الذكاء الاصطناعي وحدود الحكم

الذكاء الاصطناعي وحدود الحكم

استمع إلى المقال دقيقة

في فيلم الخيال العلمي الأميركي الجديد "الرحمة" (Mercy) الذي يستكشف ما سيحدث في المستقبل القريب، لا يقدم الذكاء الاصطناعي بوصفه قاضيا فحسب، بل بوصفه عدالة مكتملة الشروط، تحقق وتحاكم وتحكم في آن واحد. هنا الذكاء الاصطناعي لا ينتظر الادعاء ولا الشرطة، بل يبدأ التحقيق فورا فيمسح الكاميرات وسجلات الهاتف والبيانات الحيوية وأنماط الحركة والسلوك والمعرفات الخفية على منصات التواصل وكل فعل فعله الإنسان ونسيه في العالم الافتراضي، ويعيد تركيب حياة المتهم كاملة في دقائق. لا يتعامل مع الأدلة بوصفها وقائع منفصلة، بل يربطها في شبكة واحدة من الأنماط الزمنية والنفسية والرقمية، في صورة يعجز القاضي البشري عن إنجازها في زمن محدود.

في هذه المحكمة لا وزن لشهادة الشهود ولا قيمة للبلاغة ولا اعتبار للانطباع. الحقيقة لا تقال، بل تستخرج. الكلام يصبح ضجيجا زائدا، والبيانات وحدها هي ما يعتمد عليه. لا يحاكم الفعل بوصفه حادثة معزولة، بل يحاكم الشخص نفسه من خلال تاريخه وسلوكه المتكرر وردود فعله المحتملة. كأن المحكمة لا تحاكم ما حدث، بل ما يمكن أن يحدث، لا الواقعة بل الاحتمال.

يقدم هذا كله في الفيلم بوصفه إنجازا تقنيا مذهلا، خصوصا حين نعلم أن العدالة تنجز في تسعين دقيقة فقط، من الاتهام إلى الحكم وتنفيذ العقوبة. هذه السرعة تعرض ككفاءة قصوى، لكنها في الوقت نفسه مصدر القلق الأكبر. الفيلم لا يقول إن الذكاء الاصطناعي فشل، بل على العكس، يقول إنه نجح إلى حد مخيف. المشكلة ليست في نقص قدرته، بل في اكتمالها.

وهنا ينفتح السؤال الأعمق. ما الذي تعجز عنه هذه المحكمة، رغم دقتها وشمولها؟ الجواب الذي يلمح إليه الفيلم ليس عاطفيا ساذجا، بل معرفي في جوهره. ما يغيب ليس الشفقة، بل الرحمة بوصفها شكلا من أشكال الفهم. الرحمة هنا ليست تهاونا، بل إدراك أن العدالة لا تختزل إلى حساب، وأن الإنسان لا يفهم بالكامل من خلال بياناته، مهما بلغت كثافتها.

الرحمة هنا ليست تهاونا، بل إدراك أن العدالة لا تختزل إلى حساب، وأن الإنسان لا يفهم بالكامل من خلال بياناته

هذا ما يجعل "الرحمة" أكثر من فيلم عن مستقبل القضاء في إمبراطورية الذكاء الاصطناعي. إنه تشريح لفكرة رائجة اليوم، تقول إن الذكاء ليس سوى معالجة معلومات، وأن العقل الإنساني نفسه لا يزيد على كونه جهاز كمبيوتر. وفق هذا التصور، لا يوجد مانع مبدئي من أن تحل الخوارزميات محل القضاة، ما دامت أدق وأسرع وأقل تحيزا.

غير أن ما تكشفه المحكمة الذكية في الفيلم هو أن هذا التصور نفسه قاصر. فالذكاء الاصطناعي، رغم تطوره الهائل، لا يفهم ما يفعل. هو يتعلم من تراكم خبرة بشرية ضخمة، لكنه لا يملك خبرة خاصة به. ينتج أحكاما مقنعة، لكنه لا يعرف لماذا هي مقنعة. يصيب كثيرا، لكنه لا يشك في إصابته، ولا يعيد النظر في معاييره من داخل تجربة يعيشها. الحق هو ما برمج عليه فقط.

العدالة، كما تظهر هنا، ليست مسألة حساب احتمالات فقط. القاضي البشري لا يزن الأدلة فحسب، بل يعيش الموقف ويلتقط ما لا يقال، ويشعر بثقل القرار لأنه يدرك أنه قرار يخص حياة إنسان وليس نموذجا إحصائيا. هذه القدرة على الفهم السياقي ليست خللا في العدالة، بل شرط لها.

المحكمة الذكية في هذا الفيلم تعمل داخل سياق مغلق، مهما بدا واسعا. كل ما تعرفه هو ما يمكن تحويله إلى بيانات. لكنها تتعثر أمام ما لا يختزل، أمام الخبرة المتراكمة، والحس العملي، وتغير المعنى مع تغير الحياة نفسها. الإنسان لا يعالج العالم بوصفه مجموعة معطيات تنتظر المعالجة، بل يعيش وسط شبكة من المعاني الحاضرة قبل أي تحليل. يفهم نبرة صوت دون الرجوع إلى قواعد، ويدرك خطورة موقف دون حساب واع، ويتصرف أحيانا بدافع حكمة لا يمكن ترميزها.

الأخطر من ذلك أن الذكاء الإنساني لا يقتصر على حل المشكلات، بل يمتد إلى إعادة تعريفها. الإنسان حين يعجز لا يكرر المحاولة بالطريقة ذاتها، بل يسأل من جديد إن كان السؤال نفسه صحيحا. قد يغير غايته، أو يعيد النظر في قيمه، أو يكتشف أن ما ظنه مشكلة لم يكن كذلك أصلا. هذه القدرة على مراجعة المعنى لا على تحسين الأداء فقط هي ما لا تستطيع المحكمة الذكية محاكاته، وهو مما يجلي عظمة الإنسان رغم كل ضعفه والخلل والقصور في كل أدواته المعرفية.

الآلات أدوات مذهلة، وقد تكون أكثر كفاءة منا في مجالات كثيرة، لكنها ليست بديلا عن الفهم الإنساني

من هنا لا يكون قصور الذكاء الاصطناعي مسألة تقنية مؤقتة، بل مسألة فلسفية أعمق. الخلل لا يكمن في ضعف الخوارزميات، بل في الفرضية التي تنطلق منها، وهي أن الذكاء يمكن فصله عن الحياة وعن الجسد وعن التاريخ الشخصي وعن الانخراط في العالم. ما دام الذكاء يفهم بوصفه عملية حسابية معزولة، فستبقى العدالة التي ينتجها ناقصة مهما بلغت دقتها.

الفيلم لا يدعونا إلى رفض الذكاء الاصطناعي، ولا إلى الخوف الرومانسي من التقنية، بل إلى وضعها في حجمها الحقيقي. الآلات أدوات مذهلة، وقد تكون أكثر كفاءة منا في مجالات كثيرة، لكنها ليست بديلا عن الفهم الإنساني. الفرق هنا ليس فرق درجة، بل فرق طبيعة. هناك ذكاء يعمل، وذكاء يحيا، وبينهما مسافة لا تردمها السرعة ولا كثافة البيانات.

font change