في الذكرى 15 لرحيلها... أندريه شديد التي لا يزال شعرها يحتفي بالحياة

كتبت للآخر كأنها تنظر في عينيه

أندريه شديد

في الذكرى 15 لرحيلها... أندريه شديد التي لا يزال شعرها يحتفي بالحياة

على ضريح أندريه شديد في مونبارناس في العاصمة الفرنسية باريس، نقشت عبارة للشاعر كريتيان دو ترويس تختصر جوهر رحلة كاملة من الإبداع: "الجسد يرحل، القلب يقيم".

في الذكرى الخامسة عشرة لرحيلها، تبدو هذه الكلمات نبوءة عن امرأة تركت أثرا عميقا في الثقافة الفرنكوفونية، وظلت تغني الإنسان والحياة بلا كلل، حتى العام الذي سبق وفاتها عن 91 عاما، في السادس من فبراير/ شباط 2011، حين صدر آخر ديوان شعري لها وروايتها الأخيرة عام 2010.

نزوع نحو الحرية

في مقدمة ديوانها "إيقاعات" Rythmes الصادر عام 2003 عن دار "غاليمار"، يكتب الشاعر الفرنسي جان-بيار سيميون عن هذا الحب للحياة الذي يميز أعمال شديد منذ ديوانها الأول، "في أعقاب وهمي" Trails of my fancy، الصادر في القاهرة باللغة الإنكليزية عام 1943.

يفتتح سيميون تقديمه بجملة من هذا الديوان: "في الفضاء اللامتناهي، سأظل واقفة". ويعلق بأن هذه العبارة "الصريحة، القوية، المشعة بشكل ما"، تختصر الاستمرارية الاستثنائية والانسجام النادر في الرهانات والمقاصد التي تطبع مجمل أعمال شديد. فقد ظلت وفية في كتابتها، خصوصا في الشعر، لهذا الوقوف الدائم في صف قوة الوجود، ولنزعتها التي لا تهدأ نحو الحرية والحياة.

تعد من أبرز الأصوات النسائية في الأدب الفرنسي الحديث، إذ يشمل نتاجها أكثر من عشرين مجموعة شعرية، وعشر روايات، إضافة إلى مجموعات قصصية ومسرحيات وأدب للأطفال

تبدو أعمال شديد، حتى تلك المكتوبة في أواخر عمرها - بعد أكثر من 60 سنة على ذلك الديوان الأول وذاك التصريح المندفع–ذات وجه شاب، لم يمسسها الزمن ولا اليأس الذي تستجلبه التجربة. تقول في "إيقاعات" وهي في الثمانين من عمرها: "لا نهاية أبدا/ لدهشتنا".

غلاف ديوان "إيقاعات"

ولدت أندريه شديد (أندريه صعب) في القاهرة عام 1920، لأصول لبنانية وسورية. استقرت في باريس عام 1946 بعد زواجها من العالِم لويس شديد، لتختار الفرنسية لغة للكتابة، اللغة التي كانت "تسكنها ومسكونة بها"، كما قال وزير الثقافة الفرنسي فرديريك ميتران يوم رحيلها. تعد اليوم من أبرز الأصوات النسائية في الأدب الفرنسي الحديث، إذ يشمل نتاجها أكثر من عشرين مجموعة شعرية، وعشر روايات، إضافة إلى مجموعات قصصية ومسرحيات وأدب للأطفال. حازت جوائز مرموقة، مثل جائزة مالارميه وجائزتي "غونكور" للشعر والرواية، وعينت فارسة أولى في وسام جوقة الشرف عام 2009. وفي العام نفسه أنشئت جائزة للشعر المغنى تحمل اسمها، يترأسها حفيدها المغني ماثيو شديد. كما تدرس نصوصها اليوم في مناهج البكالوريا الفرنسية.

Photo by FRANCOIS NASCIMBENI / AFP
لويس شديد وابنه ماثيو ووالدته أندريه شديد خلال جلسة تصوير في مسرح ريمس قبل العرض، 10 كانون الأول 2001

الشعر أولا

برغم تعدد هويتها الأدبية، ظل الشعر هو الأقرب إليها. قارئ قصائدها يلمس حضور الشعر الحقيقي: صاف ونقي، شعر "من نسيج الكون"، كما يرد في ديوانها الأخير، حيث تحفر الكلمات خلف العناصر والمشاعر والأسئلة، في حركة متغيرة، من الخارج الى الداخل، أو من الداخل الى الخارج، إنما دوما في اتجاه واضح ومصر للتلاقي مع الوجود الكوني الواسع.

غلاف ديوان "في أعقاب وهمي"

في شعر أندريه شديد نزعة تامة ونهائية للحياة وللحركة. خلف ذلك، للإنسان نفسه، لهذا الآخر الذي تتحدث إليه باستمرار، تتحدث باسمه، تدعوه دوما للقاء ما، لاتصال، لارتفاع. كما حين تقول: "في قلب الأمل/ الآخر"، أو أيضا: "أنت/ أيا كنت/ أنا أقرب إليك بكثير/ من غريب". ليست مصادفة أن يكون الشعر ملاذها المفضل، فهذه النزعة الإنسانية هي ما يميز الشعر، كفن لا يعنيه شيء في العمق، بقدر ما يعنيه الإنسان والحياة التي تنمو من حوله حيث يكون.

هذه النزعة الإنسانية هي ما يميز الشعر، كفن لا يعنيه شيء في العمق، بقدر ما يعنيه الإنسان والحياة التي تنمو من حوله

لطالما ركز التناول النقدي لأعمال شديد، كما يحدث عادة مع الكتاب المنتمين إلى ثقافات متعددة، على العلاقة بين الشرق والغرب: بين تجربة الشرق برموزه وطقوسه، وما يقابله من التجربة الأوروبية العقلانية. وقد تعزز هذا الاتجاه النقدي على نحو خاص بعد حضور مصر في شعرها ورواياتها، وبعد أن أصبح اسمها معروفا لدى جمهور واسع إثر تحويل روايتها  "اليوم السادس"  Le Sixième Jour إلى فيلم درامي عام 1986 من إخراج يوسف شاهين وبطولة داليدا، عن جدة تكافح لإنقاذ حفيدها من وباء الكوليرا في القاهرة.

غلاف رواية "اليوم السادس"

انفتاح إنساني

هذا الامتزاج الثقافي يحضر بلا شك في شعر أندريه شديد، لكنه يبدو طبيعيا، منسجما مع جوهر الشعر وحاجته العميقة إلى الانفتاح على كل ما هو إنساني، بعيدا من كل الحدود الوطنية أو اللغوية أو الأخلاقية–الثقافية. فالشرق يعيش داخل الشاعرة، تحمل إشكالياته، تعيد إسقاطها، وتجد في الشعر المساحة اللازمة للتحرر من ثقل ذلك كله. كأن الكتابة عندها عملية تنقية لا غاية لها سوى بلوغ الجوهر الإنساني.

تقول في أحد نصوصها: "لكنني سرعان ما ولدت/ في عالم تحكمه الحدود/ سرعان ما ثبتتني نداءاتكم/ في مكان واحد".

وفي نص آخر، تتقدم اللغة والقصيدة نحو هذا التحرر الحالم: "هكذا تسير اللغة/ من أرض إلى أرض/ ومن صوت إلى صوت/ وهكذا تتقدمنا القصيدة/ أشد إصرارا من العطش/ وأكثر تحررا من الريح!".

FRANCOIS NASCIMBENI / AFP
لويس شديد مع ابنه ماثيو ووالدته الكاتبة أندريه شديد على مسرح ريمس، 10 كانون الأول 2001

في إحدى مقابلاتها المصورة، تتحدث شديد بإفاضة عن الدور الذي يلعبه الشعر في عملية التحرر، ذلك الهم الإنساني المتجذر. تقول: "الشعر وسيلة للتحرر. إنه يتحدث نيابة عن كل الذين خنقت أصواتهم عبر القرون، أو التقاليد، أو السجون بكل أشكالها. لذلك أرى أن الشعر رافعة للحرية، يسمح لنا بأن نعرف أنفسنا في أعمق ما فينا، في عرينا، في كل ما نحمله من أشياء جوهرية. نحن جميعا محاصرون بجدران وقيود وحواجز كثيرة، والشعر يحاول اختراق كل ذلك. لا أقول إنه ينجح دائما، لكن هذا هو هدفه ورغبته وقوته. بالنسبة لي، الشعر ليس شيئا منفصلا عن الحياة."

لا يوجد عنوان واحد لشعر أندريه شديد، الذي لشدة احتفائه بالحياة، يبدو اليوم بعد خمسة عشر عاما على رحيل كاتبته، حيا نابضا

الشعر والحياة والحب، أي الإنسان باحتياجاته الأساس وبما يمثله. والحركة التي هي نقيض الموت. الشرق والغرب، لكن قبلهما الكون. لا يوجد عنوان واحد لشعر أندريه شديد، الذي لشدة احتفائه بالحياة، يبدو اليوم بعد خمسة عشر عاما على رحيل كاتبته، حيا نابضا، يمد يده دوما الى هذا "الآخر"، الذي أحبته أندريه شديد، وكتبت له كأنها تنظر في عينيه. يحلو للقارئ أن يلعب دور هذا الآخر، أن يتلقى القصائد بالروح نفسها التي كتبت بها، روح تبحث عن ذاتها، في عمق كل إنسان.

font change

مقالات ذات صلة