في مواجهة الذكاء الاصطناعي

في مواجهة الذكاء الاصطناعي

استمع إلى المقال دقيقة

"التقنية هي ميتافيزيقا العصر"، قال هايدغر في القرن الماضي، مضيفا أنها القدر الجبار الذي يحكم مصائر الإنسان في الأزمنة الحديثة، فمن جهة ثمة تحول جذري يكرّس نسيان الوجود، ومن جهة ثانية أمست التقنية جوهرا كطريقة كبرى للكشف، وليست أداة، بل هي في طليعة ما يصوغ ويحدّد ماهية الإنسان، في ما يشبه سخرية سوداء لانقلاب الرؤى، والقيم والمعنى، وبذا يكون زمن التقنية بحسب هايدغر هو السقف النهائي لمدار الميتافيزيقا، التي بدأت مع أفلاطون، مراكمة أشكالا عدمية في تاريخ الأفكار، أفرغت الوجود من معناه الأصلي.

في سنة 1997، شكلت المواجهة الشهيرة بين لاعب الشطرنج غاري كاسباروف، وبين نسخة متطورة من الحاسوب "ديب بلو" التي أنتجتها شركة "IBM"، مباراة الألفية الأولى، جمعت بين مقدرات عقل بشري بالغ الذكاء، ومقدرات آلة مبرمجة، انتصرت فيها هذه الأخيرة، مع العلم أن اللاعب نفسه واجه الحاسوب ذاته في مناسبتين سابقتين وهزم هذا الجهاز عام 1989، وعام 1996، لكن نسخة الكمبيوتر المهزومة آنذاك، كانت مقدرتها في الحساب تعدّ بـ180 مليون نقلة في الثانية الواحدة، بينما النسخة المعدلة منه عام 1997، فخارقة وفق لحظتها التاريخية، إذ مقدرتها تُعدّ بـ200 مليون نقلة في الثانية، رجحت كفّة انتصار الكمبيوتر.

أمّا المثير في الطريقة التشريحية لفوز الحاسوب على كاسباروف، بحسب خبرة المهندسين، فهو أنّ الجهاز قام بنقلة غير متوقعة، بغير ما منطق، والسبب خلل طارئ في برمجته، وهذا ما ضاعف من ارتباك وتوتر كاسباروف، الذي استسلم أخيرا، متّهما المبرمجين بالتلاعب والغش، فطالب بمباراة بديلة لم يستجب لها فريق "ديب بلو"، إذ فككوا الحاسوب في النهاية.

عُدّ هذا الانتصار طفرة البدايات، في تاريخ الذكاء الاصطناعي، إذ بالاستناد إلى هذا المنعطف طُورت خوارزميات الآلات بأعتى تعقيدات التفكير الرياضي، والطموح أن يتخطّى سقف التّفكير الإنساني المركّب.

على مقاس مواجهة لاعب الشطرنج كاسباروف للحاسوب، بادرت مجلة "Nouvel Obs" عام 2025، إلى استدعاء الروائي الفرنسي هرفي لوتلييه، عضو جماعة "أوليبو"، صاحب رواية "الخلل" أو "الشذوذ" الحاصلة على جائزة "غونكور" عام 2020، ليواجه نسخة مبتكرة من نظام الذكاء الاصطناعي، وكانت قواعد المنافسة، أن يشرع كلّ منهما على حدة، في كتابة نص قصصي (3000 كلمة)، يبدأ بجملة محددة مسبقا، هي: "لمح في مكتبه جسد الكاتب بلا روح" وينتهي بجملة محددة سلفا أيضا، هي: "كل شيء يُغتفر، فكرتْ قبل أن تختفي"، شرطَ أن لا يعرف القراء لاحقا، أيّ النصين كتبه الروائي هرفي لوتلييه، مقابل الذي كتبته الآلة الذكية.

وكان الرهان هو، هل بمقدور الآلة الذكية، ابتكار نص أدبي، يضاهي ما يبدعه كائن بشري، كاتب حقيقي بالأحرى، وآلت المواجهة إلى محصلة مثيرة، جعلت الروائي هرفي لوتلييه نفسه، يفصح: رائع، هذا مدهش!

فنصّ الذكاء الاصطناعي لم يكن سيئا، بل جاء رصينا في حبكته، مع صوغ سردي وتخييلي مقنع، وبالتالي فقدرة الآلة الذكية على التركيب خارقة بصورة مقبولة. لكن بالمقابل يفتقد إلى الأصالة، والعمق الإنساني في شقِّه الوجداني، العاطفي، بملء الحواس، من ناحية، وفي شقه الوجودي من ناحية أخرى.

أما المفاجأة فكانت أن مجمل القراء لم يفرقوا بين النصين، أيهما كتبه كائن بشري فعلا، وأيهما ابتكرته التقنية الذكية، ونسبة كبيرة منهم رأت في نص الآلة الذكية أثرا إنسانيا، وفي نص لوتلييه أثرا تقنيا.

وقياسا إلى ذلك، تداعت رؤى نقدية، حول ما يستطيعه الذكاء الاصطناعي مستقبلا، وقد أمسى ضرورة، ونمط استعمال كاسح، مع رفع شارة التنبيه الحمراء، بأن حدود إشراكه في العمل الأدبي يجب أن تتحقق باحتوائه كأداة لصالح الإبداع الإنساني، وليس العكس.

المفاجأة كانت أن مجمل القراء لم يفرقوا بين النصين، أيهما كتبه كائن بشري فعلا، وأيهما ابتكرته التقنية الذكية


ما لا يمكن التغاضي عنه في هذه المجابهة، هو أن الإرشادات الإبداعية المسماة "Prompts" كان يديرها الصحافي بينوا رافاييل في هذا التباري، مما يجعل منجز الذكاء الاصطناعي ليس خالصا، باستناده إلى تدبير إنساني، وكيفما نجحت خوارزميات الآلة الخارقة، لن تكون بديلا للخلق الأدبي الإنساني، فهذا في أبدع صوره يتفرد بعمق وجودي، وعاطفي، فضلا عن أصالة تخييله، في حين يظل الابتكار التقني للآلة الذكية، هجينا، والسبب جهله المطبق عما يعنيه أن تكون إنسانا، أن تحب، وتخاف، أن تتألم أو تفرح مثلا.

ولأن ما يستند إليه الذكاء الاصطناعي في تدويره الحاذق للنصوص، هو إنتاج أعمال أدبية ملفقة بالسطو على متون إبداعية كلاسيكية وحداثية راسخة في الذاكرة الإنسانية، الكونية، عبر تقنيات النسخ والتوليد والتركيب واعتماد الإرشادات والتحويل، لغة وتخييلا وموضوعا وشكلا، بادر كُتَّابٌ معاصرون، إلى توجيه رسائل شجب وتنديد، والتوقيع على قائمة رفض اعتماد بيانات أعمالهم الأدبية في ما يرونه قرصنة فادحة من شركات الذكاء الاصطناعي لمنتوجهم الفكري والأدبي والجمالي واستغلاله في تدريب وتغذية  نماذج شرهة من هذا الذكاء اللاأخلاقي، دونما استشارة، وضمت رسالة جماعية من الكتاب في 20 يوليو/تموز 2023 كلا من مارغريت أوتوود، وفيت تانغ نجوين، كما ضمت عريضة ثانية في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2024 صاحب نوبل، كازوو إيشيغيرو، في حين جنحت طائفة من المبدعين إلى رفع دعاوى قضائية، ضد شركتي "ميتا" و"Open Al"، مثل جورج سوندرز وجوناثان فرانزن وجودي بيكولت، وبالمِثْلِ قاد اتحاد الكتاب الأيرلنديين احتجاجا أمام البرلمان في 17 أبريل/نيسان 2025.

font change

مقالات ذات صلة