الحريري العائد من الماضي للمستقبل

كان رفيق الحريري فاتحة لزمن جديد، لكن سوريا الأسد و"حزب الله"، لم يحتملا أن يكون هناك رجل يستقل بإدارة الدولة ويحميها،

الحريري العائد من الماضي للمستقبل

استمع إلى المقال دقيقة

يقول المؤرخ اللبناني كمال صليبي (1929-2011) في كتابه "منطلق تاريخ لبنان": إنّ اللبنانيين اعتادوا اختراع الأساطير ليعيشوا عليها وليفسروا وجودهم ووجود وطنهم وكيانيتهم، وهذه الأساطير متعددة ومختلفة، واحدة في زمن التكوين ومتعلقة بأزلية الكيان اللبناني، فتجعل للبنان تاريخا يعود لقدم عهده إلى أول ظهور للبشر على وجه الأرض. وأساطير لبنان الملجأ للهاربين من أخطار الاضطهاد. وأسطورة لبنان العربي ضد جور مملوكي عثماني، وهو زمن لم يكن فيه وعي لأي نوع من الوعي للفارق العنصري بين الأتراك والعرب. وأسطورة لبنان بتاريخه الخاص "تاريخ المتصرفية" 1861 أو تاريخ دولة لبنان الكبير 1920. وهناك أساطير الطوائف وهي صغرى. ويخلص صليبي للقول: "والواقع أن أصحاب الأساطير يخادعون الناس ولا يخادعون إلا أنفسهم".

وفي العقود الأربعة الأخيرة، تجمعت كل تلك الأساطير، خطابا ووعيا وتخيلا، وكانت الحقيقة الواحدة التي حاولت إنقاذ لبنان هي "اتفاق الطائف" 1989 الذي عبّر عن دعم وصدق سعودي وعربي في إنهاء المعضلة اللبنانية، وأدخلها زمنا جديدا، ليتحول صمود الاتفاق وبقاؤه لاحقا بعد تغلغل إيران وتحكمها بالدولة، إلى أمنية يحتاج الجميع إلى التمسك بأهدابها.

كان "اتفاق الطائف" أكثر من ولادة جديدة، لكي يحيا الوطن من جديد بعد سنوات طويلة من الحرب والصراع انتهت بإنجاب زعامة جديدة سميت فيما بعد "الحريرية السياسية"، تلك حقبة عدّلت الخرائب والدمار إلى الإعمار والبناء، وقدمت رفيق الحريري كمقَدَم عن سنة لبنان ورجل للكل.

وحين نقول مُقَدما، فإن العارفين بتاريخ لبنان يعرفون أن الزعامات المحلية ونظام الوجاهة الموروث من مُقَدَمي القرى إلى مُقَدَمي الموارنة في منطقة بشري وغيرها، كان البديل الموضوعي لمسألة فراغ السلطة وغياب الدولة. وقد استطاع الراحل الشهيد رفيق الحريري أن يُحدث بلدا جديدا قبل أن يبني السنّة من جديد ويستعيد مكانتهم. وعوّض لبنان فواتا تاريخيا مّر به بعد كل الصراعات والحروب الطاحنة.

الشهيد الحريري جعل لبنان مُقدما فوق أي اعتبار أو ولاء، ليشكل اغتياله في 14 فبراير 2005 زلزالا مدمرا، وارتدادا للفوضى وارتقاءً للوسطاء، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها نهاية الوصاية السورية

كان رفيق الحريري فاتحة لزمن جديد، لكن سوريا الأسد والذراع الإيرانية التابعة (حزب الله)، لم يحتملا أن يكون هناك رجل يستقل بإدارة الدولة ويحميها، ويعيد للوطن حقبه جديدة تتعدى كونه كيانا وطنيا منهوبا. إلى أن يكون بتعبير كمال صليبي مرة أخرى "بيتا بمنازل كثيرة". حدث ذلك منذ أن علق لبنان منذ عام 1975 كمضرب مثل للفوضى والعنف أو للوئام تحت سقف واحد.
على أنقاض الفوضى، جاء الحريري الأب. كما يعود الحريري الابن اليوم، مطلا على جمهوره السياسي بعد احتجاب لنحو أربع سنوات، وبعد تقليل شأن الدولة قبل الطائفة السنية ونهب البلاد وانكشاف البنك المركزي وتفجير الصوامع الشهير، وسقوط قادة "الحزب" الذي لم يتعدَ كونه إلّا طرفا اصطناعيا مشوها، لكنه حين سقط القلب اللبناني بداء الغلبات وصراعاتها، تصرّف كطرف بديل وصار يحدد سقف الدولة والوزارات بثلثه المعطل، وبتحالف مع رئيس مجلس نواب متضامن نوعا ما مع طائفته، ومصرّ على امتلاك ورقة الجوكر في لعبة الورق الوطني. لكن الابن سعد لم يكن قادرا ولا تياره على مقارعة "الحزب" وإيران ولا حلفائهما.
 ومع أن الأب كرّس الحرية السياسية مع تولي رئاسته الأولى عام 1992 وحاول إخراج البلد من الفوضى، فإن البعض رأى أن الطائفة السنيّة بصلاحياتها في عهد الأب مُنحت صلاحيات على حساب الرئاسة المارونية وأبناء الطائفة، فكان التململ واضحا لكن البلد كان متماسكا.
ومع ذلك، فإن الشهيد الحريري جعل لبنان مُقدما فوق أي اعتبار أو ولاء، ليشكل اغتياله في 14 فبراير/شباط 2005 زلزالا مدمرا، وارتدادا للفوضى وارتقاءً للوسطاء، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها نهاية الوصاية السورية، لكن في المقابل تمدد "حزب الله" وهيمن على قرارات الدولة وأوجد جمهورية جديدة عنوانها المخدرات.

سيصافح الحريري الابن الرئيس الشرع في دمشق قريبا، وهذه المرة ليس على دم والده كما فعل مع بشار عام 2009، بل هي عودة جديدة من زمن راهن، لاستعادة ماضٍ ووطن

وفي تلك اللحظة أتى الشيخ سعد الحريري كخيار ضرورة للإبقاء على الإرث العائلي وللحفاظ على مكتسبات الطائفة السنيّة، وورث الابن وضعا وطنيا معقدا وصراعات داخلية، أنهكته وتياره مع وصول ميشال عون للرئاسة، واستعار الأزمات الاقتصادية المتراكمة، وصولا إلى نقطة اللاعودة عام 2019، حيث أخذت الحريرية تواجه سؤال البقاء. خاصة بعدما لم يعد بإمكان الابن أن يحافظ على إرث الأب في الرعاية التي منحتها المملكة العربية السعودية للبنان أولا ولرفيق الحريري ثانيا.
عام 2020 كان انفجار مرفأ بيروت ضربة قاسية للدولة اللبنانية، إذ عكس بوضوح الضياع اللبناني وفقدان السيادة في كل شيء، ليعود شعار الشباب اللبناني الساخط على سوء الأوضاع طيلة الاحتجاجات بين عامي 2015-2019، مختزلا المشهدية السياسية في عبارة "كلن يعني كلن"، ليعبر عن إجماعٍ لبنانيٍ على فساد جميع الطبقة السياسية التي طالب الشباب بإسقاطها. وبعد عامين من زمن الجائحة الكبرى "كورونا"، أعلن الشيخ سعد عام 2022 تعليق العمل السياسي، فعَلِق لبنان بالمزيد من الفوضى، ثم جاءت حرب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما نتج عنها من توريط للبنان في الحرب، وخيارات فادحة نتيجة استخدام إيران لـ"الحزب" ولـ"حماس" معا.
في الذكرى الحادية والعشرين لاستشهاد رفيق الحريري، أعلن الابن ملمحا بعودة "تيار المستقبل"، وأنه سيخوض الانتخابات المقبلة في مايو/أيار المقبل، وأن لديه موعدا مرتبا مع الرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق، والشرع قال مرارا إنه "لن يفتح الماضي والدم مع لبنان. وأن (حزب الله) أوغل بدماء السوريين استجابة لنداء قاسم سليماني. وأن بناء سوريا الجديدة لن يكون بفتح المزيد من القبور". والشرع عاقل في ذلك وينشد للبنان الخلاص من الفوضى.
سيصافح الحريري الابن الرئيس الشرع في دمشق قريبا، وهذه المرة ليس على دم والده كما فعل مع بشار عام 2009، بل هي عودة جديدة من زمن راهن، لاستعادة ماضٍ ووطن، وليس مجرد إرث أب ولا تمثيلا للطائفة السنية فحسب، بل من أجل المستقبل الوطني، وعودة الحياة بعد سقوط أذرع الولي الفقيه في المنطقة، وبوجود رئيس لبناني قادم من ثكنات الجيش ويحترم استقلال وطنه.

font change