يمثل جيل Z أول جيل ينشأ بالكامل في قلب العصر الرقمي، إذ تشكلت ملامح وعيه تحت تأثير الإنترنت الدائم، ووسائل التواصل الاجتماعي، والتدفق اللامتناهي للمعلومات. ولد هذا الجيل في عالم مفتوح على الاحتمالات، لكنه أيضا مثقل بالأزمات المتلاحقة: من الأزمات الاقتصادية العالمية إلى التغير المناخي، ومن الجائحة إلى التحولات السريعة في سوق العمل بفعل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. لذلك فإن نظرته إلى المستقبل لا يمكن فهمها بوصفها امتدادا بسيطا لنظرة الأجيال السابقة، بل باعتبارها نتاجا لمرحلة تاريخية مختلفة في سرعتها وتعقيدها ودرجة انكشافها.
يضم جيل Z الأشخاص المولودين تقريبا بين عامي 1997 و2012، ويأتي بعد جيل الألفية، ويعد هذا الجيل أول جيل نشأ بالكامل في العصر الرقمي، وأول جيل لا يتعامل مع المستقبل باعتباره وعدا مضمونا بالتقدم، ولا كقدر مظلم لا فكاك منه، بل كمساحة مفتوحة على الاحتمال والقلق في آن واحد.
وهو جيل يطمح إلى حياة ذات معنى، ويبحث عن التوازن بين النجاح الشخصي والاستقرار النفسي، لكنه في الوقت نفسه يدرك هشاشة المسارات التقليدية التي كانت تعد سابقا طرقا آمنة نحو الاستقرار. ومن هنا تنبع خصوصية علاقته بالمستقبل التي تقوم على الطموح المشوب بالحذر، وعلى الأمل الذي لا ينفصل عن الوعي بالأخطار.
لذا، نعيش اليوم مفارقة فكرية ونفسية عميقة تتجلى بوضوح في وعي جيل Z تجاه المستقبل. فبرغم أن نسبة كبيرة من هذا الجيل تعلن في الاستطلاعات أنها ترى مستقبلها مشرقا، إلا أن نحو نصفهم فقط يشعرون بأنهم مستعدون فعلا لخوضه. هذا الانفصال بين التفاؤل والإحساس بالجاهزية ليس مجرد تفصيل إحصائي، بل علامة على تحول أعمق في إدراك العلاقة بين الحلم والواقع. فالأمل موجود، لكن الثقة بالمسار المؤدي إليه مهزوزة.
يزداد هذا التوتر وضوحا لدى من لا يخططون للالتحاق بالجامعة، إذ يظهرون مستويات أقل من التفاؤل، وشعورا أضعف بالاستعداد، واندماجا أقل في المدرسة، وإحساسا أدنى بوجود دعم من الكبار في محيطهم التعليمي. كأن المسار غير الجامعي يفهم ضمنيا باعتباره مسارا أقل وضوحا وأقل ضمانا، مما يعمق الإحساس بالهشاشة.
مجتمع الأخطار
صاغ أولريش بيك مفهوم "مجتمع الأخطار" ليصف المجتمعات الحديثة التي لا تنتج الثروة فقط، بل تنتج الأخطار أيضا، التي من ضمنها التلوث، والتغير المناخي، والأزمات المالية، والأوبئة. غير أن جيل Z لا يعيش فقط في مجتمع تنتشر فيه الأخطار، بل في مجتمع تبث فيه الأخطار لحظة بلحظة عبر الشاشات
فقد ولد هذا الجيل في عالم "مفرط الشفافية" تنقل فيه كل أزمة على الهواء مباشرة وتصور كل حادثة وتحلل كل تهديد على مدار الساعة. وتشير الدراسات النوعية الممتدة بين 2022 و2025 إلى أن كثيرا من شباب هذا الجيل يصفون العالم بأنه "مكان مخيف" وهو وصف لا يأتي من تجربة مباشرة فقط، بل من تراكم صور الأزمات مثل جائحة كوفيد-19، والعنف المسلح، والحروب، والأزمات المناخية، والاستقطاب السياسي، وصعود الذكاء الاصطناعي.

