اللجوء في مصر... عبء اقتصادي أم رافعة تنموية؟https://www.majalla.com/node/329593/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84/%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%AC%D9%88%D8%A1-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D8%B9%D8%A8%D8%A1-%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D8%A3%D9%85-%D8%B1%D8%A7%D9%81%D8%B9%D8%A9-%D8%AA%D9%86%D9%85%D9%88%D9%8A%D8%A9%D8%9F
لم تعد قضية اللاجئين في مصر شأنا إنسانيا عابرا، بل تحولت إلى ملف اقتصادي وسيادي مركزي، فرضته الأزمات الإقليمية المتلاحقة، من السودان إلى سوريا، ومن القرن الأفريقي إلى فلسطين. فمع تزايد أعداد الوافدين، وتراجع التمويل الدولي، باتت الدولة المصرية أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف تواصل أداء دورها الإنساني من دون أن ينهك ذلك مواردها المحدودة؟ وكيف يمكن تحويل وجود الملايين من غير المواطنين على أراضيها من تكلفة صامتة إلى فرصة اقتصادية منظمة؟
وفق تقديرات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يبلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين في مصر نحو مليون وخمسين ألف شخص. في المقابل، تقدر الحكومة المصرية إجمالي عدد الأجانب المقيمين داخل البلاد بنحو تسعة ملايين، بين لاجئين ومهاجرين ومقيمين بطرق مختلفة، مما يكشف فجوة واسعة بين الأرقام الرسمية والدولية. هذه الفجوة لا تعكس فقط اختلافا إحصائيا، بل تعقيدا بنيويا في إدارة الملف، وغياب قاعدة بيانات وطنية دقيقة، مما ينعكس مباشرة على تقدير الأعباء الاقتصادية الفعلية.
تتحمل الدولة المصرية مسؤولية توفير الخدمات الأساس للاجئين، وفي مقدمها الصحة والتعليم، ويستفيد هؤلاء من البرامج الصحية الوطنية، مثل حملات التطعيم والمبادرات الرئاسية، وفي مقدمها "100 مليون صحة".
تكمن أهمية إقرار قانون "لجوء الأجانب"، ليس فقط في كونه إطارا تشريعيا جديدا، بل في تحويل ادارة الملف من حالة "الاستضافة العشوائية" إلى "التنظيم المؤسسي"
كذلك يلتحق أبناء اللاجئين بالمدارس الحكومية، مما يضيف ضغطا متزايدا على الموازنات العامة المخصصة لهذه القطاعات. وتظهر تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أنه في حلول أكتوبر/تشرين الأول 2024، بلغ عدد الأطفال اللاجئين وطالبي اللجوء في سن الدراسة في مصر نحو 246 ألف طفل، قرابة نصفهم خارج المنظومة التعليمية. كما كشفت دراسة عن وصول نحو 9 آلاف طفل شهريا إلى البلاد، نصفهم تقريبا لا يرتاد التعليم.
لا تتضمن هذه الأرقام نحو 100 ألف لاجئ فلسطيني دخلوا مصر من قطاع غزة خلال 2023 من دون تسجيل لدى مفوضية اللاجئين. ووفق مصدر ديبلوماسي في القاهرة، لم تتمكن الغالبية الساحقة من هؤلاء من الحصول على إقامة قانونية أو الالتحاق بالمدارس الحكومية. كل ذلك في ظل شح الموارد وغياب تقارير رسمية دقيقة تقدر التكلفة الحقيقية.
قانون "لجوء الأجانب"
شكل إقرار قانون "لجوء الأجانب" الرقم 164 لعام 2024، منعطفا مهما في طريقة تعامل الدولة مع ملف اللجوء. يتضمن القانون 39 مادة، ويسري على اللاجئين وطالبي اللجوء، بما في ذلك من اكتسبوا صفة لاجئ (أنظر تعريف اللاجئ وطالب اللجوء وفقا للقانون في آخر النص) قبل العمل بأحكامه. وهو يضع تعريفا قانونيا واضحا للاجئ، وينشئ "اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين" التابعة لرئاسة مجلس الوزراء، بعضوية ممثلين عن وزارات عدة وجهات معنية.
عائلات فلسطنية نازحة تدخل من خلال معبر رفح بعد حرب غزة، 22 نوفمبر 2023
لا تكمن أهمية هذا القانون فقط في كونه إطارا تشريعيا جديدا، إنما في انتقاله بالملف من حالة "الاستضافة العشوائية" إلى "التنظيم المؤسسي". فهو ينقل مسؤولية تسجيل اللاجئين وإدارة أوضاعهم من مفوضية الأمم المتحدة إلى هيئة وطنية، مما يعزز سيادة الدولة على بياناتها، ويمكنها من حصر الأعداد، وتحديد الجنسيات، وأسباب اللجوء، والاحتياجات، وتقديم تقارير دورية للحكومة، تمهيدا لوضع سياسات أكثر دقة وفاعلية.
في الوقت نفسه، يمنح القانون اللاجئين حقوقا أساسية، تشمل الرعاية الصحية والتعليم والعمل، إضافة إلى الحق في تأسيس شركات أو الانضمام إليها، بما يفتح الباب أمام إدماجهم في الاقتصاد الرسمي. وتعتبر عضوة البرلمان المصري، سميرة الجزار، في حديث إلى "المجلة" أن قانون "لجوء الأجانب" "يمثل تحولا استراتيجيا، لأنه يعزز سيادة الدولة على بيانات اللاجئين، وينظم تدفق المساعدات الدولية، إذ يمكن توجيهها مباشرة إلى الموازنة العامة، بدلا من مرورها حصريا عبر المنظمات الدولية، خصوصا في ظل تقليص دعم المفوضية".
قانون لجوء الأجانب الجديد يمثل تحولا استراتيجيا على صعيد السيادة والبيانات
سميرة الجزار، عضوة البرلمان المصري
ويشير المحامي أشرف ميلاد، خبير المفوضية الأفريقية لحقوق الإنسان، في حديث إلى "المجلة" إلى أن اللائحة التنفيذية لقانون اللجوء، لم تصدر بعد، و"أن صوغها يمثل تحديا حقيقيا، خصوصا في ظل غياب نقاش واسع مع الخبراء، والحاجة إلى مواءمتها مع الرأي العام الدولي لجذب مزيد من الدعم والمنح". ويؤكد "أن الانتقال الكامل من إدارة المفوضية إلى الدولة يحتاج إلى فترة لا تقل عن سنتين إلى ثلاث سنوات، مع ضرورة توفير تمويل ثابت، خصوصا من الاتحاد الأوروبي".
وعلى الرغم مما يمنحه القانون الجديد من مزايا تنظيمية، فهو لا يخلو من انتقادات حقوقية، تتعلق بإمكان الاحتجاز أو الترحيل، وافتقاره، بحسب بعض الآراء، إلى ضمانات قوية لحماية الحقوق الأساس وفق المعايير الدولية. تضع هذه المخاوف الدولة أمام اختبار التوازن بين مقتضيات السيادة والأمن من جهة، والالتزامات الإنسانية والقانونية من جهة أخرى.
دور مفوضية الأمم المتحدة
يأتي هذا التحول في لحظة شديدة الحساسية، تزامنت مع إعلان مفوضية الأمم المتحدة تقليص دعمها للاجئين وطالبي اللجوء في مصر، نتيجة أزمة تمويل حادة. فعلى سبيل المثل، وفي عام 2025، لم تحصل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين سوى على أقل من نصف التمويل المطلوب لدعم اللاجئين السودانيين في مصر، إذ تلقت دون 50 في المئة من أصل 135 مليون دولار كانت تحتاجها لدعم أكثر من 939 ألف لاجئ وطالب لجوء مسجلين، قدموا من السودان ونحو 60 دولة أخرى ويقيمون حاليا في مصر.
نازحون سودانيون عند وصولهم إلى منطقة أصوان المصرية، 28 يوليو 2025
أكدت المفوضية أنها تعمل حاليا بـ29 في المئة فقط من التمويل المطلوب، مع فجوة تقدر بنحو 97 مليون دولار، مما اضطرها إلى تقليص خدمات أساسية، وفي مقدمها الدعم الطبي، وتعليق أشكال العلاج كلها باستثناء التدخلات الطارئة المنقذة للحياة. وضع هذا التراجع الدولة المصرية في مواجهة مباشرة مع تبعات إنسانية واقتصادية متزايدة، في وقت تجاوز فيه عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين عتبة المليون، غالبيتهم من السودان.
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور ياسر العالم في حديث إلى "المجلة" "أن أحد أكبر التحديات يتمثل في غياب بيانات دقيقة ومتكاملة، ما يجعل تقدير الأعباء الاقتصادية غير دقيق، ويحدث فجوة كبيرة في تغطية الاحتياجات". ويشير إلى "أن اللاجئين يتمتعون بالخدمات الصحية العامة على قدم المساواة مع المواطنين، ما يزيد ضغط الطلب على الخدمات والبنية التحتية، التي تتحملها الدولة من دون مقابل دولي كاف".
ويؤكد العالم "أن مصر أصبحت أكبر دولة مضيفة للاجئين السودانيين، بعد استقبال أكثر من 1,5 مليون سوداني منذ اندلاع النزاع في بلادهم، يشكلون نحو 73 في المئة من إجمالي اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين".
ويضيف: "يعكس هذا الواقع حجم الأزمة في السودان، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على حجم التضامن المصري، وما يفرضه من أعباء مستمرة على الموارد الوطنية".
من "أزمة اللجوء" إلى "فرصة تنموية"
في مارس/أذار الماضي، أعلن الناطق باسم مجلس الوزراء تعاون الحكومة مع منظمات الأمم المتحدة لحصر التكلفة الاقتصادية التي تتحملها الدولة جراء أعداد اللاجئين والوافدين، في خطوة تهدف إلى تحويل "أزمة اللجوء" إلى "فرصة تنموية"، عبر الإدماج الاقتصادي المنظم، مع مطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته الأخلاقية والمالية.
ترى عضوة البرلمان المصري سميرة الجزار "أن اقتصاد اللاجئين بات من أكثر القضايا إثارة للجدل في الشارع المصري، خصوصا مع سياسة 'الدمج' التي تنتهجها الدولة بدلا من إنشاء مخيمات". وتضيف غي حديث لـ"المجلة" أن هذه السياسة، "على الرغم من بعدها الإنساني، تضع ضغطا مباشرا على قطاعات حيوية، مثل الصحة، والبنية التحتية، والسلع المدعومة، حيث يستفيد اللاجئون من دعم الأسعار غير المباشر في السلع والوقود". وتقول إن "تحويل اللاجئين إلى أصول اقتصادية ممكن عبر شرعنة الاقتصاد الموازي، إذ يدير كثير من اللاجئين مشاريع ناجحة في قطاعات المطاعم والحرف والصناعات الصغيرة". وتلفت إلى "أن تقنين أوضاع هذه الأنشطة يمكن أن يوسع القاعدة الضريبية، ويوفر فرص عمل للمصريين، ويعزز النمو المحلي".
يتمتع اللاجئون بالخدمات الصحية العامة على قدم المساواة مع المواطنين من ضمن البرامج الصحية الوطنية ما يزيد ضغط الطلب على الخدمات
الدكتور ياسر العالم، خبير اقتصادي
كذلك تشير إلى "إمكان استخدام ملف اللاجئين كورقة تفاوضية لجذب منح دولية مخصصة لتطوير البنية التحتية في المناطق الأكثر كثافة".
ويطرح ميلاد قراءة مغايرة، معتبرا "أن الحكومة المصرية لا تتحمل وحدها كامل عبء اقتصاد اللاجئين، في ظل تخصيص الاتحاد الأوروبي ما يعادل 7,4 مليارات يورو لمصر، بينما تعلن الحكومة تحملها 10 مليارات دولار سنويا"، وهو رقم يصعب التأكد من دقته. ويشير إلى "أن اللاجئين يسهمون في رواج واضح للسلع، على الرغم من دورهم غير المباشر في رفع الأسعار في بعض المناطق".
مقر مجلس النواب المصري، في العاصمة الإدارية الجديد شرق القاهرة في 24 مارس 2024
ويلفت ميلاد إلى "أن مناطق مثل فيصل وأرض اللواء وعين شمس بات اقتصادها قائما جزئيا على تلبية احتياجات اللاجئين، خصوصا السوريين الذين برعوا في إنشاء مشاريع في صناعة المأكولات والحلويات والمفروشات والأزياء، غير أن نسبة كبيرة منهم لا تزال تعمل في القطاع غير الرسمي، على الرغم من حملات التفتيش المرتبطة بالتأمينات الاجتماعية".
في ظل هذه المعطيات، يبدو ملف اللاجئين في مصر أقرب إلى مفاوضات مفتوحة متعددة المستويات: داخلية، لتحديد التكلفة والعوائد، وخارجية، لتقاسم الأعباء، وتشريعية، لضبط الحقوق والواجبات. أما نجاح الدولة في هذا المسار فسيعتمد إلى حد كبير على قدرتها على تقديم أرقام دقيقة وشفافة، وبناء نموذج إدماج اقتصادي عادل، يحفظ كرامة اللاجئ، ويخفف الضغط عن المواطن.
تعريف اللاجئ وطالب اللجوء وفقا للقانون
وفقا للقانون المصري الجديد، يعرف اللاجئ بكل أجنبي وجد خارج الدولة التي يحمل جنسيتها أو خارج دولة إقامته المعتادة، بسبب معقول مبني على خوف جدي له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب عرقه، أو دينه، أو جنسيته، أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو بسبب آرائه السياسية، أو بسبب عدوان أو احتلال خارجي، أو غيرها من الأحداث التي تهدد بشكل خطير الأمن العام في الدولة التي يحمل جنسيتها أو دولة إقامته المعتادة، ولا يستطيع أو لا يرغب بسبب ذلك الخوف الجدي أن يستظل بحماية تلك الدولة، وكل شخص ليست له جنسية وجد خارج دولة إقامته المعتادة نتيجة لأي من تلك الظروف، ولا يستطيع أو لا يرغب بسبب ذلك الخوف الجدي أن يعود إلى تلك الدولة، والتي أسبغت عليه اللجنة المختصة ذلك الوصف وفقا لأحكام هذا القانون. أما طالب اللجوء فهو يعرف، وفقا للقانون بكل أجنبي تقدم بطلب إلى اللجنة المختصة لاكتساب وصف لاجئ وفق أحكام هذا القانون، ولم يتم الفصل في طلبه.