صيف انتخابي ساخن في الجزائر... المعارضة تعود إلى البرلمان

نهاية سياسة "الكرسي الشاغر"

أ ف ب
أ ف ب
مجلس الأمة الجزائري، أو البرلمان، منعقد في الجزائر العاصمة، يوم الأربعاء، 2 سبتمبر 2015.

صيف انتخابي ساخن في الجزائر... المعارضة تعود إلى البرلمان

يوما بعد يوم يتأكد للمحللين السياسيين والخبراء والمهتمين بالشأن العام بالإضافة إلى وسائل الإعلام في الجزائر، أن الانتخابات النيابية المنتظر تنظيمها في منتصف السنة القادمة تختلف كثيرا عن سابقتها مع عودة أحزاب "التيار الوطني الديمقراطي" إلى الاستحقاق وتخليها عن سياسة الكرسي الشاغر التي تبنتها في أول انتخابات تشريعية في عهد الرئيس عبد المجيد تبون، لتجديد نواب المجلس الشعبي الوطني (الغرفة السفلى للبرلمان).

تأتي كل من "جبهة القوى الاشتراكية" (حزب سياسي جزائري معارض تأسس بعد استقلال البلاد، دأب على مقاطعة معظم الانتخابات)، و"حزب العمال" (حزب سياسي معارض تقوده الزعيمة اليسارية لويزة حنون)، و"حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية" (حزب سياسي جزائري علماني معارض)، في صدارة التشكيلات السياسية التي قررت العودة إلى المشاركة في الانتخابات المقررة منتصف 2026، وهي نفسها التي قاطعت انتخابات يونيو/حزيران 2021 رفقة 3 أحزاب أخرى وهي كل من: "الحركة الديمقراطية الاجتماعية"، و"حزب العمال الاشتراكي"، و"حزب الاتحاد من أجل التغيير والتقدم"، بسبب تخوفها من المقاطعة الشعبية من جهة لأنها كانت الأولى من نوعها منذ بداية الحراك الشعبي ووصول الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى سدة الحكم في البلاد، ومن تضييع ما تبقى لها من وعاء انتخابي ورصيد سياسي من جهة أخرى.

يتضح من خلال المسوغات التي ساقتها المعارضة لتبرير قرار المشاركة في الانتخابات أنها ركزت على إعادة الاعتبار لمعنى التمثيل الانتخابي، وإعادة الكلمة للشعب باعتباره المصدر الأول والأخير للشرعية

نهاية "الكرسي الشاغر"

ورغم أن هذه الأحزاب دأبت على المقاطعة الانفرادية في استحقاقات انتخابية سابقة، فإنها وللمرة الأولى غابت كلها مجتمعة عن موعد انتخابي بهذا العدد والكم في العام 2021 وهو ما شكل ضربة موجعة لشرعية البرلمان الجزائري، كونها قضت بشكل شبه كلي على مبدأ الرأي والرأي الآخر والذي يعتبر جزءا صحيا لتقويم المسار العام وإثراء النقاش، فمن بين كل الأحزاب السياسية المشاركة في هذه الانتخابات هناك حزب واحد يمكن تصنيفه في خانة المعارضة ويتمثل في "حركة مجتمع السلم الجزائرية" أكبر حزب إسلامي في البلاد، تأسس مطلع تسعينات القرن العشرين، وقد سجل حضوره في معظم الاستحقاقات الانتخابية، وشكل مفاجأة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة بتقدمه الملحوظ على "التجمع الوطني الديمقراطي"، إذ حصل على 65 مقعدا أي ما يعادل 15.72 في المئة، وجاء مسبوقا بـ"جبهة التحرير الوطني" الذي فاز بـ98 مقعدا برلمانيا، واحتل المـرشحون المستقلون ضمن القوائم الحرة المركز الثاني بـ84 مقعدا، ثم الحزب الإسلامي "حركة مجتمع السلم" بـ68 مقعدا، بينما توزعت باقي المقاعد على عشرة أحزاب أخرى، وهو ما جعل هذا البرلمان من أكثر البرلمانات الجزائرية تميزا وفرادة.

أ ف ب
يتجمع الرجال بالقرب من لافتة تشجع الناس على التصويت في الانتخابات الرئاسية الجزائرية في وسط الجزائر العاصمة في 5 سبتمبر 2024.

ويتضح من خلال المسوغات التي ساقتها المعارضة لتبرير قرار المشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة، بعدما قاطعت غالبيتها انتخابات يونيو 2021، أنها ركزت على إعادة الاعتبار لمعنى التمثيل الانتخابي، وإعادة الكلمة للشعب باعتباره المصدر الأول والأخير للشرعية والسعي من أجل تقديم بديل سياسي حقيقي للشعب وهو طريق نحو التغيير السلمي والديمقراطي عبر مؤسسات تمثيلية حقيقية. وتتمحور رؤية "التيار الديمقراطي" حاليا حول حزمة إصلاحات توصف بـ"الجوهرية" تبدأ بتوسيع هامش الحرية الإعلامية والسياسية، وتكريس استقلال السلطة القضائية وإرساء معالم حوار وطني جاد لتحصين البلاد من التدخلات الأجنبية والقضاء على جميع محاولات زرع الفتنة بين أبناء الشعب، ودون توفر هذه الشروط يحذر قادة هذا التيار من "تحول الانتخابات إلى مجرد إجراء بروتوكولي يفتقر إلى الجوهر وعاجز على تخطي هاجس المقاطعة الشعبية الواسعة.

المعارضة الجزائرية أصبحت أكثر وعيا بحدود الفعل الاحتجاجي خارج المؤسسات لا سيما في ظل تحولات البيئة الإقليمية وتزايد الرهانات المرتبطة بالاستقرار السياسي

إن المعاينة الأولية لطبيعة الأحزاب التي ستشارك في الانتخابات المقبلة تفرض ضرورة ملحة لطرح أسئلة مهمة مثل: ما الذي تغير حتى تغيرت لهجة المعارضة بخصوص الانتخابات؟ وما الذي يميز الانتخابات التشريعية لهذه المرة؟ وما هي الخريطة السياسية الجديدة التي ستفرزها؟ وهل سيشهد البرلمان الجزائري المقبل فسيفساء سياسية؟

خلفيات وأبعاد

يرى الدكتور حكيم سمير، المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة غرداية في حديثه لـ"المجلة" أن "الخطاب السياسي للمعارضة أصبح يتسم باللين، إذ أصبحت انتقاداتها تركز على الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي أكثر من البعد السياسي، وما يمكن استخلاصه هو أن المعارضة لم تبق بتلك الشراسة التي كانت عليها من قبل".

وهناك مجموعة من الأسباب والعوامل الملحة التي تقف وراء تغيير ملامح الخطاب السياسي وفي مقدمة هذه الأسباب نجد: سياسة الانفتاح و"لم الشمل" التي تبنتها إدارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون كنهج لكسر الجمود السياسي متضمنة حوارات دورية مع قوى المعارضة حتى الراديكالية المناوئة للخيارات السياسية للسلطة، ونذكر على سبيل المثال: "جبهة القوى الاشتراكية" التي قاطعت سابقا الانتخابات الرئاسية والاستفتاء على الدستور والانتخابات البرلمانية الماضية و"حزب العمال". ويقول الدكتور حكيم سمير إن "المعطيات الحالية تشير إلى أن أحزاب المعارضة قد فهمت الرسالة واتجهت نحو المشاركة في الانتخابات البرلمانية باعتبار أن المشاركة السياسية هي حجر الزاوية في بناء الديمقراطية".

 أ ف ب
يسير الناس عبر ساحة رئيسة في العاصمة الجزائر في 15 سبتمبر 2024.

ومالت قراءة الدكتور تلي عبد الله، الأستاذ في كلية الحقوق والعلوم السياسية في جامعة أبو بكر بلقايد– تلمسان– إلى اعتبار أن "المعارضة الجزائرية أصبحت أكثر وعيا بحدود الفعل الاحتجاجي خارج المؤسسات لا سيما في ظل تحولات البيئة الإقليمية وتزايد الرهانات المرتبطة بالاستقرار السياسي". أما العامل الآخر فهو مرتبط بالسياق السياسي والمؤسساتي، ويقول عبد الله لـ"المجلة": "يوجد ارتياح في صفوف المعارضة السياسية بناء على مؤشرات إيجابية، وهذا الارتياح مرتبط بعدم انحياز السلطة للحزبين المعهودين: (جبهة التحرير الوطني)، و(التجمع الوطني الديمقراطي)، اللذين يهيمنان تاريخيا على المؤسسات المنتخبة وهو ما يعني انتهاء منطق المحاصصة السياسية والكوتا التي كانت سائدة في وقت سابق".

من المؤكد أن المشاركة ستضفي قدرا من المصداقية على الانتخابات المقبلة لا سيما وأن هذه الأحزاب تعتبر من أقدم وأعرق الأحزاب السياسية المحسوبة على المعارضة

وبرز الارتياح الحزبي في مشاركة قادة الأحزاب السياسية في لقاءات الحوار السياسي التي يقوم بها الرئيس عبد المجيد تبون بين الحين والآخر وأيضا في التوافق على الخطوط العريضة التي جاء بها التعديل التقني للدستور والقانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات والتي تهدف في مجملها إلى "إصلاح حوكمة المنظومة الانتخابية" و"تعزيز التشاركية".

رهان السلطة على المصداقية

ومن شأن عودة هذه الأحزاب المعارضة إلى البرلمان، تعزيز صف المعارضة الجزائرية الذي يشغله في الوقت الحالي حزب وحيد وهو "حركة مجتمع السلم" التي تضم 65 نائبا في البرلمان من مجموع 407 نواب، والمرجح حسب الدكتور عبد الله "الاتجاه نحو تعددية أكبر داخل البرلمان مع إمكانية بروز فسيفساء سياسية ناتجة عن توازن بين الأحزاب التقليدية والقوى السياسية الصاعدة والمستقلين".

ومن المؤكد أيضا أن هذه المشاركة ستضفي قدرا من المصداقية على الانتخابات المقبلة لا سيما وأن هذه الأحزاب تعتبر من أقدم وأعرق الأحزاب السياسية المحسوبة على المعارضة وهي تمثل "التيار الديمقراطي" في المشهد الحزبي الجزائري، وبناء عليه يمكن القول إن المقاطعة كما حدث في الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 12 يونيو 2021 شكلت رسالة سياسية قوية ضربت شرعية العملية الانتخابية وأضعفت التعددية الفعلية بسبب غياب شرط المنافسة، فمن بين كل الأحزاب التي شاركت في الانتخابات يوجد حزب واحد فقط يمكن تصنيفه في خانة المعارضة. ويؤكد عبد الله أن "السلطة السياسية تسعى جاهدة لتعزيز مصداقية المؤسسات المنتخبة في ربطها أكثر بالمجتمع السياسي والانتخابي وتشجيع التعددية المنظمة بدل التعددية غير المؤثرة، كما أن السياق الجيوسياسي أصبح أكثر تأثيرا حيث أصبحت الاستحقاقات مرتبطة بصورة الدولة خارجيا".

لكن المهمة لن تكون هينة بالتأكيد فالأحزاب والسلطة معا سيواجهان صداعا حادا يتمثل في حجم المقاطعة التي تدنت بشكل قياسي في الانتخابات الماضية إذ لم تتجاوز 23 في المئة، كما شهدت منطقة القبائل للمرة الثانية مقاطعة شاملة.

font change