في كل بلد عربي، هناك لحظة يكشف فيها الاقتصاد حقيقة السياسة، وفي الأردن جاءت هذه اللحظة مع قانون الضمان الاجتماعي، لأن النقاش هنا لا يدور حول أرقام جامدة، بل حول فكرة الدولة نفسها، هل الدولة عقد ثقة طويل مع مواطنيها أم إدارة أزمة مؤقتة، وهل العدالة بين الأجيال شعار أم حساب حقيقي لا يجامل أحدا؟
الجدل الأخير حول تعديل القانون لم يكن مفاجئا لمن قرأ الأرقام ببرود، فالدراسات الاكتوارية قالت منذ سنوات إن المسار الحالي لا يمكن أن يستمر، وإن التقاعد المبكر حين يتحول من استثناء محدود إلى قاعدة واسعة يصبح استنزافا صامتا لأموال الأردنيين، لأن سنوات الصرف تتمدد وسنوات الاشتراك تتقلص، فيدفع الأبناء ثمن قرار لم يشاركوا فيه، وهذا ليس تضامنا اجتماعيا بل نقل ديون من جيل إلى جيل.
في العالم العربي عموما، تحب السياسة القرارات الشعبية، لأنها تشتري هدوءا سريعا، لكن الضمان الاجتماعي لا يحتمل هذه الرفاهية، لأنه صندوق أجيال لا صندوق حكومة، وإذا سمحت الدولة بأن يتحول التقاعد المبكر إلى عرف واسع فإنها تقايض المستقبل بالحاضر، وهذا ما أدركته الحكومة الأردنية أخيرا، لذلك يمكن أن تعدل الصياغات وتوسع الفترات الانتقالية، لكنها لن تتراجع عن الفكرة الأساسية، وقف النزيف قبل أن يصل الصندوق إلى لحظة لا يمكن فيها إنقاذه.
مصادر مطلعة في عمان تقول إن تدخل رئيس الوزراء أعاد النقاش إلى أرض الواقع، مراجعة للمسودة وتوضيح للحقوق، وليس تراجعا عن جوهر الإصلاح، لأن حماية أموال الضمان ليست خيارا سياسيا بل واجب وطني، ومع ذلك كشفت الأزمة خطأ مزمنا في إدارة السياسات العامة في المنطقة، تصريحات غير محسوبة تسبق القرار، ثم حملات تطمين متأخرة، بينما المطلوب رواية واضحة تشرح للناس الحقيقة قبل أن تتحول إلى خوف.
لكن الحقيقة التي لا يريد كثيرون سماعها هي أن وقف التقاعد المبكر وحده لا يكفي، لأن الاستدامة لا تبنى على شد الشروط فقط، بل على توسيع المداخيل، أي إدخال مزيد من العاملين والمنشآت إلى مظلة الضمان، وتقليل التهرب، وتشجيع الاقتصاد غير المنظم على الدخول إلى الضوء، وهذه معركة تشريعية واقتصادية لا تقل صعوبة عن تعديل القانون نفسه.
في الأردن كما في كثير من الدول العربية، القطاع الخاص يعيش بين ضغط الضرائب وارتباك القوانين وتقلب التعليمات
في الأردن كما في كثير من الدول العربية، يعيش القطاع الخاص بين ضغط الضرائب وارتباك القوانين وتقلب التعليمات، وعندما يشعر صاحب العمل أن كل تشريع جديد هو كلفة إضافية سيبحث عن طريق للالتفاف، أما حين يرى بيئة مستقرة وإجراءات واضحة وعدالة ضريبية، فإنه يدخل الضمان طوعا، وهنا تتحسن مداخيل الصندوق بطريقة صحية لا عبر الإكراه بل عبر الثقة، لأن الصناديق لا تعيش بالقوة بل بالمشاركة.
ومن الملفات التي يتحدث عنها الخبراء بهدوء، ولا تزال خارج النقاش العلني، مسألة توحيد مسارات التقاعد داخل الدولة بطريقة لا تراعي دائما خصوصية بعض المهن، فالمؤسسات العسكرية والأمنية، بطبيعة عملها ومخاطرها ودوراتها المهنية القصيرة، لا يمكن النظر إليها بمعايير الخدمة المدنية نفسها، لا من حيث سنوات الخدمة، ولا من حيث القدرة على الاستمرار في العمل، ولا من حيث متطلبات الأمن الوطني التي تفرض إحالات مبكرة أحيانا لأسباب تنظيمية لا شخصية، لذلك فإن أي إصلاح عميق للضمان يحتاج شجاعة فكرية تعترف بأن العدالة بين الأجيال، لا تعني مساواة شكلية بين وظائف مختلفة، بل بناء أنظمة فرعية تراعي خصوصية الجيش والأجهزة الأمنية، وتحمي حقوق منتسبيها دون أن تخل بتوازن الصندوق أو تخلط بين منطق الخدمة القتالية ومنطق الوظيفة المدنية.
وهذا يقود إلى فكرة الاشتراك الاختياري، لأن الاقتصاد العربي الجديد مليء بالعاملين المستقلين وأصحاب المشاريع الصغيرة، وهؤلاء لن يدخلوا الضمان إلا إذا شعروا بأن أموالهم تدار بشفافية، وأن عوائد الاستثمار حقيقية، وأن الحوكمة واضحة، لأن الاشتراك الاختياري قرار ثقة، قبل أن يكون قرارا ماليا، والثقة لا تصنعها القوانين وحدها بل تصنعها النتائج.
الضمان الاجتماعي ليس ملفا تقنيا بل مرآة لفكرة الدولة في العالم العربي كله، لأن الدولة التي لا تستطيع حماية صندوق تقاعد مواطنيها لن تستطيع حماية أي عقد اجتماعي آخر
في النهاية، الضمان الاجتماعي ليس ملفا تقنيا بل مرآة لفكرة الدولة في العالم العربي كله، لأن الدولة التي لا تستطيع حماية صندوق تقاعد مواطنيها لن تستطيع حماية أي عقد اجتماعي آخر، والإصلاح الحقيقي هنا ليس في إلغاء التقاعد المبكر فقط بل في بناء اقتصاد ينتج وظائف مستقرة، وتشريعات تشجع الاشتراك، وإدارة مالية شفافة تحترم كل دينار يدفعه عامل بسيط.
الأردن اليوم أمام امتحان هادئ لكنه عميق جدا، فإما طريق إصلاح حقيقي يوقف النزيف ويعيد بناء الثقة، وإما طريق مجاملة يشتري صمتا مؤقتا ويترك المشكلة تكبر في الظل، وفي بلد محدود الموارد واسع الطموح. لا رفاهية لقرارات شعبوية، لأن الضمان الاجتماعي ليس قانونا عاديا، بل ذاكرة تعب الأردنيين، وأمانهم في شيخوخة لم تأت بعد.