مستقبل الجماعات المتطرفة المنتسبة للسُّنة

امام الجماعات المحسوبة على السُّنة نموذج بديل ومختلف عن الحالة الإيرانية

مستقبل الجماعات المتطرفة المنتسبة للسُّنة

استمع إلى المقال دقيقة

مع الحرب في إيران والتي قضى فيها المرشد علي خامنئي، ينبثق سؤال عن مستقبل الجماعات التي تبنت العنف وسيلة للتغيير السياسي من المنتسبين إلى السُّنة، ولو في مرحلة من حياة تلك الجماعات، أو في شق من خطابها التنظيري. جماعات كثيرة مثل "الإخوان"، وتيارات قتالية أخرى، ما المآل المتوقع عليها بعد الضربات التي وجهت للنظام الإيراني؟ فتلك الجماعات تنتسب إلى التراث العقدي السني. هل سيكون إضعاف إيران (بنظام ولاية الفقيه) تقوية لها من حيث سعيها لملء الفراغ الثوري؟ أو هو إضعاف بالتبعية لها رغم ما يفصلها من حاجز عقدي ومذهبي؟

وللإجابة عن هذا السؤال ينبغي الرجوع إلى خمسينات القرن الماضي، قبل الثورة الإيرانية في 1979، وقبل الحرب في أفغانستان التي بدأت في العام نفسه مع دخول الجيش السوفياتي إليها. ففي 1953 عقد مؤتمر في القاهرة بعنوان "مؤتمر القدس" وكان فيه سيد قطب المنظر الأشهر لجماعة "الإخوان"، وانبثقت من استلهام أفكاره كثير من الجماعات المسلحة، وفي المؤتمر ألتقى قطب مع نواب صفوي الذي أسس منظمة تدعى "فدائيان إسلام" وأعدم في سنة 1956 بعد إدانته بمحاولة اغتيال رئيس وزراء إيران.

وبعدها بعشر سنوات نفذ الإعدام بسيد قطب 1966 في مصر، بتهمة العمل على الانقلاب ومحاولة اغتيال رئيس الجمهورية حينها جمال عبد الناصر.

كانت تلك المرحلة لتأسيس ما سمي بالثورية المنتسبة في أفكارها للإسلام، سواء في شقها المنتسب إلى السنة، أو إلى التشيع، والاستلهام المتبادل كان كبيراً بعدها، حتى إن علي خامنئي الذي قتل قبل أيام، كان قد ترجم كتاب "المستقبل لهذا الدين" لسيد قطب إلى الفارسية، مع مساهمته بترجمة ثلاثة كتب أخرى لسيد قطب، وهو ما يظهر التقارب بين أفكار سيد قطب وكيف عبرت حاجز المذهبية، وفي الوقت نفسه عبر الإخوان في كتبهم ومقالاتهم عن إعجابهم بما حدث في ثورة 1979، فقد كتب الغنوشي عن ذلك كثيراً، واعتبر أنهم شاهدوا التطبيق العملي للأفكار الثورية التي قرأوها في كتب سيد قطب، ورأوا في وصول الخميني إلى السلطة إلهاماً لهم بالوصول إليها، بل لفتهم ذلك إلى طريقة عمله في تحريك الجماهير في الميادين مما كان له تأثير في دعواتهم المتكررة للحشود بالنزول إلى الشوارع مع الخلافات السياسية، أو إبداء التعاطف مع قضايا في العالم وكانوا في ذلك يستعرضون قوتهم على ضبط الشارع أمام الدول العربية.

الجماعات المحسوبة على السُّنة أمامها نموذج بديل ومختلف عن الحالة الإيرانية، فالمتوقع هو ضمور وضعف تلك الجماعات في الوسط السني


ولا يوجد نظام استطاع الصمود والبقاء منذ ثورة إيران، وحسب على تلك التوجهات، سوى النظام الإيراني بمرشده الخميني، ثم علي خامنئي. لكن الذي جد أنه في سوريا نجحت الفصائل المعارضة والتي لا تخفي انتماءها السني في الوصول إلى الحكم، وهروب بشار الأسد في 2024، لكن الذي قدمه السوريون الثوريون مختلف، فلم يرفعوا شعارات تدعو لإسقاط الدول العربية، ولا تصدير الثورة، ولا الحرب على الولايات المتحدة، بل تقاربوا مع الدول العربية، وأصبحوا جزءا من التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش"، وزار الرئيس أحمد الشرع البيت الأبيض، كما زار موسكو، في نموذج غير معهود من الثوريين الإسلاميين منذ الثورة الإيرانية 1979.
فلماذا رفعت إيران عناوين المواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية؟ ولماذا كان سيد قطب يتبنى مخاصمة الغرب كذلك؟ واحدة من الأمور المهمة هنا ملاحظة أن الوسط السياسي الذي تحرك فيه سيد قطب كان ما عرف بثورة 1952، بوصول الضباط الأحرار إلى الحكم وإزاحة الملك عن حكم مصر وتحويلها إلى جمهورية، وسلكوا مسلكاً أقرب إلى الشعارات الثورية الاشتراكية التي ذاعت في القرن العشرين منذ الثورة الروسية 1917، فنادى عبد الناصر بتأميم قناة السويس والجلاء، وتحرير المنطقة من التبعية للغرب، وبهذا أقام علاقات جيدة مع الكتلة الشرقية التي كانت محكومة بأنظمة شيوعية.
وبهذا أعاد سيد قطب الكرة، وقد رصد شعبية ناصر أمامه، فعاد إلى أسلمة الحالة الثورية تلك، ومع نجاح الثورة في إيران صاروا يرون أنفسهم على أنهم البديل القادم الذي يملأ فراغ رحيل الشيوعية التي رحلت عن الجاذبية العالمية في تلك المرحلة قبل السقوط الرسمي للاتحاد السوفياتي سنة 1991، لذلك فإن إضعاف إيران، أو سقوط النموذج الذي قدم سنة 1979 يعني إضعاف مختلف الجماعات التي تأثرت بذلك، ولذلك لا تخفي تلك الجماعات تعاطفها مع إيران، بما في ذلك تنظيم "القاعدة"، سيما مع ملاحظة معطى أساسي ومفصلي كان له ما بعده، وهو التدخل الإيراني لدعم نظام بشار الأسد ما بين 2011-2024 سواء في الدعم السياسي أو التورط العسكري العلني منذ 2013.
لقد كان ذلك التدخل هو العامل الأكبر في إحداث شرخ ملموس في تلك الجماعات عن إيران، حتى إن بيانات جماعة "الإخوان السوريين" تخالف توجهات الجماعة الأم المصرية، فيما يتعلق بالملف الإيراني. وفي وجود تيارات نجحت في الوصول إلى السلطة وقدمت خطاباً مخالفاً عن الخطاب الإيراني أو المتأثر بالاشتراكية، كما في الحالة السورية فهذا يعني أن الجماعات المحسوبة على السُّنة أمامها نموذج بديل ومختلف عن الحالة الإيرانية، فالمتوقع هو ضمور وضعف تلك الجماعات في الوسط السني، لا أنها ستزداد زخماً لتزاحم إيران في مناطق انسحابها أو لتحقيق شعبية، فالمؤشرات تدفع نحو تآكل جاذبية التيارات المتطرفة المنتسبة إلى السنة، بحيث يصعب أن تعود لنموذج قديم قد أسهمت الأحداث في تجاوزه. 

font change