لقد أصبحت الشمس، التي طالما اعتبرت مصدرا غير مباشر للطاقة، في قلب النظام الطاقي العالمي. فالألواح الشمسية المثبتة على سطوح المنازل، وفي الصحاري، وعلى الهضاب المرتفعة، باتت تحول ضوء الشمس مباشرة إلى كهرباء نظيفة. أما الرياح، التي هي في جوهرها نتيجة لاختلافات حرارية ناجمة عن أشعة الشمس، فقد أصبحت عبر توربينات عملاقة مصدرا موثوقا به ومستداما للطاقة في البر والبحر.
هيمنة صينية
لا يمكن الحديث عن التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة دون التوقف مطولا عند الدور المحوري الذي تلعبه الصين. فخلال العقدين الماضيين، انتهجت الصين سياسة صناعية طويلة الأمد هدفت إلى دعم وتطوير تقنيات الطاقة النظيفة عبر الإعانات الحكومية، والاستثمار في البحث والتطوير، وبناء سلاسل توريد متكاملة. ونتيجة لذلك، أصبحت الصين اليوم المنتج الأكبر عالميا لتقنيات الطاقة المتجددة؛ إذ تصنع نحو 80% من الخلايا الشمسية في العالم، و70% من توربينات الرياح، و70% من بطاريات الليثيوم.
هذا التفوق الصناعي لم يأت من فراغ، بل كان ثمرة الجمع بين ضخامة السوق المحلية، والقدرة التصنيعية الهائلة، والمنافسة الشرسة بين الشركات الصينية نفسها، وقد أدى هذا التوسع الكبير في الإنتاج إلى انخفاض غير مسبوق في الأسعار، مما جعل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح أرخص مصادر الطاقة في معظم دول العالم.
في سبتمبر/أيلول 2025، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن بلاده تعتزم خفض انبعاثاتها الكربونية بنسبة تصل إلى 10% خلال عقد واحد، ليس عبر تقليص استهلاك الطاقة، بل من خلال مضاعفة الاعتماد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ويعد هذا الإعلان بمثابة اعتراف رسمي بأن مستقبل النمو الاقتصادي لم يعد مرتبطا بالوقود الأحفوري.
لعقود خلت، ارتبطت صورة التنمية في الصين بالفحم، الذي كان مصدرا رئيسا للطاقة، لكنه تسبب في تلوث خانق للهواء، وأضرار صحية وبيئية جسيمة. اليوم، تشهد الصين تحولا بصريا وبيئيا لافتا. فالألواح الشمسية باتت تغطي مساحات شاسعة من الصحاري والسهول والهضاب، بما في ذلك هضبة التيبت المشمسة، بينما تنتشر توربينات الرياح العملاقة على السواحل والتلال، ويصل ارتفاع بعضها إلى نحو 300 متر.
وقد نمت القدرة الصينية على توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية بأكثر من عشرين ضعفا خلال العقد الماضي، وأصبحت مزارعها الشمسية والريحية قادرة نظريا على تزويد الولايات المتحدة الأميريكية بأكملها الكهرباء. كما أن الصين استثمرت بكثافة في البنية التحتية الداعمة لهذا التحول، مثل شبكات النقل الفائقة الجهد، ومحطات تخزين الطاقة باستخدام البطاريات العملاقة، والسدود الكهرومائية المعززة بتقنيات الضخ والتخزين.
لم يقتصر تأثير الثورة الطاقية الصينية على الداخل فحسب، بل امتد ليشمل العالم بأسره، ولا سيما دول الجنوب العالمي. فقد أدت وفرة المنتجات الصينية المنخفضة التكلفة إلى إتاحة الطاقة المتجددة لملايين الأشخاص في أفريقيا وجنوب آسيا. ففي أحياء فقيرة مثل حي كيبيرا في نيروبي، مكنت أنظمة الطاقة الشمسية الصغيرة المثبتة على السطوح، السكان من الحصول على كهرباء رخيصة وموثوق بها لتشغيل الإضاءة والهواتف المحمولة والمراوح.
وفي دول مثل باكستان، ارتفعت واردات الألواح الشمسية الصينية خمسة أضعاف بين عامي 2022 و2024، مدفوعة بارتفاع أسعار الغاز الطبيعي بسبب الحرب في أوكرانيا. كما أن مشكلات محطات الفحم القديمة في جنوب أفريقيا، ومخاوف تراجع الطاقة الكهرومائية في إثيوبيا نتيجة الجفاف، دفعت هذه الدول إلى تبني الطاقة الشمسية والرياح كخيار استراتيجي للأمن الطاقي.
رغم هذا التقدم الهائل، فإن القصة ليست مجرد قصة توسع في استخدام تقنيات قديمة، بل تحمل في طياتها وعودا تكنولوجية مستقبلية. فمعظم الخلايا الشمسية المستخدمة حاليا مصنوعة من السيليكون البلوري، وهي تقنية تعود جذورها إلى أكثر من نصف قرن. إلا أن الأبحاث الحديثة تشير إلى إمكان تعزيز كفاءتها عبر دمجها مع مواد جديدة مثل البيروفسكايت، القادرة على امتصاص نطاق أوسع من أطياف الضوء.