مرصد الأفلام... الأمومة في أبرز النتاجات السينمائية الحديثة

مرصد الأفلام... الأمومة في أبرز النتاجات السينمائية الحديثة

نتعرف من خلال هذه الزاوية إلى أحدث إنتاجات السينما العربية والعالمية، ونسعى إلى أن تكون هذه الزاوية التي تطل مرتين في الشهر، دليلا يجمع بين العرض والنقد لجديد الشاشة الكبيرة، على أن تتناول الأفلام الجماهيرية والفنية، من الأنواع كافة، بالإضافة إلى إعادة تقديم فيلم من ذاكرة السينما الكلاسيكية. هذه الحلقة نخصصها بمناسبة "عيد الأم" لبعض أبرز النتاجات العربية والعالمية الحديثة التي تتناول عالم الأم وتعقيداته.

Perla

سيناريو وإخراج: ألكسندرا ماكاروفا

بلد الإنتاج: سلوفاكيا، النمسا

في فيلمها الروائي الطويل الثاني "Perla"، تواصل المخرجة ألكسندرا ماكاروفا نبشها داخل ذاكرة الهجرة، مستعيدة زمن الحرب الباردة في ثمانينات القرن الماضي، بين قطبي المعادلة آنذاك، مع اكتفاء واضح بمنظورها النسوي دون الانسياق وراء المسار المعتاد وتبني موقف سياسي محدد، رغم تقاطع الأحداث مع وقائع تاريخية، أبرزها الحياة تحت نظام تشيكوسلوفاكيا الشمولي. يفتح هذا المزج بين الواقع والخيال أمام المخرجة مساحات واسعة لاستكشاف مفاهيم الأنوثة من زوايا متعددة، الأمومة إحداها، فبطلتها امرأة غير تقليدية، بمسحة هوليودية محتملة، تحب الحياة الأسرية، لكنها تسعى إلى تجاوز قيود ربة المنزل المطيعة.

عرض الفيلم عالميا للمرة الأولى بمهرجان روتردام السينمائي في دورته الأخيرة، حاصدا عددا من الجوائز لاحقا في أكثر من مهرجان، منها جائزة الاتحاد الدولي، الفيبريسي، وجائزة الجمهور.

يدور الإطار الدرامي للفيلم حول امرأة مهاجرة، تحاول حماية حياتها الجديدة من ماض لم ينته، خصوصا بعد خروج زوجها السابق من السجن، تصطحب ابنتها وماضيها بالسهولة نفسها التي تركبان بها معا الدراجة الهوائية بسعادة غير عابئتين بما حولهما، قبل أن تتوتر الأحداث. فيما تعمدت المخرجة رسم شخصيتها على غير المعهود، فبدلا من تصوير الأمومة كمثال للتضحية أو الفضيلة، تسمح ماكاروفا لبطلتها بأن تكون متناقضة، متحفظة في بعض الأحيان، ومندفعة في أحيان أخرى، بما يتحدى التوقعات النمطية للسلوك المعهود للأم.

فيلم "Perla"

كذلك تظهر ملامح السيرة الذاتية على العمل بوضوح، إذ تستعيد المخرجة، على لسان بطلتها، المولودة في سلوفاكيا، تاريخا من النزوح المتكرر عبر أجيال من عائلتها، بدءا من المنفى في روسيا وصولا إلى الهجرة خلال الحقبة السوفياتية. ينعكس هذا الإرث أيضا في المعالجة البصرية للفيلم، منذ اللقطة الافتتاحية عند البحيرة، التي تمهد لرحلة مشحونة بالذاكرة والقلق، حيث نجح التصوير في إبراز التباين بين ألوان فيينا الهادئة، بما تحمله من حياة مستقرة ظاهريا، وبين أجواء تشيكوسلوفاكيا الشيوعية القاتمة، انعكاسا للصراع الداخلي للبطلة.

وفي هذا السياق يأتي أداء ريبيكا بولاكوفا في دور بيرلا لافتا، بما يحمله من مشاعر متباينة، تبلغ ذروتها في لحظات التوتر الصامت، يتعزز هذا الحضور عبر تناغمها التمثيلي مع ابنتها جوليا (كارمن دييغو)، في علاقة تضيف للفيلم مساحة إضافية من الالتباس العاطفي.

Love Me Tender     
سيناريو: كونستانس ديبري، بمشاركة المخرجة

إخراج: آنا كازيناف كامبيت

بلد الإنتاج: فرنسا

تختبر المخرجة الفرنسية آنا كازيناف كامبيت في فيلم "Love Me Tender"، صورة جريئة للأمومة، لتخرج بها من إطارها المألوف إلى منطقة غير معهودة، بل مستهجنة في كثير من الأحيان، ما وضع بطلتها في موضع مساءلة مستمرة، لا تتعلق فقط بقرارها، بل بمدى أحقيتها في اتخاذه من الأساس، وهو ما يتكرر مع نماذج لأمهات تخلين عن أبنائهن، برغبتهن أو مكرهات، سعيا وراء بداية جديدة مع شخص آخر.

سياق مألوف، سبق استهلاكه مرارا، غير أن المعالجة الدرامية التي تقدمها كامبيت تنحرف عن هذه الزاوية لصالح دراما أكثر حساسية وإثارة للجدل.

فيلم "Love Me Tender "

فحين يكون هذا الآخر امرأة أيضا، لا يعود الصراع مجرد نزوة أو مشاعر عاطفية، بل مساحة للاختبار المجتمعياختبار مزدوج لا تتوقف نتائجه عند حدود الذات، بل تمتد لتصيب أطرافا أخرى لا تملك موقعا داخل الصراع، لكنها تتحمل تبعاته كاملة، ومن جهة أخرى، تظهر فكرة قدرة المجتمعات باختلاف ثقافاتها على استيعاب ما يخرج عن النموذج الصارم، وبذلك، لا يقدم الفيلم حكاية عن الفقد أو الخسارة بقدر ما يطرح سؤالا إشكاليا حول إمكانية أن يعيد الإنسان تشكيل حياته، محافظا عى قدر من الخصوصية الطبيعية، لا تسبب وراءه خسائر لآخرين. عرض الفيلم للمرة الأولى عالميا في مهرجان كان السينمائي، في دورته الأخيرة، وذلك ضمن مشاركته في قسم "نظرة ما" المخصص للأصوات السينمائية الجديدة.

Solo mamma           

سيناريو: يورغن فيروي فلاسنيس، مادز ستيغر، بمشاركة المخرجة

إخراج: جانيك أسكيفولد

بلد الإنتاج: النرويج، ليتوانيا، الدنمارك، فنلندا

بعد عدد من التجارب القصيرة والتسجيلية، تخوض المخرجة النرويجية تجربتها الروائية الطويلة الأولى مع فيلم "Solo mamma"، الذي تنطلق أحداثه من فرضية تبدو مألوفة ظاهريا، قبل أن تتحول تدريجيا بتصاعد الحدث الدرامي إلى منطقة أكثر تعقيدا، حين تجد البطلة إديث، وهي أم عزباء تعمل بالصحافة (تقوم بتجسيدها ليزا لوفن كونغسلي) نفسها مضطرة لتتبع الأب الغائب، بما يعيد تشكيل علاقتها بذاتها وبطفلها، حيث تقرر كسر حلقة انتقال الجينات ساعية للتعرف على المتبرع، في محاولة لإعادة تعريف علاقتها بفكرة الأبوة ذاتها. لكن، بمرور الوقت ومع تكرر اللقاءات، يبدأ هاجس جديد لسؤال يفرض نفسه: هل من الممكن أن يصبح الشخصان الغريبان زوجين حقيقيين، لمجرد إنجابهما طفلا دون اتصال سابق.

في هذا السياق، يمزج سيناريو الفيلم بين مستويين، فيسخر من العلاقة مع الآخر ويدينها في الوقت نفسه، ويتجلى ذلك في جملة عابرة ودالة رغم استنكارها، "كل ما فعلته أنني مارست العادة السرية في كوب". وفي المستوى الثاني، ينجح الفيلم في التقاطع مع مخاوف الغياب الأبوي التي تعاني منها أمهات كثيرات، ليقدم قراءة معاصرة للأمومة الفردية.

فيلم "Solo mamma"

في حوار سابق، أشارت أسكيفولد، إلى أنها استلهمت القصة من واقعة حقيقية لصديقة لها، قبل أن تعيد تطويرها دراميا عبر بحث اجتماعي وفني، في تماس مع أعمال فنية مشابهة، مثل الفيلم الكندي "Starbuck" (2011)، وفيه يواجه رجل أربعيني شكاوى من مئات الأشخاص الذين ولدوا عن طريق التلقيح الاصطناعي باعتباره والدهم البيولوجي، في سياق عالمي تتزايد فيه عمليات الإنجاب بالمتبرعين كخيار متاح للأسر الحديثة.

عرض الفيلم عالميا لأول مرة ضمن مسابقة الأفلام الرسمية لمهرجان لوكارنو السينمائي في دورته الأخيرة، ورغم أن العمل لا يخلو من خفوت إيقاعي في بعض لحظاته، فإنه يظل كتجربة أولى متماسكا بشكل كبير، تجنبت فيه المخرجة، بقدر المستطاع، غواية الاختصارات السهلة، ساعية إلى تأسيس صوت إخراجي واع بتفاصيل عالمه، نجح في مساءلة الشكل العائلي التقليدي، واختبار حدود التحولات التي تطرأ عليه في سياق معاصر متغير.

Donkey Days           

سيناريو وإخراج: روزان بيل

بلد الإنتاج: ألمانيا، هولندا 

عرض فيلم "Donkey Days"، تأليف وإخراج روزان بيل، للمرة الأولى عالميا ضمن مشاركته في المسابقة الرسمية لمهرجان لوكارنو السينمائي في دورته الأخيرة. وفيه، تكمل المخرجة رحلتها في تتبع أشكال معقدة من العلاقات الأسرية، ما بدأته في فيلمها الأول "Light as Feathers" (2018)، حيث تناولت كيف يمكن لعلاقة مسيئة بين مراهق وأمه أن تؤثر على العالم الخارجي. هذه المرة، تنسج حكايتها حول شقيقتين بالغتين، آنا (جيل كرامر)، في أول أدوارها السينمائية، وشارلوت (سوزان وولف)، في حين تنطلق الأزمة من الصراع المستمر بين الشقيقتين للفوز باهتمام والدتهما، التي تقوم بدورها الممثلة المخضرمة هيلدغارد شمال، والتي نجحت في تجسيد شخصية مركبة توهم المشاهد في البداية بأنها تسعى لتحقيق التوازن بين ابنتيها، بينما هي في الواقع تؤجج التنافس بينهما، فهل فعلت ذلك عن قصد، بدافع التلاعب، أم دون وعي منها.

في حين لا يقدم الفيلم إجابات قاطعة لما يطرح من مشكلات وأزمات نفسية، يعكس من زاوية أخرى، أسلوبا نقديا ساخرا للمجتمع، حيث تتحرك الشخصيات بين جدية الحياة اليومية وفكاهتها المرة، ليصبح الضحك أحد أشكال الصمود والمقاومة أمام عبثية الحياة، والرهان على البساطة المراوغة أداة لاستكشاف تعقيدات النفس البشرية، في تعاملاتها مع الآخر.

فيلم "Donkey Days "

كوميديا سوداء شبه مرتجلة، تتلاءم مع العداء الخفي المتنامي بين جميع الأطراف، والذي لا يقوم على الأداء التمثيلي المميز فحسب، بل يتفاقم هذا الشعور بصريا، عبر كاميرا محمولة غير ثابتة، ولقطات أفقية متكررة يصاحبها مونتاج تعمد الخشونة، إلى جانب موسيقى تصويرية متنافرة زادت من حالة هذا الاضطراب، ما قد يشعر المشاهد بالارتباك أحيانا، إذ لا تعرض الحبكة دائما بالترتيب الزمني، كما تستحضر المخرجة واقعا افتراضيا، يختلط فيه الخيال بالحقيقة، وتلتقى فيه الشقيقتان بوالدتهما في شبابها.

A Messy Tribute to Motherly Love 

سيناريو وإخراج: دان جيسين

بلد الإنتاج: بلجيكا، ألمانيا، هولندا

تدور أحداث فيلم "A Messy Tribute to Motherly Love"، في عالم سيريالي يبتعد عن السرد التقليدي معتمدا على تراكيب تجريبية، لا تخص الكاميرا فحسب، سواء في حركتها غير الثابتة أو في تجاور الصور واللقطات المتقطعة، بل تشكل ملامح هذا العالم الذي يتطلب فيه الرغبة في التكاثر تضحية جسدية، عالم يمكن أن يودي فيه التوتر بحياة الإنسان.

هكذا يشكل المخرج المفاهيم الأساسية لفيلمه، متجاوزا حيز الغرائبية المادية، الجسدية، إلى دراما أكثر عنفا وعبثا، نجحت في خلق إحساسا بفوضى تتماشى مع العنوان، لم تخل من تأمل فلسفي في العلاقات الإنسانية، كاشفة في كل مرة معنى جديدا للحب الأمومي، بما في ذلك، الرعاية والرغبة والسعي وراء السعادة المصطنعة.

فيلم "A Messy Tribute to Motherly Love"

من هذه الفوضى الإنسانية، صنع جيسين شخصيات بدت أقرب لشخصيات روايات ميلان كونديرا الغرائبية، متأرجحين بين الخيال والحلم، فهناك غرف صممت لتمكين المواطنين من الموت دون إزعاج الآخرين، إلى جانب أنظمة متخصصة للتخلص من رفات الجثث، بينما يبقى الكثير من الجوانب غير مستكشف، حياة يومية تبدو قريبة بشكل غريب من واقعنا، وإن كانت أكثر ريفية وهدوءا، ما قد يفرض قواعد سلوك أكثر صرامة أو محكمة عاطفيا، على الأقل.

من ذاكرة السينما

يوم مر... يوم حلو

سيناريو: فايز غالي

إخراج: خيري بشارة

بلد الإنتاج: مصر

"قصة الفقراء في مصر"، هكذا جاء وصف الكاتب الصحافي، مصطفى أمين، معتبرا أن ما قدمته سيدة الشاشة العربية، فاتن حمامة، في فيلم "يوم مر... يوم حلو" (1988) للمخرج خيري بشارة، هو أعظم أدوارها على الإطلاق. والمتابع لسينما بشارة يجد أنه رغم امتدادها لما يزيد على نصف قرن، لم تتجاوز أفلامه عددا من المحاولات، اتسمت في أغلبها بنزعة تجريبية واضحة، غير أن هذا الفيلم تحديدا ينحاز إلى واقعية حادة، تقترب من قسوة الحقيقة إلى حد يصعب احتماله عند البعض، ما تسبب في إصابة أحد المشاهدين بذبحة صدرية عقب مشاهدته للفيلم، كما روى خيري بشارة سابقا، مؤكدا أنه منذ تلك الواقعة، عزم على عدم تكرار التجربة، مفسحا المجال لاحقا لدراما خفيفة ومتكررة في أعمال مثل "كابوريا" و"آيس كريم في جليم".

استلهم خيري بشارة فكرة الفيلم من أحد صبية الورش في منطقة شبرا، قبل أن يصوغها في قصة بمشاركة فايز غالي، في بناء يتماس، على مستوى الخط الدرامي العام، مع عالم فيلم "بداية ونهاية"، المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ. مع اختلاف المعالجتين، تبقى معاناة الأم الأرملة مع أبنائها هي الثيمة المركزية، لكن ما يميز الفيلم هو الطريقة التي أعادت بها فاتن حمامة تشكيل نموذج الأم، متفوقة على نظيرتها أمينة رزق، عبر نقل الشخصية من القالب التراجيدي الصارخ إلى مساحة إنسانية أرحب، سواء على مستوى التجسيد الحرفي لاسم الشخصية، عيشة، وما يحمله من دلالات، أو من خلال الانتقال السلس بين حالات نفسية مختلفة تظهر الضعف والقوة أحيانا ولا تخلو من سذاجة في أحيان أخرى.

رغم الجو القاتم المسيطر على الفيلم، يختار بشارة أن يخفف من قسوة واقعيته في الختام، منحازا إلى الأمل، فبرغم تفكك الأسرة الصغيرة، تبتسم عيشة مع عودة الطفل الغائب، وهي تهدهد حفيدها الجديد بين ذراعيها، أملا في غد أفضل.

علق مشاهد من الجمهور على أحد مواقع تقييم الأفلام، متعجبا من انتظاره طوال أحداث الفيلم أن يأتي اليوم الحلو، كما يعلن العنوان، لكنه لم يأت أبدا. كان المشاهد محقا بالفعل، لكنه جلس كمن ينتظر غودو دون جدوى، إذ اختار بشارة استهلال عنوان الفيلم باليوم المر، لا كلحظة متغيرة بل كحالة ممتدة، تتكرر فيها المرارة حتى وإن تخللتها بعض الانفراجات، في المقابل، يبقى اليوم الحلو، مجرد احتمال لحلم مؤجل، أو وعد لا يتحقق، يتوارى مع توالي المصائب التي تطحن شخوص الفيلم داخل إطاره الميلودرامي. ومع استدعاء المقطع الدال لأحمد فؤاد نجم من أغنية التتر، "امسك نفسك جوه الملعب.. ده انت هتضحك لما تموت"، تحضر الحكاية كمن قال سابقا: سأروى لك مزحة ولكن لا تبكي.  

font change