مع الحرب الإيرانية، قفزت عدة تحليلات تراهن على قدرة الصمود الإيراني، مستندة إلى مساحة إيران وموقعها الاستراتيجي في الخليج، والتضاريس الوعرة التي تصعب السيطرة عليها بريا، وصولا إلى عدد سكانها الذي يزيد على 90 مليون إنسان، إضافة إلى حدودها المفتوحة غير المراقبة بصورة جيدة من جهة أفغانستان، وفي الوقت نفسه يبرز غياب تصور واضح للنظام الإيراني حول كيفية خروجه من هذه الحرب التي قصف فيها دول الخليج. فبعيدا عن المغرمين بالحرب كمحفز للأدرينالين، لا بد من فهم "وعورة السياسة" التي تقبل عليها إيران، والتي قد تزيد على وعورة تضاريسها.
فهذه الحرب خاضتها الولايات المتحدة مع إسرائيل عن طريق القصف الجوي وتدخل استخباراتي محدود، بما يظهر أن الهجوم على إيران كان المقصود منه إضعاف النظام إلى درجة كبيرة، بدلا من التورط في اجتياح عسكري بري يستنزف الكثير من الأموال والدماء، وبهذا فإن العوامل المذكورة- من عدد السكان أو التضاريس- تكون في صالح عدم احتلال إيران مباشرة، لكنها مع ذلك قد تكون عدوا للنظام والدولة؛ فالخيار الذي يتحدث عن حرب طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، يعني بالضرورة انتهاء الدولة، لصالح خوض حرب عبر مجموعات على طريقة الميليشيات.
وخلاصة هذه النظرة تتمثل في انحلال الدولة وتخليها عن مسؤولياتها المعتادة، وتنتقل تلك المسؤولية إلى الدولة المحتلة، وتتقسم الوحدات العسكرية حينها إلى مجموعات لاستهداف القوات الغازية، هذا الخيار الذي يتردد في الإعلام أحيانا يعني حقيقة واحدة: إنهاء الدولة والنظام؛ فلن يكون هؤلاء الذين يشكلون مجموعات محتمية بصعوبة التضاريس "رجال دولة"، ولن يكون لهم أي جهة سيادية يشغلون وظائفها، بل يتحولون إلى مقاتلين على نحو ما كان لطالبان في أفغانستان، على أن طالبان لم تكن تشكل دولة كإيران بمشاريع طويلة استنزفت جهودا ومقدرات عبر عقود، فلم يكن الأمر بالنسبة لطالبان أكثر من تكلفة في الخسائر البشرية، في حين إن اندفعت إيران في المواجهة إلى نهايتها ستخسر كل ما راكمته كدولة وتعود إلى الصفر، إلى حالة أشبه بطالبان.
وفي حالة أفغانستان مثالٌ لاستبعاد ما، راهن عليه بعض المتحمسين لهذه الحرب، بادعائهم أن روسيا والصين ستدعمان المقاتلين الإيرانيين، فقد كانت أفغانستان أقرب إلى البلدين، ورغم وجود الولايات المتحدة فيها بما لا تحبذه روسيا أو الصين، فإنه لم يسجل لهما دعمٌ فعال في سير العمليات ضد واشنطن حينها، فالواقع أن الدولتين الكبيرتين أظهرتا أن ترك التدخل هو الذي في صالحهما، بإشغال الولايات المتحدة بترتيب أوراقها بنفسها، دون إعطاء الصراع بعدا عالميا كما حدث في الحرب الباردة، وفي أفغانستان مثالٌ آخر على ما يكون للعدد السكاني من احتمالية خطرة، إذ انقسم الأفغان أنفسهم ما بين تحالف الشمال، ومناصري طالبان، ولن تعدم إيران في تنوعها العرقي والمذهبي مثل هذه المظاهر، فالعدد السكاني لا يمثل كتلة واحدة منحازة إلى النظام الإيراني.
العودة لمنطق القتال المُحتمي بالتضاريس يعني غياب الصناعات الكبرى وتكلفة بشرية هائلة
والعودة لمنطق القتال المحتمي بالتضاريس يعني غياب الصناعات الكبرى وتكلفة بشرية هائلة، ففي الحرب العالمية الثانية، قتل في الاتحاد السوفياتي أكثر من 20 مليون شخص حتى استطاع الانتصار على ألمانيا، وما يغفل عن ذكره كثيرون أن الولايات المتحدة دعمت حينها الاتحاد السوفياتي في حربه مع النازية، فزودته بمقدرات هائلة من الدعم اللوجستي، فأرسلت إليه 14 ألف طائرة، و13 ألف دبابة (منها دبابات شيرمان)، ونحو 400 ألف مركبة! وهو أمرٌ مستبعد في حالة إيران، فلن تغامر الصين أو روسيا- المشغولة في أوكرانيا- بحرب عالمية لأجل طهران.
فإن كان هذا الحل ليس في منطق "الدولة" متى ما أدار دفتها سياسيون يحرصون على بقائها، فإنهم يندفعون إلى خيار آخر عبر عنه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي تجاوز المحددات الأخلاقية وصرح بأن الإيرانيين يضغطون على دول الخليج لتضغط الأخيرة على الولايات المتحدة، وهذا يعني أنه يتصور دول الخليج "رهائن" يمكنه تهديد واشنطن بها، وهذا الخيار وإن كان له تأثير على الأسواق المالية فإنه لا يحقق استراتيجية بعيدة المدى؛ لأن الخسائر الاقتصادية تصيب الأسواق العالمية عموما، فضلا عن كونهم لا يتحكمون بإيقاع الحرب، فقد ترتفع التكلفة على النظام برفع وتيرة استهداف رجاله، وصولا إلى جسور الدولة ومحطات طاقتها، بما يخلق فجوة سياسية تنعكس على نوع الاختيارات السياسية، وهذه وعورة تتجنبها كل الدول، وتزيد في إيران تعقيدا ما بين التضاريس والسياسة!