ما زال الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدرس خيارات الهجوم على إيران، رغم وصول أساطيله إلى مياه المنطقة. وتتنوع الخيارات بين تصفية المرشد علي خامنئي، واستهداف المنشآت النفطية والنووية والترسانة الصاروخية والقواعد العسكرية، في سبيل إسقاط النظام وفرض التغيير السياسي، فيما يشكك خبراء في نجاح الضربات الجوية في تحقيق أهدافها الاستراتيجية والسياسية، إن لم تكن مدعومة بتدخل برّي- وهذا أمر لم يطرحه ترمب حتى الآن- أو على الأقل إن لم تكن هناك قوة سياسية عسكرية داخل إيران تملك مشروعية شعبية وجاهزة للانتقال السلس.
من جهتها، فإن المعارضة الإيرانية في الداخل والخارج منقسمة تجاه خطوة ترمب، قسم منها يدعوه إلى الإسراع في مساعدة الشعب الإيراني كما وعد، وقسم يشكك في عواطفه ويرى أن الهجوم لن يكون حبا في الشعب الإيراني، وليس من أجل الديمقراطية ولا العدالة، بل يرتبط بالمسألة النووية وأمن إسرائيل وهيمنة أميركا على المنطقة. فيما يعتقد آخرون أن الغارات الجوية لا يمكن أن تسقط النظام، لكنّ ضربات مدمرة قد تهيئ الأرضية لذلك، وقد تشجّع تنظيمات معارضة على تنفيذ خطوات عملية على الأرض، وتؤمّن لها الغطاء للاستيلاء على مؤسسات حكومية وخلق واقع جديد في إيران.
من خلال ثلاث تجارب في المنطقة على الأقل (العراق، ليبيا، أفغانستان) يمكن القول إن التدخل الخارجي جوا وبرا، في حال أدى إلى إسقاط النظام، لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار أو تحقيق العدالة أو الانتقال إلى حكم ديمقراطي، رغم أن هذه التجارب أظهرت أن الأنظمة القمعية لا تسقط من دون شكل من أشكال التدخل الخارجي. فالتدخل العسكري في ليبيا أدى إلى سقوط نظام القذافي وسقوط ليبيا معه، أما في العراق فتجربة التدخل الأميركي، أسفرت عن شبه استقرار وشبه استقلال وشبه ديمقراطية وكثير من الفوضى، فيما ترك الانسحاب الأميركي- وهو تدخل عكسي- أفغانستان تحت رحمة حكم طالبان.
في حالة إيران، قد ينفع استنساخ سيناريو التجربة السورية، حيث ظل نظام الأسد قائما إلى أن سقط من الداخل، حتى لو أن الداخل تحرك مدعوما من الخارج، وأتى بعدما نضجت إرادة التغيير داخليا وخارجيا، وبعد إنهاك دام 13 عاما من الحرب الأهلية، لكن حتى الآن لا يوجد فصيل أو جهة في إيران تملك خارطة طريق لقيادة المرحلة، فالمعارضة أو المعارضات، ليست على رأي واحد، كما بات معروفا.
"الحرس الثوري" مستعد- من أجل الحفاظ على امتيازاته ومكتسباته- للتفاوض مع الأميركي وتقديم الكثير من التنازلات المبدئية، وقد يدفعه الحرص على الثروة أكثر من الثورة، إلى التعامل بمرونة مع شروط ترمب
ربما هذا الواقع هو ما دفع دولا عدة، إلى تشكيل ما يشبه محور إقليمي، غايته العمل على تهدئة ترمب، وهو في هذا الوقت يضغط باتجاه إيجاد حلول أقل كلفة من الحل العسكري. ذلك أن سقوط النظام الإيراني قد يتسبب بنشوء بؤرة جديدة من الفوضى في المنطقة، لا سيما وأن إيران تعيش على فوهة بركان من النزعات الانفصالية، وقد تتجاوز فوضاها الداخلية حدودها الجغرافية والعرقية والقومية لتغزو البلدان المجاورة، مثل تركيا وباكستان وأفغانستان والعراق ودول الخليج العربي وغيرها، وقد تتوسع لتُغرق أوروبا في موجة لاجئين جديدة، وقد ينتج عنها تعطيل حركة السفن في مضيق هرمز، ويصبح على دول الإقليم والمجتمع الدولي التعاطي مع أكثر من جهة، بدل نظام واحد.
في المقابل، فإن الحكم الإيراني الضعيف اقتصاديا، الذي أصبح وحيدا في الميدان بعد استئصال أجنحته العسكرية في المنطقة العربية، ما زال يملك ديناميات القوة في الداخل، فالاحتجاجات والتهديدات تربكه إنما لا يمكن أن تسقطه، وفي حال حصل الهجوم الجوي الأميركي فلن يؤدي ذلك بالضرورة إلى انهياره ولا حتى تغيير بنيته، بل قد تكون العملية في أحد أوجهها إنقاذا له، حيث سيسمح الوضع الجديد لتنظيم "الحرس الثوري" بالسيطرة العلنية على السلطة.
وتنظيم "الحرس الثوري" هو عبارة عن قوة أمنية واقتصادية، تملك في الوقت ذاته قنوات دبلوماسية وشبكة علاقات خارجية مع دول مؤثرة، وهو فعليا يمثل الدولة العميقة، ويشكل حجر الأساس في هيكل النظام، وهو مستعد- من أجل الحفاظ على امتيازاته ومكتسباته- للتفاوض مع الأميركي وتقديم الكثير من التنازلات المبدئية، وقد يدفعه الحرص على الثروة أكثر من الثورة، إلى التعامل بمرونة مع شروط ترمب... هذا لا ينفي وجود تيار داخل "الحرس" راديكالي ديني متشدد يؤمن بولاية الفقيه والعداء المطلق لأميركا، لكن كله في النهاية يصب في قاموس النفوذ والسلطة والمال.
التهديدات العسكرية الأميركية متواصلة، لكن الرسائل الدبلوماسية لا تنقطع، ومن المتوقع أن تقر إيران، التي تتقن فن البقاء، باتفاق مع الولايات المتحدة، بحلة جديدة تستر ضعف الحكم فيها وتلائم مقاييس ترمب.