تمثل ملايين الوثائق الأخيرة المفرج عنها في خصوص فضيحة جيفري إبستين، وهي إحدى أكثر القضايا إثارة للصدمة في السنوات الأخيرة، حلقة جديدة في مسلسل الكشف عن فظاعة الجرائم المرتكبة في عالم النخب المظلم، وعن شبكات معقدة من السلطة والمال والنفوذ، وفرت الحماية والاستمرار لانتهاكات جنسية في حق قاصرات لسنوات طويلة. فقد أظهرت القضية كيف يمكن الثروة والعلاقات السياسية والاجتماعية أن تفرغ المؤسسات القضائية والأخلاقية من مضمونها، وتحول العدالة إلى مفهوم انتقائي يطبق على الضعفاء ويعلق حين يرتبط الأمر بأصحاب الامتيازات.
أثارت هذه الفضيحة، على امتداد فصولها، نقاشا عالميا واسعا حول حدود المساءلة، ودور الإعلام، ومسؤولية الدولة في حماية الضحايا، كما أعادت طرح أسئلة جوهرية عن طبيعة السلطة الحديثة وعلاقتها بالجسد والاستغلال والصمت المؤسسي. ولم تتوقف تداعيات القضية عند حدود المحاكم، بل امتدت إلى المجال الثقافي والفكري، حيث سعى كتاب وصحافيون ومخرجون إلى تفكيك هذا العالم المغلق، كل من زاويته، بين التحقيق الاستقصائي، والشهادة الإنسانية، والمعالجة الرمزية لعلاقات الهيمنة والنفوذ، محاولين سد الثغرات التي تركتها الروايات الرسمية، وتقديم سرديات موازية تسلط الضوء على آليات التواطؤ والحماية، وعلى أصوات الضحايا التي جرى تهميشها طويلا.
في هذا المقال، نعرض أبرز هذه الأعمال، ونعرّف بمضامينها العامة ومقارباتها المختلفة، من أجل رسم صورة شاملة للمشهد الثقافي والإعلامي الذي تشكل حول هذه الفضيحة.
"انحراف العدالة"
يعد كتاب "انحراف العدالة" (Perversion of Justice) المنشور في 2021 من أبرز الأعمال الاستقصائية حول قضية إبستين، إذ يتجاوز مجرد سرد الأحداث القانونية ليكشف عن الديناميكيات النفسية والاجتماعية المعقدة التي سمحت له بالإفلات من العدالة. تعتمد الكاتبة جولي ك. براون على وثائق التحقيقات، المراسلات القضائية، وسجلات المحاكم، لتقديم صورة دقيقة للقصور المنهجي في النظام القضائي الأميركي، الذي سمح لإبستين بالتهرب من المسؤولية رغم الأدلة الواضحة.














