في الكتابة الشعرية، يكفي أن يجد الشاعر نفسه في جو من الرغبة في التعبير، أو لنقل في حالة من التهيؤ للكتابة، ثم يسلم أمره للغة، حتى تأتيه التعابير والصيغ على نحو تلقائي، تنبثق منه الأفكار والمعاني، وبعد ذلك تأخذ حدود الموضوع بالتجلي.
ما نرمي إليه، هو أن الشاعر في أثناء الكتابة لا ينطلق من أفكار جاهزة، ثم يتخذ من اللغة وسيلة للتعبير عنها. الأفكار ليست سابقة للتعابير، وإنما تنتج عنها. واللغة ليست وسيلة أو آلة، وإنما هي فضاء للتنفس والتفكير. بكلمة أخرى، الشاعر لا يفكر بواسطة اللغة، وإنما اللغة هي التي تفكر من خلال الشاعر. ومهما حاولنا التفريق بين الأفكار والمعاني، فإننا سوف نصطدم بصعوبات كبيرة في هذا السبيل. فما يظنه الشاعر موجودا في ذهنه قبل المباشرة بالتعبير أو الكتابة، ليس سوى تهيؤات أو أصول غامضة. وإذا أطلقنا عليها اسم "الأفكار" أو "المعاني"، فإننا لا نملك معرفة بها إلا بعد صياغتها، أي تحويلها إلى عبارات. وهي لا تبقى نفسها في عملية الصياغة أو التحويل، وإنما هي عرضة للتغير خلال مراحل البحث عن الصيغة اللغوية الملائمة. كذلك هي عرضة للتغير لدى أدنى تغيير في عنصر من عناصر تلك الصيغة أو في تركيبها النحوي. وهذا أمر قاله وشرحه وفصله تفصيلا الناقد وعالم البلاغة العربي عبد القاهر الجرجاني، صاحب كتابي "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة".
إذن، ما يتهيأ أولا في الذهن ليس تماما ما يعبّر عنه. وإذا كان الانتقال من الأول إلى الثاني هو "التفكير" أو إعمال الفكر، فإن ذلك ما تقوم به اللغة، التي تتشكل عباراتها شيئا فشيئا في اتصال وثيق بالحالة الانفعالية التي يكون عليها الشاعر. هذا الانقياد إلى اللغة من قبَل الشاعر هو الذي يمنحه اللذة أو المتعة، وهو الذي يمنح عملية التأليف الشعري عفويتها أو تلقائيتها، ويبعدها، بهذه النسبة أو تلك، عن التكلف أو التصنع أو ما شابه ذلك.
اللغة في الأدب بعامة، وفي الشعر بخاصة، هي مصدر الأفكار. وليست مجرد تعابير تلتحق بالأفكار، أو تنتج عنها، أو تكون وسيلة لتبيانها. وقد أظهرت النظريات الغربية الحديثة في الأدب والنقد جهدا واضحا لشرح هذه المقولة. ومن أبرز من تصدى لذلك الشاعر والناقد الفرنسي بول فاليري، الذي تحدث عن تجربته في كتابة الشعر، فقال إن القصيدة لديه لا تبدأ
بالأفكار، وإنما تبدأ أحيانا من جملة إيقاعية، أو من تركيب لغوي، موحيا بأن الشكل هو الذي يؤدي إلى المضمون، وليس العكس كما يظن الكثيرون.
هذا الانقياد إلى اللغة من قبَل الشاعر هو الذي يمنحه اللذة أو المتعة، وهو الذي يمنح عملية التأليف الشعري عفويتها
وبول فاليري هو الذي يصف اللغة بالذات المفكرة، معبرا عن قناعته بأن النص الأدبي، والشعري بخاصة، هو كيان لغوي قبل أي شيء آخر. هو كيان ينبثق من اللغة ويتشكل بها. ولكن اللغة في هذا الكيان ليست مجموعة مفردات محايدة، كتلك التي نجدها في القواميس، وإنما هي مفردات وتراكيب مضمخة بتجارب الشاعر، بعواطفه ورؤاه وانفعالاته ومواقفه وتصوراته. ولكل شاعر روابط خاصة أو صداقات حيال هذه الكلمات أو تلك.
ما أوردناه في هذه المقالة يمكن تعميمه على مجالات الأدب كافة، وإن كان ينطبق أكثر ما ينطبق على الشعر. وما يميز الشعر عن الرواية مثلا، أو عن القصة القصيرة، في هذا الشأن، أن الشعر لا يحتاج إلى خطة أو تصميم، كما قد يحدث أحيانا مع غيره من فنون الأدب. لهذا السبب، نستطيع القول إن ما سقناه حول اللغة ينطبق بالدرجة الأولى على اللغة الشعرية.
يحدث أحيانا للشاعر أن يستعصي عليه التعبير، فيقول إن لديه أفكارا ولكن تنقصه العبارات. هكذا يقول أو يظن. والأحرى أن يقول إنه يتهيأ للكتابة، يشعر بدوافعها، ولكنه لا يدري أية أفكار أو معان سوف تؤول إليها العبارات عندما تجيئه.
ولكن، لكي يكون ممكنا أن تفكر اللغة من خلال الشاعر، على هذا الأخير أن يكون قد تهيأ للأمر على نحو كاف. وذلك بتحصيله من الثقافة ومن التمكن اللغوي ما يجعله قادرا على إقامة التوازن بين تجاربه الانفعالية وإمكاناته التعبيرية. ومن المهم جدا أن يتحقق هذا التوازن على نحو تلقائي، بل آلي، فلا يترك في الكتابة أثرا للتعمد أو الافتعال.
وإذا كان الوزن مكونا من مكونات اللغة الشعرية، فمن شأنه أن يكون عنصرا من العناصر الأساسية في عملية التفكير. فالشعر الموزون ليس نثرا أضيف إليه الوزن، وإنما هو كلام ذو طبيعة مختلفة عن طبيعة الكلام المنثور. وقد تنبه إلى ذلك بعض النقاد والبلاغيين العرب القدامى، وأوضحه لاحقا منظرون وشعراء غربيون، منهم بول فاليري الذي مرّ ذكره.
ليكون ممكنا أن تفكر اللغة من خلال الشاعر، على هذا الأخير أن يكون قد تهيأ للأمر على نحو كاف، وذلك بتحصيله من الثقافة ومن التمكن اللغوي ما يجعله قادرا على إقامة التوازن
الوزن، لدى الشاعر المتمرس الذي يحسن استعماله، له تأثيره العميق في إنتاج الأفكار وتسديدها. ومن الخفة أو الاستسهال القول إن الوزن هو قيد للشعر أو للغة الشعرية الموزونة. الوزن هو عامل فعال في إنتاج طريقة لدى الشاعر الذي يأخذ به. وغيابه عن الكتابة الشعرية هو أيضا عامل فعال في إنتاج طريقة لدى الشاعر الذي لا يأخذ به.
اللغة الشعرية تفكر بكل مكوناتها: الكلمات، والعلاقات النحوية، والوزن، والصور وغير ذلك. وإذا غاب واحد من مكوناتها، تتغير فيها عملية التفكير. من هنا نستطيع القول إن الكتابة الشعرية الموزونة لها طبيعة تختلف عن طبيعة الكتابة الشعرية النثرية. والوزن في الأولى ليس عنصرا إضافيا أو مضافا.