عندما أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع عفوا عاما مع بداية شهر رمضان الكريم، لم يقتصر أثر المرسوم على إفراغ السجون فحسب، بل أثار واحدا من الإشكالات الدستورية الكبرى في المرحلة الانتقالية في سوريا.
قدّمت الحكومة المرسوم باعتباره خطوة إنسانية وضرورية. فالسجون مكتظّة، والمحاكم مثقلة بقضايا عالقة منذ سنوات، فيما لا تزال التوترات الاجتماعية قائمة في دولة تسعى إلى ترسيخ السلطة عقب الاضطرابات. وفي ظل هذه الظروف، صُوّر العفو على أنه خطوة لتحقيق الاستقرار، تهدف إلى تخفيف الضغط عن مؤسسات لم تُستكمل إعادة بنائها بعد.
لكن الجدل الذي أعقب ذلك لم يتمحور حول المستفيدين، بل حول حدود السلطة الدستورية. فهل يمكن لضرورات المرحلة الانتقالية أن تُبرّر اتخاذ إجراءات تنفيذية تتجاوز الصلاحيات الممنوحة صراحةً في الإعلان الدستوري الصادر في مارس/آذار 2025؟ وبصورة أكثر تحديدا، هل يحقّ للرئيس أن يطالب بصلاحيات يُنيطها النص بفرع آخر من فروع السلطة؟
إذا كان من المقرر أن يشكّل الإعلان الدستوري السوري أساسا لنظام جديد، فلا يمكن التعامل مع توزيع السلطة فيه بوصفه أمرا مؤقتا. فالدستور الذي يلين كلما تعثّرت المؤسسات يُخاطر بفقدان هيبته في اللحظة التي يُفترض أن يُرسّخها فيها.
يبدو المرسوم، ظاهريا، متزنا؛ إذ يخفّف أحكام السجن المؤبّد إلى عشرين عاما، ويلغي العقوبات المفروضة على الجنح والمخالفات البسيطة، ويسقط بعض العقوبات الاقتصادية والجنائية. كما يستثني الجرائم التي تنطوي على "انتهاكات جسيمة بحقّ الشعب السوري"، فضلا عن جرائم التعذيب والإتجار بالبشر واختلاس الممتلكات العامة.
وعلى الرغم من أن بعض هذه الخيارات الجوهرية أثارت بعض التساؤلات، فإن النقاش الأكثر حدّة كان ذا طابع مؤسسي. فمن يملك صلاحية إصدار عفو عام بموجب الإعلان الدستوري الصادر في مارس/آذار 2025؟
ويرى كثير من المحامين السوريين أن الرئيس تجاوز صلاحياته. فالمادة 40 تُخوّل الرئيس منح عفو خاص، من دون أن تشير إلى العفو العام. أما المادة 30 فتُخوّل مجلس الشعب اقتراح القوانين وسنَّها، بما في ذلك قوانين العفو العام. ويرى المنتقدون أن الفارق واضح: فالعفو الخاص إجراءٌ تنفيذي يُطبَّق على الأفراد، بينما يُعدّ العفو العام إجراء تشريعيا. ومن هذا المنطلق، يُقال إن المرسوم يتجاوز حدود الدستور.
وتدافع وزارة العدل عن القرار باعتباره قانونيا وضروريا. ويقول وزير العدل مظهر الويس، إن الإعلان الدستوري وإن لم يمنح الرئيس صراحة صلاحية إصدار عفو عام، فإنه لا يحظر عليه ذلك على نحو واضح أيضا... ويستند الوزير في دفاعه إلى نصوص في قانون العقوبات السوري النافذ، وإلى ما يصفه بالعرف الدستوري الذي- على حد تعبيره- يجيز للرئاسة ممارسة هذه الصلاحية في حال عدم انعقاد المجلس التشريعي.
على نطاق أوسع، يُؤطِّر الويس القضية بوصفها مسألة بقاء. فالحكم الانتقالي، من وجهة نظره، لا يمكنه التوقف بانتظار اكتمال نضوج مؤسسات لم تستكمل بعد. فالسجون المكتظة والمحاكم المتعثرة تتطلب حلولا فورية. ومن هذا المنظور، فإن مرونة السلطة التنفيذية لا تُعد تجاوزا للصلاحيات، بل شرط أساسي للحفاظ على النظام.
كما استند في دفاعه إلى مفهوم الشرعية الثورية، محاججا بأن سوريا لم تبلغ بعد مرحلة الاستقرار الدستوري الكامل التي تستوجب التقيّد التام بإجراءات زمن السلم. فالمرحلة الانتقالية، برأيه، تتطلب استجابات عملية تُعطي الأولوية للمصلحة العامة على حساب الإجراءات الرسمية الصارمة.
يرى خبراء القانون الدستوري وعدد من أعضاء لجنة الصياغة المسألة من زاوية مختلفة. فبالنسبة إليهم، قد انتهت مرحلة الشرعية الثورية مع اعتماد الإعلان الدستوري في مارس/آذار 2025. ومنذ تلك اللحظة، دخلت سوريا في نظام دستوري مؤقت لكنه ملزم، وأصبحت ممارسة السلطة مقيدة بالنصوص الدستورية التي تحكمها.
فور وجود إطار رسمي، يجب أن يخضع منطق الاستثناء لمنطق القواعد. ويرى القانونيون أن غياب السلطة التشريعية أو الفراغ التشريعي لا يمنح السلطة التنفيذية صلاحية ممارسة اختصاصات لم تُمنح لها صراحة بموجب الدستور.
ويشيرون أيضا إلى المادة 41، والتي تمنح الرئيس صلاحية اتخاذ تدابير استثنائية في حال وجود تهديد جسيم لوحدة الدولة أو سير مؤسساتها. غير أن هذه الآلية تستلزم إعلانا رسميا لحالة الطوارئ، وإذا ما طُبقت على نحو سليم، فقد توفر مسارا قانونيا لاتخاذ إجراءات تشريعية مؤقتة. لكن مرسوم العفو لم يُصغ في إطار هذه المادة، ولم يُستند إليه كأساس قانوني للقرار.
يرى النقاد أن هذا الإغفال يمثل نقطة جوهرية، فحتى لو أمكن تبرير نتائج القرار سياسيا، فإن تجاوز الآلية الدستورية المقررة يقوض الإطار القانوني الذي وُضع أصلا لتوجيه المرحلة الانتقالية وضبط إيقاعها.
قد يتضح لاحقا أن العفو لم يكن سوى معالجة ظرفية لتعثر المؤسسات. وقد يكون مؤشرا إلى مسار أوسع، تصبح فيه القيود الدستورية موضع تأويل بحسب الحاجة
وغالبا ما تعمل الحكومات الانتقالية ضمن مساحات رمادية، حيث المؤسسات هشة والضغوط السياسية شديدة، وهو الأمر الذي يجعل بعض الارتجال أمرا لا مفر منه.
لكن شرعية النظام السياسي الجديد لا تُبنى على قدرته على الارتجال بقدر ما تقوم على التزامه بالقواعد التي أعلنها. فإذا جرى تجاوز الحدود الدستورية كلما تعثرت المؤسسات، فإن هذه الحدود تفقد قوتها الملزمة تدريجيا، وتتحول إلى مجرد حبر على ورق.
يتفاقم هذا القلق على نحو خاص في سوريا، التي تخرج من عقود من احتكار السلطة التنفيذية. فحتى التدابير المصممة بعناية قد تثير القلق إذا بدت وكأنها تتجاوز الضوابط الدستورية. وفي هذا السياق، لا تُعدّ هذه الإجراءات مسألة شكلية فحسب، بل جزء من الوعد بأن النظام الجديد سيختلف عن القديم.
لا يكمن السؤال في ما إذا كان العفو سيخفّف اكتظاظ السجون أو يقلّل التوترات على المدى القصير، بل في ما إذا كان يعزّز أو يضعف مبدأ ضرورة عمل السلطة السياسية ضمن حدود واضحة.
ولا تلغي الضرورة القيود الدستورية، بل تختبرها. والحل الهيكلي للفراغ التشريعي في سوريا لا يكمن في توسيع نطاق النص الدستوري لتلبية الاحتياجات الآنية، بل في تسريع تشكيل سلطة تشريعية فاعلة قادرة على معالجتها. ويتطلّب ذلك أيضا محكمة دستورية عليا فاعلة ومستقلة، مخوّلةً بالفصل في النزاعات والحفاظ على التوازن بين سلطات الدولة.
تسابق الفترات الانتقالية الزمن، ولذلك تتخذ القرارات على عجل. غير أن الاستعجال لا يُعفي القادة من الالتزام بربط أفعالهم بالإطار الدستوري الذي أقرّوه.
قد يتبيَّن في نهاية المطاف أن العفو مجرد استجابة معزولة للتأخير المؤسسي، أو قد يرسِّخ نمطا تُعامل فيه القيود الدستورية على أنها قابلة للتفاوض. وسيُحدِّد هذا الاختلاف ما إذا كان الانتقال في سوريا سيترسَّخ في حكم قائم على القواعد، أم سينزلق مجددا نحو هيمنة السلطة التنفيذية.
وقد يتضح لاحقا أن العفو لم يكن سوى معالجة ظرفية لتعثر المؤسسات. وقد يكون مؤشرا إلى مسار أوسع، تصبح فيه القيود الدستورية موضع تأويل بحسب الحاجة. والفارق بين الاحتمالين سيحسم ما إذا كان الانتقال السوري سيتجه نحو حكم قائم على القواعد، أم نحو هيمنة السلطة التنفيذية.