات الأميركية، على سبيل المثال، عن إسقاط حكم الملالي، يبقى من غير الواضح شكل النظام الذي قد يخلف "الجمهورية الإسلامية" التي نشأت عقب ثورة عام 1979.
ومن بين السيناريوهات المتداولة في واشنطن أن يتولى رضا بهلوي، نجل الشاه الراحل والمقيم حاليا في المنفى في العاصمة الأميركية، دور القيادة المؤقتة ريثما تتكيف البلاد مع مرحلة ما بعد الملالي. غير أن بهلوي، رغم تمتعه بدعم قوي داخل إدارة ترمب، يثير جدلا بشأن مدى تمتعه بقاعدة شعبية داخل إيران، على الرغم من أن اسمه تردد في هتافات بعض المحتجين المطالبين بإسقاط النظام.
وسيضع صناع القرار الأميركيون نصب أعينهم تجنب المسار الذي قاد العراق وليبيا إلى الفوضى والعنف الطائفي بعد إسقاط نظاميهما الاستبداديين. فقد انتهى البلدان إلى صراعات أهلية مريرة عقب إسقاط صدام حسين ومعمر القذافي، وهو سيناريو تسعى إدارة ترمب إلى تفاديه في إيران.
ولكنّ هنالك سؤالا آخر يتعيّن على المسؤولين الأميركيين أخذه بعين الاعتبار عند أي مواجهة محتملة مع النظام الإيراني، وهو ما إذا كانت هذه المواجهة ستخدم المحتجين المطالبين بالتغيير في طهران، أم ستدفع الإيرانيين إلى الاصطفاف دفاعا عن بلدهم في وجه تدخل خارجي.
وللإيرانيين تاريخ طويل في مقاومة التدخل الأجنبي في شؤونهم الداخلية، ولا تزال ذكرى الدور الخبيث الذي لعبته الاستخبارات الأميركية والبريطانية في تدبير انقلاب عام 1953 الذي أطاح برئيس الوزراء المنتخب ديمقراطيا، محمد مصدق، ماثلة في ذاكرتهم.
ولذلك فإن أي محاولة جديدة من الولايات المتحدة لفرض تغيير النظام في طهران بالقوة العسكرية قد تأتي بنتائج عكسية، وهو درس يجدر بإدارة ترمب أن تتأمله مليا قبل الإقدام على مواجهة عسكرية جديدة مع إيران.