عودة إلى قيمة الحياة... أو الاستغناء عنها

هذه الارقام تستدعي نظرا لإضاءتها على موقع الإنسان في السياسات الكبرى للقرن الحادي والعشرين

عودة إلى قيمة الحياة... أو الاستغناء عنها

استمع إلى المقال دقيقة

أقر مسؤول عسكري إسرائيلي بأن عدد الضحايا الفلسطينيين في غزة يبلغ 70 ألف إنسان وأن الأرقام التي قدمتها وزارة الصحة في القطاع "صحيحة عموما". المرشد الإيراني علي خامنئي أعلن من جهته أن قتلى قمع الاحتجاجات التي شهدتها بلاده في يناير/كانون الثاني الماضي "بالآلاف"، بينهم "من قُتل بطريقة بالغة الوحشية". أما التقديرات لأرقام من سقطوا في الحرب الروسية-الأوكرانية التي تقترب من نهاية عامها الرابع، فتتحدث عما يتراوح بين مليون ونصف ومليونين بين قتيل وجريح.

وزارة الصحة في غزة أشارت إلى أن عدد الضحايا هو 71600 ضحية يضاف إليهم نحو عشرة آلاف قتيل دُفنوا تحت أنقاض المباني التي دمرها القصف الإسرائيلي. المسؤول الإسرائيلي الذي أدلى بإفادته أمام الصحافيين ناقض بوضوح الدعاية الإسرائيلية عن أن الفلسطينيين يبالغون في أرقام خسائرهم البشرية لغايات سياسية.

من جهتها، تقول منظمات حقوقية إيرانية ودولية إن التعتيم الإعلامي وقطع الاتصالات عبر شبكة الإنترنت بين إيران والعالم الخارجي أثناء احتجاجات الشهر الماضي، يجعل من الصعب تحديد رقم الضحايا الذي يعتقد أنه يتراوح بين خمسة آلاف وثلاثين ألف قتيل، بعدما ثبت فتح قوات الأمن نيران الأسلحة الرشاشة على المتظاهرين الذين استهدفتهم أيضا مجموعات من القناصة تمركزوا على سطوح المباني المرتفعة.

في الحرب الروسية-الأوكرانية، يتركز القسم الأكبر من الضحايا في صفوف العسكريين، حيث تدور المعارك في مناطق بعيدة نسبيا عن تلك الكثيفة سكانيا، ما خلا الغارات والهجمات الصاروخية التي تستهدف المراكز المدنية.

هذه الأرقام تستدعي نظرا أعمق ليس لضخامتها واندراجها في التداول الإعلامي اليومي من دون أن تثير اهتماما يذكر فحسب، بل أيضا لإضاءتها على موقع الإنسان في السياسات الكبرى للقرن الحادي والعشرين. الإنسان الفرد العادي الذي قد لا تكون له صلة مباشرة بمجريات الصراعات التي دفع حياته ثمنا لها.

فمنذ عصر التنوير وانتصار الحداثة الأوروبية واعتبارها الحياة البشرية قيمة عليا يتوجب الحفاظ عليها ومنع إهدارها من دون طائل وانتقال حياة الإنسان من موضع حرص أخلاقي مؤطر بالتعاليم الدينية، إلى اندراجها في سياق الحماية القانونية الدولية، صار عدد القتلى الذين يسقطون في الحروب- وهي صنيعة البشر ويتحملون مسؤوليتها- مؤشرا على التزام الأطراف المتحاربة بالقيم الإنسانية وعلامة على صواب المشروع السياسي والأيديولوجي الذي تخاض الحرب في ظله وعلى تقدم أو تخلف الدول والمجتمعات التي تندفع إلى الحرب لتسوية نزاعاتها.

الأهم اليوم هو الارتباط الذي لا يزال بعيدا عن الأضواء بين انحدار قيمة الحياة البشرية على ما تعلنه أرقام ضحايا الحروب والقمع والعنف السياسي، وبين التغيرات النوعية في طبيعة الاجتماع البشري 

لقد نظر الغرب إلى حروب العالم الثالث وإلى المجازر التي وقعت فيه، مثل رواندا وحروب منطقة البحيرات وجمهورية الكونغو الديمقراطية، بقدر من اللامبالاة، واعتبرها دليلا على تخلف تلك المناطق. كذلك فعل حيال الحروب في الشرق الأوسط التي قيل إنها "بين قبائل تقاتل بعضها منذ ألف عام وستظل كذلك لألف عام آخر". من ناحية ثانية، جرى تفسير فظائع كمبوديا والغولاغ السوفياتي والمجاعات الصينية التي أسفرت عنها سياسات ماو تسي تونغ، بمزيج من الاستعلاء على الوحشية الآسيوية والاستغلال الأيديولوجي ضد الشيوعية. 
لذلك، تحتل الهولوكوست تلك المكانة الفريدة في الوعي الغربي باعتبارها جريمة أنتجها العصر الصناعي وتقف على تضاد مع كل ادعاءات الدولة الحديثة التي قيل إن النازية الألمانية شكلت ارتدادا عليها. 
غني عن البيان أن قيمة الحياة البشرية موضوع جدال قديم يتعلق بجواز التضحية بها في سبيل أهداف سامية كالأمة والدين والوطن و"الحتمية التاريخية" وغير ذلك مما ترخص دونه التضحيات. 
الأهم اليوم هو الارتباط الذي لا يزال بعيدا عن الأضواء بين انحدار قيمة الحياة البشرية على ما تعلنه أرقام ضحايا الحروب والقمع والعنف السياسي، وبين التغيرات النوعية في طبيعة الاجتماع البشري وصعود قيم جديدة كالربح السريع والتوحش في سبيل الثراء كيفما اتفق والاستعداد لاستعباد الملايين من أجل تحقيق المكاسب المادية المباشرة. 
التغييرات تلك، تنعكس على سياسات الدول وتندمج في منظومة القيم التي يجري الترويج لها كـ"النجاح" و"الصفقة" و"المردودية" من دون الالتفات إلى أن الثمن هو تجويف المجتمعات البشرية من عناصر لحمتها التي حمتها طوال قرون. ولا ريب في أن استسهال قتل البشر "الزائدين عن الحاجة" يتشارك في الكثير من الصفات مع طرد آلاف الموظفين والعمال من وظائفهم والاستغناء عن "العنصر البشري" في قطاعات اقتصادية متزايدة الاتساع. فكلاهما من سمات العصر الجديد. 
 

font change