في الثاني من فبراير/شباط 2026 انطلقت النسخة الخامسة من المنتدى السعودي للإعلام لتبعث من أفق العاصمة السعودية الرياض رسالتها الدولية الهادفة "الإعلام في عالم يتشكل" ليتحول بعد ساعات قليلة من انطلاقته إلى تجمع حضاري، ومنصة استراتيجية تعيد تعريف وتوازن الإعلام المحلي والعالمي بهيئة تتناغم مع متغيرات القرن الحادي والعشرين.
كل من تابع برنامج المنتدى رأى كيف انفتح الإعلاميون على عدة حوارات تجاوزت 150 جلسة وورشة عمل نتجت عنها عصارة فكر وتجارب عالمية أثرت الرؤى ووسعت آفاق النقاش حول الخدمات الصحافية وصناعة محتوى المستقبل. وأكثر ما يلفت الانتباه هو معرض مستقبل الإعلام "فومكس" الذي شاركت فيه أكثر من 250 شركة إعلامية وتقنية محلية وعالمية، ضمت أجنحتها وممراتها أحدث الحلول الرقمية وتقنيات البث والتحليل.
وقد حظيت نسخة هذا العام بنجاح إضافي آخر، كان بطله جماهير وزوار المنتدى الذين تجاوز عددهم 65 ألف زائر، ما أهّله لنيل شهادة موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية كأكبر حدث إعلامي في العالم من حيث عدد الحضور، وهو إنجاز سعودي جديد يؤكد أهمية الإعلام كمهنة والمحتوى كفرصة استثمارية واعدة.
لا نبالغ إذا قلنا إن الحدث رسم كل شيء بمهنية عالية، وعنون لكل ما فيه بما يشير إلى شمولية التنويع لشتى المجالات بدءا بالإعلام الرياضي الرقمي، مرورا بتحولات نماذج الأعمال في الإعلام الحديث، وقوفا عند الإعلام الأخلاقي في زمن الذكاء الاصطناعي، وأمام هذا المحور تحديدا، لا بد من الإشارة إلى أن المحتوى العربي بات بحاجة ملحة إلى "فلترة" بتقنيات وأدوات مبتكرة تحمي المتلقين من الذخيرة الإعلامية الحية التي تطلقها مراكز الإعلام الإلكتروني المؤذي، طوال ساعات اليوم لتدخل العقول والأذهان في أزمات من التوتر، والقلق مصدره الحروب، والإتجار الجنسي، والتشوه البصري والفكري بهدف إفساد ما تبقى من جمال وسكون العالم.
ولعلّ المنتدى نجح في خلق "فلتره" الخاص عبر مشاركة عدد من الخبراء الدوليين ضمن جلساته الحوارية التي تناولت استراتيجيات مواجهة الشائعات والأخبار المضللة، وكيفية معالجتها بأساليب مهنية ومسؤولة، متحدين في فكرة أن إلقاء الضوء على الأخبار دون سياق دقيق أو تحليلات مستندة إلى بيانات موثوقة، قد يؤدي إلى تشويه الحقائق وفقدان المصداقية، إلا أن هذا "الفلتر" الإعلامي وعلى الرغم من أهميته وضرورته، لا ينطبق على تلك المؤسسات السياسية الربحية الملقية بأخلاقياتها داخل سلة مهملات العالم الإلكتروني.
شكل المنتدى مختبرا للتفكير الاستراتيجي والتطبيق العملي في صناعة الإعلام داخل السعودية وخارجها
وبالتالي، فقد شكّل المنتدى مختبرا للتفكير الاستراتيجي والتطبيق العملي في صناعة الإعلام داخل السعودية وخارجها، كونه شكّل حلقة وصل بين صناع القرار، والمحتوى، والأكاديميين، والممارسين، والإعلام المحلي والدولي في مساحة واحدة امتلأت بتبادل الخبرات، وغدت نقطة جذب لمواهب العالم، ومركز إنتاج معرفي يشاهد، ويقرأ، ويتابع، ويؤثر في محيطه وخارجه، وليس مستحيلا أن يغدو في المستقبل نواة لمنصة دولية حاضنة للبرمجيات، والتطبيقات، والبيانات، والخوارزميات، ومحتوياتها التي تعد أخطر أسلحة المواجهة والصراع في المستقبل.
ويحسب لهذه النسخة تركيزها الكبير على الذكاء الاصطناعي في الإعلام، ما يؤكد أنه أهم شريك استراتيجي في صناعة المحتوى الإعلامي. وجميل أن المنتدى سلط الضوء على دور الذكاء الاصطناعي في تطوير الإنتاج الإعلامي وتحليل البيانات الضخمة، فضلا عن تصميم محتوى مبتكر يتفاعل مع الجمهور بطريقة أذكى وأسرع. وهذا ما ذهبت إليه بعض الجلسات التي شرحت كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الإعلاميين على تقديم محتوى أكثر دقة وموضوعية، دون أن يحل محل الإبداع البشري، مؤكدين بذلك أن الدمج بين التقنية والإبداع هو ما سيحدد مستقبلا قدرة المؤسسات الإعلامية على المنافسة عالميا، ولعل هذا ما دفع بالقائمين على المنتدى إلى الإعلان عن "جائزة الإعلام السعودي للمحتوى المولد بواسطة الذكاء الاصطناعي" لتكون الأولى من نوعها عالميا في الجوائز الإعلامية.
تعد هذه الخطوة نموذجا مثاليا لمواجهة المخاوف التقليدية من الذكاء الاصطناعي، واستبدالها بنقاشات عملية حول توظيفه لصالح تطوير المحتوى وصناعته، وهو ما يمكن أن يجعل الإعلام السعودي رائدا على مستوى العالم في دمج الذكاء الاصطناعي بالصحافة والمحتوى الرقمي شريطة أن يبقى الدور البشري قائما بدور فحص ومراقبة المحتوى.
ولعل ما يطمئن على النشء الإعلامي السعودي هو المبادرات النوعية الموجهة مباشرة لدعم مواهب الشباب والناشئة، مثل "مخيم الابتكار الإعلامي السعودي" (Saudi MIB) وبرنامج "SMF GROW UP" لدعم الشركات الإعلامية الناشئة، ومبادرة "سفراء الإعلام" التي تهدف إلى إعداد جيل جديد كليا من الكادر الإعلامي المؤهل في تقنيات العصر الحديث وصناعة المحتوى. وهذا هو الطريق الصحيح للمحتوى المحلي المؤثر، والمسؤول والمنظم.
ولعل ما يطمئن على النشء الإعلامي السعودي هو المبادرات النوعية الموجهة مباشرة لدعم مواهب الشباب والناشئة، مثل مخيم الابتكار الإعلامي السعودي ومبادرة "سفراء الإعلام"
وأمام التحديات الكبرى القادمة يبقى السؤال الذي يكرر نفسه منذ عقود: هل نحن كمجتمعات عربية مستعدون لهذه الثورة الصناعية الإعلامية المتجددة؟ لا سيما ونحن ننظر بتمعن إلى بنيتنا الإعلامية التقليدية، التي تحولت إلى مراحل الأتمتة دفعة واحدة ناسية خلفها تركة ضخمة طالما حفظها الإعلام الثقافي والاجتماعي بمحتواه المحلي الأصيل الذي ظل يصنع برامجه من أجل تثقيف مجتمعه وتوعيته وفق ما يزيده صمودا وتماسكا أمام المحتوى الدخيل، ناهيك عن تلك الفجوات الواضحة لدى بعض الدول العربية في تأخرها عن التكيف وسرعة الاستجابة لمتغيرات التكنولوجيا الحديثة، ما أخرها عن اتحادها العربي في سبيل ابتكار محتوى عربي متقارب يعيد توازن عالمه في وجه الأخطار المحدقة.