كيف ينظر جيل Z إلى المستقبل؟

من مجتمع الأخطار إلى وهم الاستمرارية

Sara Padovan
Sara Padovan

كيف ينظر جيل Z إلى المستقبل؟

يمثل جيل Z أول جيل ينشأ بالكامل في قلب العصر الرقمي، إذ تشكلت ملامح وعيه تحت تأثير الإنترنت الدائم، ووسائل التواصل الاجتماعي، والتدفق اللامتناهي للمعلومات. ولد هذا الجيل في عالم مفتوح على الاحتمالات، لكنه أيضا مثقل بالأزمات المتلاحقة: من الأزمات الاقتصادية العالمية إلى التغير المناخي، ومن الجائحة إلى التحولات السريعة في سوق العمل بفعل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. لذلك فإن نظرته إلى المستقبل لا يمكن فهمها بوصفها امتدادا بسيطا لنظرة الأجيال السابقة، بل باعتبارها نتاجا لمرحلة تاريخية مختلفة في سرعتها وتعقيدها ودرجة انكشافها.

يضم جيل Z الأشخاص المولودين تقريبا بين عامي 1997 و2012، ويأتي بعد جيل الألفية، ويعد هذا الجيل أول جيل نشأ بالكامل في العصر الرقمي، وأول جيل لا يتعامل مع المستقبل باعتباره وعدا مضمونا بالتقدم، ولا كقدر مظلم لا فكاك منه، بل كمساحة مفتوحة على الاحتمال والقلق في آن واحد.

وهو جيل يطمح إلى حياة ذات معنى، ويبحث عن التوازن بين النجاح الشخصي والاستقرار النفسي، لكنه في الوقت نفسه يدرك هشاشة المسارات التقليدية التي كانت تعد سابقا طرقا آمنة نحو الاستقرار. ومن هنا تنبع خصوصية علاقته بالمستقبل التي تقوم على الطموح المشوب بالحذر، وعلى الأمل الذي لا ينفصل عن الوعي بالأخطار.

لذا، نعيش اليوم مفارقة فكرية ونفسية عميقة تتجلى بوضوح في وعي جيل Z تجاه المستقبل. فبرغم أن نسبة كبيرة من هذا الجيل تعلن في الاستطلاعات أنها ترى مستقبلها مشرقا، إلا أن نحو نصفهم فقط يشعرون بأنهم مستعدون فعلا لخوضه. هذا الانفصال بين التفاؤل والإحساس بالجاهزية ليس مجرد تفصيل إحصائي، بل علامة على تحول أعمق في إدراك العلاقة بين الحلم والواقع. فالأمل موجود، لكن الثقة بالمسار المؤدي إليه مهزوزة.

يزداد هذا التوتر وضوحا لدى من لا يخططون للالتحاق بالجامعة، إذ يظهرون مستويات أقل من التفاؤل، وشعورا أضعف بالاستعداد، واندماجا أقل في المدرسة، وإحساسا أدنى بوجود دعم من الكبار في محيطهم التعليمي. كأن المسار غير الجامعي يفهم ضمنيا باعتباره مسارا أقل وضوحا وأقل ضمانا، مما يعمق الإحساس بالهشاشة.

مجتمع الأخطار

صاغ أولريش بيك مفهوم "مجتمع الأخطار" ليصف المجتمعات الحديثة التي لا تنتج الثروة فقط، بل تنتج الأخطار أيضا، التي من ضمنها التلوث، والتغير المناخي، والأزمات المالية، والأوبئة. غير أن جيل Z لا يعيش فقط في مجتمع تنتشر فيه الأخطار، بل في مجتمع تبث فيه الأخطار لحظة بلحظة عبر الشاشات

فقد ولد هذا الجيل في عالم "مفرط الشفافية" تنقل فيه كل أزمة على الهواء مباشرة وتصور كل حادثة وتحلل كل تهديد على مدار الساعة. وتشير الدراسات النوعية الممتدة بين 2022 و2025 إلى أن كثيرا من شباب هذا الجيل يصفون العالم بأنه "مكان مخيف" وهو وصف لا يأتي من تجربة مباشرة فقط، بل من تراكم صور الأزمات مثل جائحة كوفيد-19، والعنف المسلح، والحروب، والأزمات المناخية، والاستقطاب السياسي، وصعود الذكاء الاصطناعي.

يميل جيل Z إلى التفكير في الأخطار بطريقة ثنائية، إما آمن أو خطير ولا وجود لطيف احتمالي مرن

وبحسب العديد من الدراسات؛ فإن التجربة الكبرى التي أسست وعي هذا الجيل هي جائحة كوفيد-19. بالنسبة الى كثير من أفراد جيل Z، كانت الجائحة أول تجربة كبرى لانهيار النظام اليومي كإغلاق المدارس، والعزل الاجتماعي، والخطاب الإعلامي المشبع بالموت، والمستقبل المعلق. فالجائحة لم تكن أزمة صحية فحسب، بل تجربة وجودية علمت هذا الجيل درسا قاسيا، أن العالم يمكن أن يتوقف فجأة.

ويمكن القول إن الجائحة حطمت "وهم الاستمرارية". في المجتمعات الحديثة، كان ثمة افتراض ضمني بأن الغد سيكون امتدادا لليوم، وبأن التقدم خطي. لكن كوفيد-19 أدخل عنصر القطيعة. المستقبل لم يعد امتدادا مضمونا للحاضر، بل أصبح احتمالا مفتوحا على الانهيار.

هذا ما يفسر انتقال الخوف من كونه رد فعل إلى كونه إطارا إدراكيا. فالعالم بالنسبة لهم لم يعد آمنا مع بعض الأخطار، بل غير قابل للطمأنة.

تكشف الدراسات أن جيل Z يميل إلى التفكير في الأخطار بطريقة ثنائية: إما آمن أو خطير ولا وجود لطيف احتمالي مرن. المدرسة إما مكان حماية مطلق، أو ساحة محتملة لإطلاق النار، والتكنولوجيا إما فرصة ذهبية، أو تهديد وجودي للوظائف. والذكاء الاصطناعي إما أداة تمكين، أو بديل للإنسان.

هذا التفكير الثنائي يعمق القلق، لأنه يضيق المساحة الرمادية التي يمكن فيها التعايش مع المخاطرة. فنحن أمام تراجع في الحس الاحتمالي لصالح الحس العاطفي، فعندما تختفي المنطقة الرمادية، يصبح كل احتمال صغير تهديدا وجوديا.

AFP
شابة من حركة جيل زد، تعرض علما على هاتفها المحمول

رغم كل هذا القلق، تقول نسبة كبيرة من جيل Z إنها ترى مستقبلا مشرقا. فكيف يمكن فهم هذا؟

يمكن القول إن التفاؤل هنا ليس تفاؤلا ساذجا، بل هو تفاؤل مشروط. الشباب يؤمنون بإمكان تحقيق "حياة جيدة" لكنهم يدركون أن الطريق إليها غير مضمون.

الاغتراب المزدوج

تظهر استطلاعات الرأي أن الطلاب الذين يخططون للالتحاق بالجامعة أكثر تفاؤلا، بنسبة 81% لمن يسعون الى درجة متوسطة، و86% لمن يسعون الى درجة بكالوريوس، مقارنة بـ68% فقط من غير المخططين للجامعة. كما أن الشعور بالاستعداد يرتفع لدى الجامعيين المحتملين ليصل الى درجة 54% وينخفض لدى غيرهم ليصل إلى40%.

هذا يعني أن التفاؤل مرتبط بوجود "مسار واضح"، فالجامعة تمثل، في المخيال الجمعي، طريقا منظما نحو المستقبل. أما من لا يملكون هذا المسار، فيشعرون بفراغ هيكلي وبأنهم في مستقبل بلا خريطة.

تكشف الأرقام أن 71% من جيل Z يرون أن الوقت غير مناسب لإنجاب الأطفال، و65% لا يرونه ملائما لشراء أو بيع منزل، و52% يترددون في بدء مشروع تجاري

تكشف البيانات أن المدارس تركز بشدة على مسار الجامعة، فنحو 68% سمعوا كثيرا عن التقديم للجامعة، مقابل اهتمام أقل بالتدريب المهني بنسبة 23% أو الوظائف غير الجامعية بنسبة 19% أو ريادة الأعمال بنسبة 13%.

هذا التركيز الأحادي يخلق فجوة. من لا يرى نفسه في المسار الجامعي يشعر بالتهميش، وقلة الدعم، وضعف الاندماج. وهنا يتشكل اغتراب مزدوج: اغتراب عن النظام التعليمي، واغتراب عن المستقبل.

يمكن قراءة ذلك في ضوء مفهوم "الاعتراف" لدى أكسل هونيث الذي يقول إن الإنسان يحتاج إلى اعتراف مؤسسي بقيمته ومساره، وعندما لا تعترف المدرسة بمسارات بديلة، فإنها تضعف شعور الطالب بكرامته المهنية المحتملة.

القلق الاقتصادي

إذا كان التفاؤل التعليمي لدى جيل Z مشروطا بإمكانات لم تكتمل بعد، فإن القلق الاقتصادي يبدو أكثر رسوخا ووضوحا، كظل ممتد على أفقهم. حين يرى 60% منهم أن الاقتصاد "سيئ" ويعبر 87% عن قلقهم حياله، فإننا لا نكون أمام رأي عابر، بل أمام إحساس جمعي يتشكل في وعي جيل كامل يعكس علاقة وجودية مع المستقبل، حيث يصبح الغد احتمالا مهددا أكثر منه وعدا مفتوحا.

يتجلى هذا القلق بصورة أشد حين ينتقل من الاقتصاد الكلي إلى سوق العمل، فنحو 69% يرون أن سوق العمل سيئ، و79% يخشون عجزهم عن إيجاد وظيفة جديدة. هنا يتحول العمل من كونه أفقا لتحقيق الذات إلى ساحة اختبار دائم للنجاة. فالوظيفة لم تعد مجرد وسيلة للعيش، بل أصبحت شرطا هشا للاستمرار: فقدانها لا يعني فقط خسارة دخل، بل اهتزاز الشعور بالأمان والكرامة والاستقلال.

أما على المستوى الشخصي، فإن 39% يصفون وضعهم المالي بأنه سيئ، مقابل 21% فقط يرونه جيدا. هذه الفجوة لا تعبر عن تفاوت مادي فحسب، بل عن اختلال في الإحساس بالاستقرار، ويزداد هذا المعنى عمقا حين نعلم أنهم الأكثر تأثرا بتسريحات العمل، والأكثر اضطرارا للاقتراض من العائلة، أو العمل في وظيفتين، أو تقليص النفقات إلى الحد الأدنى. هنا يتبدى القلق الاقتصادي لا كتصور ذهني، بل كتجربة معيشة يومية، تتخلل القرارات الصغيرة: ماذا أشتري؟ هل أستطيع المخاطرة؟ هل يمكنني التخطيط لأسرة أو منزل؟

هذا الوضع يولد ما يمكن تسميته بـ"الوعي الاقتصادي الهش" الذي يعد حالة من اليقظة الدائمة تجاه احتمالات الانكسار يعيش على حافة الاحتمال، حيث تبدو الأرض غير ثابتة تحت القدمين. في هذا الوعي، لا ينظر إلى المستقبل بوصفه امتدادا طبيعيا للحاضر، بل كمساحة غير مضمونة، قابلة للانقطاع في أي لحظة. ومن هنا، يتشكل نمط جديد من الذات، ذات حذرة، وحسابية، وتخشى الالتزام البعيد، وتؤجل الأحلام الكبيرة خشية السقوط.

تحت ظل الشك

تكشف الأرقام أن 71% من جيل Z يرون أن الوقت غير مناسب لإنجاب الأطفال، و65% لا يرونه ملائما لشراء أو بيع منزل، و52% يترددون في بدء مشروع تجاري. هذه النسب لا تعبر فقط عن حذر اقتصادي، بل عن تحول عميق في العلاقة مع الزمن نفسه. فالقرارات التي كانت تعد علامات عبور إلى مرحلة النضج—الأسرة، الملكية، المبادرة—أصبحت الآن رهينة حسابات معقدة، يطغى عليها سؤال الاستقرار قبل سؤال الرغبة.

في هذا السياق، يتجلى أثر القلق الاقتصادي في القرارات الوجودية. الإنجاب لم يعد امتدادا طبيعيا للحياة، بل هو التزام طويل الأمد يتطلب يقينا مفقودا. المنزل لم يعد رمزا للرسوخ، بل مخاطرة مالية. والمشروع الخاص، الذي كان يحتفى به كتعبير عن روح المبادرة، أصبح احتمالا للفشل في بيئة غير مضمونة. هكذا يتحول المستقبل من مساحة لتحقيق الأحلام إلى مساحة لتأجيلها، ومن أفق مفتوح إلى منطقة انتظار.

جيل Z لا يضع الثروة أو المكانة الاجتماعية في صدارة تعريفه لـ"الحياة الجيدة"

ويمكن فهم هذا التحول بوصفه انتقالا من "أخلاق الطموح" إلى "أخلاق الحذر". في أخلاق الطموح، كان الفرد يسأل عن الكيفية التي يحقق بها النجاح ويوسع بها حدود المنطق. أما في أخلاق الحذر، فيتعلق السؤال بكيفية تجنب الخسارة وحماية النفس من السقوط. والطموح يفترض عالما قابلا للصعود، بينما الحذر يفترض عالما مهددا بالانكسار.

هذا التحول لا يعني غياب الأحلام، بل إعادة ترتيب أولوياتها. الطموح لم يختف، لكنه صار مشروطا بضمانات لا تتوفر بسهولة. ومع استمرار حالة الشك، تتشكل ذات تؤجل الالتزام، وتؤجل الاستقرار، وتؤجل حتى الفرح المؤجل ذاته. وهنا تظهر مفارقة جيل Z الذيي يمتلك وعيا عاليا بفرصه، لكنه يعيش تحت سقف منخفض من الثقة بالمستقبل.

لا أهمية للثروة

من اللافت أن جيل Z لا يضع الثروة أو المكانة الاجتماعية في صدارة تعريفه لـ"الحياة الجيدة". الأولوية، في تصوراتهم، ليست لتراكم الممتلكات، بل لتراكم التجارب، وليست للنفوذ، بل للعلاقات القوية، وليست للهيبة العامة، بل للمعنى الشخصي والوقت المخصص للهوايات. حتى امتلاك منزل أو إنجاب أطفال—وهما رمزان تقليديان للاكتمال الاجتماعي—لا يعدان ضروريين لدى نسبة كبيرة منهم. هنا لا يتغير سلم الأولويات فحسب، بل يتغير تعريف الاكتمال ذاته.

ويمكن قراءة هذا التحول بوصفه انتقالا من "اكتمال خارجي" يرتكز على الاعتراف الاجتماعي بالنجاح وتحقيق معايير الجماعة، إلى "اكتمال داخلي" ينبع من شعور الانسجام مع الذات والعيش وفق القيم الخاصة وامتلاك الوقت.

هذا التحول قد يفهم كاستجابة دفاعية لعالم غير مستقر. إذا كان الاقتصاد هشا، وسوق العمل متقلبا، والمستقبل مفتوحا على أزمات متلاحقة، فإن الرهان على المكانة يبدو مقامرة عالية الأخطار. ويمكن الثروة أن تتبخر، والوظيفة أن تفقد.

Reuters
شاب ينظر إلى الإعلانات المنشورة على حائط أحد الشوارع

نحن أمام نزعة إنسانية جديدة، تقلل شأن المكانة الاجتماعية بوصفها معيارا وحيدا للقيمة، وتعظم الروابط والرفاه الذاتي بوصفهما جوهر الحياة الجيدة. إنها نزعة تعيد الإنسان من هامش النظام الاقتصادي إلى مركز تجربته الخاصة. وإذا كانت الحداثة قد بشرت بفرد يصنع ذاته عبر الإنجاز، فإن هذا الجيل يبشر بفرد يصون ذاته عبر المعنى.

غير أن هذه النزعة تحمل مفارقتها الخاصة. فبينما تسعى إلى التحرر من ضغط المكانة، فإنها تظل مشروطة بحد أدنى من الاستقرار يسمح بمساحة للبحث عن المعنى. ومع ذلك، يظل التحول دالا: إنه تعبير عن وعي جديد يرى أن الاكتمال لا يقاس بما نملك، بل بما نشعر به. لا بحجم البيت، بل بعمق الطمأنينة. لا بعدد الإنجازات، بل بدرجة الانسجام الداخلي.

تكشف الدراسات النوعية عن تحول دقيق لكنه عميق في المزاج السياسي، من القلق إلى السخرية. في البدايات، كان الخوف مقرونا بإيمان نسبي بإمكان الفعل والاحتجاج، والتنظيم، والضغط العام، والتصويت—كأن القلق نفسه كان وقودا للتغيير.

غير أن تراكم الأزمات، وتكرار الإحساس بعدم الاستجابة، ولد شعورا متزايدا بأن النظام مغلق، وبأن السياسة تتحرك بمنطقها الخاص، بعيدا من إرادة الأفراد. هنا لا يختفي الوعي بالخطر، بل يتبدل شكله: من قلق يريد أن يفعل، إلى سخرية تشك في جدوى الفعل.

حين يرتفع إدراك الخطر وتنخفض الثقة بالقدرة على التغيير، تتشكل أزمة فاعلية. الفاعلية ليست مجرد القدرة الموضوعية على التأثير، بل الإحساس الداخلي بأن فعلي يحدث فرقا. وعندما يتآكل هذا الإحساس، يبحث الوعي عن آلية توازن. وتظهر السخرية كاستراتيجيا نفسية-ثقافية لحماية الذات من الإحباط المتكرر.

تلخص عبارة العيش داخل الأخطار، لا خارجها، روح جيل Z الذي لا ينتظر عالما خاليا من الأزمات كي يبدأ حياته، بل يحاول التكيف مع عالم يعترف بأنه غير مستقر بطبيعته

والسخرية، في هذا المعنى، ليست لامبالاة. اللامبالاة فراغ، أما السخرية فامتلاء بوعيٍ موجوع. إنها تقول ضمنا: "أفهم ما يحدث، لكنني لم أعد أؤمن بأن مشاركتي ستغيره."". إنها موقف نقدي مشبع بالمرارة، يشي بإحباط عميق لا بعدم اكتراث. لذلك تنتشر السخرية غالبا في البيئات ذات الوعي المرتفع، لا في البيئات المنقطعة عن الشأن العام. إنها علامة على خيبة الأمل أكثر مما هي علامة على الجهل.

يمكن فهم هذا التحول عبر مفهوم العبث كما صاغه ألبير كامو: التوتر بين توق الإنسان إلى المعنى واستجابة العالم الصامتة. في الحالة السياسية، يتجسد العبث في الفجوة بين الرغبة في التغيير وبنية تبدو عصية على التبدل. ويدرك الفرد حجم الخطر، ويدرك في الوقت نفسه محدودية تأثيره. هذه الازدواجية تولد شعورا باللاجدوى المحتملة، لا كحقيقة نهائية، بل كاحتمال ثقيل..

لكن السخرية تحمل مفارقة مزدوجة. فهي من جهة تحمي الذات من الانكسار، ومن جهة أخرى قد تعمق أزمة الفاعلية عبر تطبيع الشك. حين تصبح السخرية اللغة السائدة، قد يتحول النقد إلى أداء، والغضب إلى محتوى، والاحتجاج إلى رمز. وهنا يتعرض الفعل لخطر التحول إلى محاكاة. غير أن الإمكان لا يختفي بالكامل. فالسخرية نفسها قد تكون مرحلة انتقالية، استراحة دفاعية قبل استعادة شكلٍ جديد من الفاعلية—أكثر واقعية، أقل مثالية، لكنها أشد صلابة.

العيش داخل الأخطار

تلخص عبارة العيش داخل الأخطار، لا خارجها روح جيل Z الذي لا ينتظر عالما خاليا من الأزمات كي يبدأ حياته، بل يحاول التكيف مع عالم يعترف بأنه غير مستقر بطبيعته. إنه جيل تعلم مبكرا أن الأزمات ليست استثناء، بل جزء من الإيقاع العام.

هذا الوعي يولد نوعا من البراغماتية الوجودية: الاستمرار رغم عدم اليقين. بدل البحث عن يقين مطلق، يبحثون عن مهارات مرنة، ومسارات قابلة للتعديل، وخيارات مفتوحة. هنا يصبح التكيف فضيلة مركزية.

في هذا السياق، يمكن فهم قرارات تأجيل الزواج أو الإنجاب أو شراء منزل ليس كعلامة على التشاؤم، بل كاستراتيجيا عقلانية في مواجهة واقع اقتصادي مضطرب. إنهم لا يرفضون هذه الخيارات مبدئيا، بل يعيدون توقيتها وفق شروط يرونها أكثر أمانا.

لذاـ لا يرى جيل Z المستقبل حلما ورديا، ولا كابوسا حتميا، بل مشروع مفتوح على الأسئلة. وهذا الانفتاح هو جوهره. إنهم يدركون أن العالم ليس ثابتا، وأن المسارات ليست مضمونة، لكنهم لم يتخلوا عن فكرة إمكان بناء حياة ذات معنى.

font change