بين 2025 و2026... الطاقة المتجددة تغير وجه العالم

نقطة التحول الكبرى

AFP-Al Majalla
AFP-Al Majalla

بين 2025 و2026... الطاقة المتجددة تغير وجه العالم

منذ فجر الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، اعتمدت الحضارة الإنسانية اعتمادا شبه كامل على ما يمكن تسميته بـ"الطاقة الشمسية القديمة"، وهي الطاقة التي خزنتها النباتات عبر عملية البناء الضوئي قبل مئات الملايين من السنين، ثم تحولت مع مرور الزمن إلى فحم ونفط وغاز طبيعي. وقد شكلت هذه المصادر الأحفورية الأساس الذي قامت عليه الصناعة الحديثة، والنقل، والتوسع العمراني، والنمو الاقتصادي العالمي. غير أن هذا الاعتماد المكثف لم يأت بلا ثمن، إذ رافقته آثار بيئية خطيرة تمثلت في تلوث الهواء والمياه، وارتفاع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وتسارع وتيرة تغير المناخ.

في عام 2025، بدا واضحا أن العالم يقف على أعتاب تحول تاريخي غير مسبوق في مجال الطاقة. فللمرة الأولى منذ أكثر من قرن، لم تعد الطاقة الأحفورية هي الخيار الوحيد أو الأرخص أو الأكثر فاعلية، بل تقدمت الطاقة المتجددة، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لتحتل موقع الصدارة عالميا. هذا التحول العميق دفع العديد من العلماء حول العالم إلى اختيار النمو المتسارع للطاقة المتجددة بوصفه "إنجاز العام العلمي لعام 2025"، في إشارة واضحة إلى أن ما يحدث ليس مجرد تطور تقني عابر، بل نقطة انعطاف في مسار الحضارة الإنسانية.

يشير تقرير صادر عن مركز الأبحاث المتخصص في شؤون الطاقة، "إمبر"، إلى أن الطاقة المتجددة تجاوزت الفحم لأول مرة كمصدر رئيس لتوليد الكهرباء على مستوى العالم. كما أن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح نمتا بوتيرة سريعة مكنتهما من تغطية كامل الزيادة في الطلب العالمي على الكهرباء خلال النصف الأول من عام 2025. وهذه الأرقام لا تعبر فقط عن توسع في القدرة الإنتاجية، بل تعكس تغيرا جذريا في فلسفة إنتاج الطاقة واستهلاكها.

أصبحت الصين اليوم المنتج الأكبر عالميا لتقنيات الطاقة المتجددة، إذ تصنع نحو 80% من الخلايا الشمسية في العالم، و70% من توربينات الرياح، و70% من بطاريات الليثيوم

لقد أصبحت الشمس، التي طالما اعتبرت مصدرا غير مباشر للطاقة، في قلب النظام الطاقي العالمي. فالألواح الشمسية المثبتة على سطوح المنازل، وفي الصحاري، وعلى الهضاب المرتفعة، باتت تحول ضوء الشمس مباشرة إلى كهرباء نظيفة. أما الرياح، التي هي في جوهرها نتيجة لاختلافات حرارية ناجمة عن أشعة الشمس، فقد أصبحت عبر توربينات عملاقة مصدرا موثوقا به ومستداما للطاقة في البر والبحر.

هيمنة صينية

لا يمكن الحديث عن التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة دون التوقف مطولا عند الدور المحوري الذي تلعبه الصين. فخلال العقدين الماضيين، انتهجت الصين سياسة صناعية طويلة الأمد هدفت إلى دعم وتطوير تقنيات الطاقة النظيفة عبر الإعانات الحكومية، والاستثمار في البحث والتطوير، وبناء سلاسل توريد متكاملة. ونتيجة لذلك، أصبحت الصين اليوم المنتج الأكبر عالميا لتقنيات الطاقة المتجددة؛ إذ تصنع نحو 80% من الخلايا الشمسية في العالم، و70% من توربينات الرياح، و70% من بطاريات الليثيوم.

هذا التفوق الصناعي لم يأت من فراغ، بل كان ثمرة الجمع بين ضخامة السوق المحلية، والقدرة التصنيعية الهائلة، والمنافسة الشرسة بين الشركات الصينية نفسها، وقد أدى هذا التوسع الكبير في الإنتاج إلى انخفاض غير مسبوق في الأسعار، مما جعل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح أرخص مصادر الطاقة في معظم دول العالم.

في سبتمبر/أيلول 2025، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن بلاده تعتزم خفض انبعاثاتها الكربونية بنسبة تصل إلى 10% خلال عقد واحد، ليس عبر تقليص استهلاك الطاقة، بل من خلال مضاعفة الاعتماد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ويعد هذا الإعلان بمثابة اعتراف رسمي بأن مستقبل النمو الاقتصادي لم يعد مرتبطا بالوقود الأحفوري.

لعقود خلت، ارتبطت صورة التنمية في الصين بالفحم، الذي كان مصدرا رئيسا للطاقة، لكنه تسبب في تلوث خانق للهواء، وأضرار صحية وبيئية جسيمة. اليوم، تشهد الصين تحولا بصريا وبيئيا لافتا. فالألواح الشمسية باتت تغطي مساحات شاسعة من الصحاري والسهول والهضاب، بما في ذلك هضبة التيبت المشمسة، بينما تنتشر توربينات الرياح العملاقة على السواحل والتلال، ويصل ارتفاع بعضها إلى نحو 300 متر.

وقد نمت القدرة الصينية على توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية بأكثر من عشرين ضعفا خلال العقد الماضي، وأصبحت مزارعها الشمسية والريحية قادرة نظريا على تزويد الولايات المتحدة الأميريكية بأكملها الكهرباء. كما أن الصين استثمرت بكثافة في البنية التحتية الداعمة لهذا التحول، مثل شبكات النقل الفائقة الجهد، ومحطات تخزين الطاقة باستخدام البطاريات العملاقة، والسدود الكهرومائية المعززة بتقنيات الضخ والتخزين.

لم يقتصر تأثير الثورة الطاقية الصينية على الداخل فحسب، بل امتد ليشمل العالم بأسره، ولا سيما دول الجنوب العالمي. فقد أدت وفرة المنتجات الصينية المنخفضة التكلفة إلى إتاحة الطاقة المتجددة لملايين الأشخاص في أفريقيا وجنوب آسيا. ففي أحياء فقيرة مثل حي كيبيرا في نيروبي، مكنت أنظمة الطاقة الشمسية الصغيرة المثبتة على السطوح، السكان من الحصول على كهرباء رخيصة وموثوق بها لتشغيل الإضاءة والهواتف المحمولة والمراوح.

وفي دول مثل باكستان، ارتفعت واردات الألواح الشمسية الصينية خمسة أضعاف بين عامي 2022 و2024، مدفوعة بارتفاع أسعار الغاز الطبيعي بسبب الحرب في أوكرانيا. كما أن مشكلات محطات الفحم القديمة في جنوب أفريقيا، ومخاوف تراجع الطاقة الكهرومائية في إثيوبيا نتيجة الجفاف، دفعت هذه الدول إلى تبني الطاقة الشمسية والرياح كخيار استراتيجي للأمن الطاقي.

رغم هذا التقدم الهائل، فإن القصة ليست مجرد قصة توسع في استخدام تقنيات قديمة، بل تحمل في طياتها وعودا تكنولوجية مستقبلية. فمعظم الخلايا الشمسية المستخدمة حاليا مصنوعة من السيليكون البلوري، وهي تقنية تعود جذورها إلى أكثر من نصف قرن. إلا أن الأبحاث الحديثة تشير إلى إمكان تعزيز كفاءتها عبر دمجها مع مواد جديدة مثل البيروفسكايت، القادرة على امتصاص نطاق أوسع من أطياف الضوء.

أدت السياسات الأميركية المعادية لطاقة الرياح والطاقة الشمسية، إلى جانب الحواجز التجارية المفروضة على المنتجات الصينية، إلى إبطاء وتيرة التحول الطاقي

وفي مجال طاقة الرياح، تسمح التطورات في علوم المواد بتصنيع شفرات أطول وأخف وزنا، مما يزيد قدرتها على توليد الطاقة. كما أن تصميم التوربينات العائمة يفتح آفاقا واسعة لاستغلال مناطق بحرية عميقة كانت غير قابلة للاستفادة سابقا. أما في مجال تخزين الطاقة، فتجرى أبحاث مكثفة على بدائل لبطاريات الليثيوم، مثل بطاريات الفاناديوم وبطاريات الصوديوم والبطاريات الزنك-هوائية، التي قد تكون أرخص وأكثر أمانا على المدى الطويل.

على الرغم من كل هذا التفاؤل، لا تزال هناك تحديات حقيقية تواجه التحول الكامل نحو الطاقة المتجددة. فالصين، على سبيل المثل، ما زالت تبني محطات فحم جديدة، وإن كان بعضها مخصصا للاستخدام في أوقات الذروة فقط. وفي الولايات المتحدة، أدت السياسات الحكومية المعادية لطاقة الرياح والطاقة الشمسية، إلى جانب الحواجز التجارية المفروضة على المنتجات الصينية، إلى إبطاء وتيرة التحول الطاقي.

خيار أرخص وأفضل

كما أن البنية التحتية الحالية في العديد من الدول غير مهيأة بالكامل لاستيعاب كميات ضخمة من الطاقة المتجددة المتقطعة. فالشمس لا تشرق ليلا، والرياح لا تهب دائما، مما يستدعي استثمارات ضخمة في أنظمة التخزين وشبكات النقل الذكية. إضافة إلى ذلك، لا تزال بعض القطاعات، مثل الطيران والصناعات الثقيلة، بعيدة عن إمكان التحول الكامل إلى الكهرباء النظيفة في المستقبل القريب.

REUTERS
خط إنتاج آلي لبطاريات الليثيوم أيون في ورشة عمل تابعة لشركة تشجيانغ شينواي للتكنولوجيا المحدودة في يونغكانغ بمقاطعة تشجيانغ الصينية

عند النظر إلى الوراء، يتضح مدى التغير الذي طرأ على مكانة الطاقة المتجددة. ففي عام 2004، احتاج العالم إلى عام كامل لتركيب قدرة شمسية تبلغ 1 جيغاواط. أما اليوم، فيتم تركيب ضعف هذه القدرة يوميا. في الماضي، كان الدافع الأساس لاعتماد الطاقة المتجددة أخلاقيا وبيئيا، إذ كان المستهلكون مستعدين لدفع تكلفة أعلى حماية للمناخ. أما اليوم، فقد أصبحت الطاقة المتجددة الخيار الأرخص والأكثر أمانا من حيث الاستقلال الطاقي.

من المتوقع أن يشهد عام 2026 نقطة تحول تاريخية في قطاع الطاقة العالمي، حيث تشير التقديرات إلى أن الطاقة المتجددة، وفي مقدمها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ستتجاوز الفحم لتصبح المصدر الأكبر لتوليد الكهرباء في العالم. ووفقا لتوقعات الوكالة الدولية للطاقة، ستوفر مصادر الطاقة المتجددة أكثر من ثلث إنتاج الكهرباء العالمي، بنسبة تصل إلى 36%، وهو إنجاز يعكس تسارع التحول بعيدا من الوقود الأحفوري رغم التحديات السياسية والتجارية التي تواجه القطاع في بعض الدول.

على الصعيد العالمي والولايات المتحدة بشكل خاص، يتوقع أن تأتي معظم القدرات الجديدة لتوليد الكهرباء في عام 2026 من مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وأنظمة تخزين البطاريات. ففي الولايات المتحدة، تكاد جميع الإضافات الجديدة في القدرة الكهربائية أن تعتمد على هذه المصادر، مما يؤكد أن الطاقة المتجددة لم تعد خيارا مستقبليا، بل أصبحت العمود الفقري للتوسع في إنتاج الكهرباء. وينتظر أن تقود الطاقة الشمسية هذا النمو العالمي، مع زيادة متوقعة في الإنتاج بنسبة 21% خلال عام واحد فقط، مدفوعة بانخفاض التكاليف وسهولة التركيب وسرعة التنفيذ.

فيما يستمر التراجع في الاعتماد على الفحم، لا سيما في الولايات المتحدة، حيث يتوقع أن ينخفض توليد الكهرباء من محطات الفحم بنحو 9% في عام 2026. ويعود ذلك إلى تقاعد عدد متزايد من هذه المحطات القديمة، واستبدالها بمصادر طاقة متجددة أرخص وأكثر كفاءة، فضلا عن الضغوط البيئية والتنظيمية التي تجعل الاستثمار في الفحم أقل جاذبية من أي وقت مضى.

ينظر إلى عام 2026 باعتباره عاما حاسما للتقنيات الناشئة، وفي مقدمها الهيدروجين الأخضر، الذي يواجه اختبارا حقيقيا لإثبات جدواه الاقتصادية على نطاق واسع

وتلعب التطورات التكنولوجية دورا محوريا في تسريع هذا التحول، خاصة مع النمو الهائل في الطلب على الكهرباء من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. ويعد هذا الطلب سيفا ذا حدين: فمن جهة يمثل أسرع زيادة في أحمال قطاع الطاقة منذ ثلاثة عقود، ومن جهة أخرى يدفع الشركات إلى الاستثمار في حلول طاقة موزعة، مثل إنشاء مشاريع شمسية ورياح مرتبطة مباشرة بمراكز البيانات، مما يقلل الضغط على الشبكات التقليدية ويعزز الاعتماد على الطاقة النظيفة.

كما يشهد قطاع تخزين الطاقة طفرة غير مسبوقة، إذ من المتوقع أن تتجاوز قدرات تخزين البطاريات عالميا حاجز 100 جيغاواط لأول مرة في عام 2026. وفي الولايات المتحدة، سيتم ربط أكثر من نصف مشاريع التخزين الجديدة على مستوى المرافق العامة بمحطات الطاقة الشمسية، وهو ما يعزز قدرة الشبكات الكهربائية على التعامل مع تقلبات إنتاج الطاقة المتجددة وضمان استقرار الإمدادات.

تشريع أميركي

وفي مجال طاقة الرياح، يتزايد الاتجاه نحو ما يعرف بـ"إعادة تأهيل" أو "إعادة تشغيل" مواقع الرياح القديمة، من خلال استبدال التوربينات القديمة بأخرى حديثة ذات قدرة أعلى وكفاءة أكبر. هذه العملية يمكن أن ترفع إنتاج الطاقة في الموقع نفسه بنسبة تصل إلى 300%، دون الحاجة إلى استغلال أراض جديدة، مما يجعلها خيارا اقتصاديا وبيئيا جذابا للمطورين.

إلى جانب ذلك، ينظر إلى عام 2026 باعتباره عاما حاسما للتقنيات الناشئة، وفي مقدمها الهيدروجين الأخضر، الذي يواجه اختبارا حقيقيا لإثبات جدواه الاقتصادية على نطاق واسع. كما يشهد قطاع الطاقة النووية، من خلال المفاعلات الصغيرة المعيارية، اهتماما متجددا من المستثمرين في القطاع الخاص، في ظل البحث عن مصادر طاقة منخفضة الانبعاثات وقادرة على توفير طاقة مستقرة على مدار الساعة.

رغم هذا الزخم، لا يخلو مشهد الطاقات المتجددة في العام الحالي من أخطار وتحديات مرتبطة بالسياسات العامة. ففي الولايات المتحدة، يتضمن قانون "One Big Beautiful Bill Act" وهو تشريع أميركي شامل تم توقيعه في 4 يوليو/تموز 2025، يهدف إلى هيكلة الضرائب والإنفاق الفيديرالي، وتعزيز أمن الحدود، وتقليل الإنفاق الحكومي غير الدفاعي، وسيؤدي إلى إنهاء تدريجي لبعض الإعفاءات الضريبية الممنوحة لمشاريع الطاقة المتجددة في حلول منتصف عام 2026. وقد دفع ذلك المطورين إلى تسريع وتيرة المشاريع في بداية العام للاستفادة من هذه الحوافز قبل انتهاء صلاحيتها، مما خلق موجة نشاط مكثفة في السوق.

كما تفرض التغييرات في سلاسل التوريد تحديا إضافيا، حيث أدت قواعد "الكيانات الأجنبية المثيرة للقلق" إلى تقليص الاعتماد على المكونات الصينية في مشاريع الطاقة المتجددة. ورغم أن هذه الخطوة قد ترفع تكاليف مشاريع الطاقة الشمسية بنسبة تصل إلى 55% على المدى القصير، فإنها تسهم في تعزيز التصنيع المحلي وبناء سلاسل توريد أكثر مرونة واستقلالية على المدى الطويل.

يعد الاستثمار في البنية التحتية شرطا أساسا للنجاح في عام 2026. فالتوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لا يمكن أن يحقق أثره الكامل دون شبكات كهرباء قادرة على استيعاب الإنتاج المتقلب ونقله بكفاءة إلى مراكز الاستهلاك

يعكس ما هو متوقع في عام 2026 انتقال الطاقة المتجددة من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة الريادة الفعلية في النظام الطاقي العالمي. وبينما تستمر التحديات التنظيمية والتكنولوجية، فإن الاتجاه العام يشير بوضوح إلى أن مستقبل توليد الكهرباء سيكون أكثر اعتمادا على مصادر نظيفة، مدفوعا بالابتكار، واعتبارات الأمن الطاقي، والتحولات العميقة في الاقتصاد العالمي.

ويرى الكثير من الخبراء أن عام 2026 يمثل مرحلة حاسمة في مسار التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة، حيث لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه المصادر قادرة على المنافسة، بل كيف يمكن توسيع نطاقها بكفاءة واستدامة في ظل تحديات اقتصادية وسياسية وتقنية متزايدة. فالنجاح في هذه المرحلة يتطلب رؤية واضحة وخطوات مدروسة تجمع بين التخطيط الاستراتيجي، والابتكار التكنولوجي، والاستثمار في العنصر البشري، بما يضمن تحقيق الأهداف الطاقية دون الإخلال بالاستقرار الاقتصادي أو الأمن الطاقي.

تعزيز الثقة

أولى الخطوات المقبلة تتمثل في تعزيز المرونة الاستراتيجية لدى شركات الطاقة وصناع القرار. فمع استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات الحكومية والتغيرات في الأطر التنظيمية، يصبح من الضروري اعتماد نماذج أعمال مرنة قادرة على التكيف السريع مع المستجدات. ويشمل ذلك تنويع مصادر التمويل، وتطوير محافظ مشاريع متوازنة تجمع بين المشاريع الكبيرة والمشاريع الموزعة، إضافة إلى تبني نهج "الملاذ الآمن" الذي يقلل الأخطار القانونية والمالية.

كما يعد الاستثمار في البنية التحتية شرطا أساسا للنجاح في عام 2026. فالتوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لا يمكن أن يحقق أثره الكامل دون شبكات كهرباء قادرة على استيعاب الإنتاج المتقلب ونقله بكفاءة إلى مراكز الاستهلاك. ويتطلب ذلك تسريع بناء شبكات النقل الحديثة، وتوسيع قدرات تخزين الطاقة، خاصة عبر البطاريات على نطاق المرافق العامة، إلى جانب دمج حلول ذكية لإدارة الأحمال وتحسين استقرار الشبكات.

REUTERS
ألواح طاقة شمسية متراصة

ومن المتطلبات الجوهرية أيضا، تسريع الابتكار التكنولوجي وتبني الحلول الرقمية. فالاعتماد المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالطقس، وإدارة الأصول، وتحسين كفاءة التشغيل، بات عنصرا حاسما لتقليل التكاليف وتجنب التأخيرات غير المتوقعة. وتتيح هذه الأدوات للمطورين تحسين جداول التنفيذ، وتقليل الأعطال، ورفع مستوى موثوقية المشاريع، وهو ما يعزز ثقة المستثمرين وشركات التأمين على حد سواء.

يتطلب النجاح في عام 2026 الانتقال من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة الإدارة الذكية والمستدامة للتحول الطاقي

إلى جانب التكنولوجيا، يحتل العنصر البشري مكانة مركزية في معادلة النجاح. فعلى الرغم من الأتمتة المتزايدة، لا تزال صناعة الطاقة المتجددة تعتمد بشكل كبير على الكفاءات البشرية المؤهلة. ويشمل ذلك المهندسين المتخصصين في تقييم المواقع، وخبراء إدارة الأخطار، والفنيين في مجالات الصيانة والتشغيل، إضافة إلى المختصين في الامتثال التنظيمي. ويعد الاستثمار في التدريب وبناء القدرات خطوة ضرورية لسد الفجوات المهارية وضمان جاهزية القوى العاملة لمتطلبات المرحلة المقبلة.

كما يتطلب النجاح في عام 2026 تعزيز الثقة مع المستثمرين والمؤسسات المالية. فإيضاح الجدوى الاقتصادية للمشاريع، ودمج اعتبارات الأخطار منذ المراحل الأولى للتخطيط، يسهمان في جذب رؤوس الأموال وخفض تكاليف التمويل والتأمين. وفي هذا السياق، تلعب الشفافية في البيانات، ودقة التقييمات الفنية والمالية، دورا محوريا في طمأنة المستثمرين ودعم استمرارية التدفقات الاستثمارية.

ولا يمكن إغفال أهمية التعاون والشراكات المتعددة الأطراف. فالتحديات التي تواجه التحول الطاقي تتجاوز قدرة جهة واحدة على معالجتها منفردة. لذلك، يصبح التعاون بين الحكومات، وشركات الطاقة، والمؤسسات المالية، ومراكز البحث، عنصرا أساسا لتبادل الخبرات وتسريع تنفيذ الحلول. كما أن الشراكات الدولية تتيح الاستفادة من سلاسل التوريد العالمية، وتخفيف أثر التوترات التجارية، وضمان وصول التقنيات النظيفة إلى مختلف المناطق.

يتطلب النجاح في عام 2026 الانتقال من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة الإدارة الذكية والمستدامة للتحول الطاقي. فمن خلال الجمع بين التخطيط المرن، والاستثمار في البنية التحتية، وتبني الابتكار، وتنمية الكفاءات البشرية، وتعزيز الثقة والشراكات، يمكن صناعة الطاقة المتجددة أن تحول التحديات القائمة إلى فرص حقيقية. وبهذا، يصبح عام 2026 ليس فقط عاما للتوسع، بل محطة مفصلية لترسيخ أسس مستقبل طاقي أكثر أمانا واستدامة للأجيال القادمة.

font change

مقالات ذات صلة