في الصداقة الشعرية

في الصداقة الشعرية

في تاريخ الصداقة الشعرية، ما تفرد عن سواها من مشاعر الصداقات الأخرى قاطبة، ونعني بها ما خص به شاعر صديقه الشاعر قيد حياته، بقصيدة تقدير جليل، على سبيل التكريم والامتنان من ناحية أولى، وعلى سبيل كتابة بورتريه شعري بديع، يرسم بتخييل كلماته، وكيمياء صوره، ورمزية أبعاده ما يمثله هذا الصديق قيمة، شاعرا وإنسانا، وعلامة في نمط حياته وفنه معا، من ناحية ثانية.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد من التكريم القمين به، فما يفتأ الشاعر المحتفى به كصديق أن يرد تحية التقدير الجليلة تلك، بقصيدة من لدنه هو الآخر، لا كجواب عرفان وحسب، بل كبيان شعري يثمن الصداقة المشتركة إياها على نحو استثنائي، فيمعن في رسم بورتريه شعري جدير لصديقه الشاعر هو أيضا، من زاويته المفردة، راصدا عن كثب، من مسافة حميمة، ظلال سيرته، أطياف كينونته، مطبخه السري في اللغة والحياة، وعلاقته الوجودية والفنية، بالأشياء الرهينة بيومه، من غلس استيقاظه حتى غسق منامه، ومنها بيته، مدينته، مقهاه، ناسه وحيواناته، وقس على ذلك التقاطاته النبيهة في مهب مصادفاته، داخل معترك معيشه، صائدا أثر الأبدية في نهر الأشياء الزائلة.

اللافت في هذا الصنف من الصداقة الشعرية إذن، ما تبادله شاعران من تقدير عظيم، بأن يبادر أحدهما إلى إهداء قصيدة غائرة المحبة، إلى صديقه تكريما، وبالمثل يرد له هذا جلال التحية، بقصيدة ممهورة بالأثر النبيل ذاته، ليس إهداء بالصورة التي يقف فيها المعنى عند ذكر اسمه فقط، وإنما إهداء بصورة كاملة معنية بتخييل حياته، أيقونة وجوده، معيشه وفنه، وهلم أطياف لعبوره الحافل في المرايا، محدبة كانت أو مقعرة، واقعية كانت أو رمزية.

كتب وليام ووردزورث قصيدة عن صامويل تايلور كولريدج، مهديا إياها له عام 1802، موسومة بعنوان "المقدمة، نمو عقل الشاعر"، يستحضر فيها نزهة بهية، بمعيته في ضاحية المدينة، في إهاب الطبيعة، إذ إن مصدر توازنه هو روح الطبيعة بالتمام والكمال، بينما يبدو كولريدج شخصا قلقا، رماديا، منفصما في تفكيره المضطرب عن روح واقعه. بحسب القصيدة، يعاتب ووردزورث صديقه، بالنظر إلى عبقريته التخييلية، القائمة على حساب طمأنينته النفسية.

وفي عام 1807، يجيبه الشاعر تايلور كولريدج بقصيدة، مهداة إليه، يعرب فيها عن إعجابه بنصه الشعري "المقدمة، أو نمو عقل شاعر"، مع الامتنان لخطاب تأملاته الفلسفية، كأحد صفوة خبراء النفس البشرية، والممعنين في فهم أسرار الطبيعة، بل ويرفعه إلى مقام معلمه الروحي.

أما الشاعر الأميركي روبرت فروست، فكتب قصيدة "الطريق الذي لم يسلك" عام 1915، على سبيل الدعابة، وأهداها إلى صديقه إدوارد توماس، هذا الذي اعتاد أن يندم في مجمل نزهاته على الطريق الذي لم يسلكه، مخمنا أن الخيار الآخر دوما، كان الأفضل:

طريقان تشعبا في غابة

وأنا اتخذت الطريق الذي لم يسلك إلا لماما

وهذا ما صنع كل الاختلاف

بعدها بسنة، سيكتب إدوارد توماس قصيدة "كانت الشمس تشرق" 1916، ردا شعريا على سبيل الإهداء إلى روبرت فروست، متذكرا النزهة الفاتنة إياها في ضاحية ليدينغتون، الأشبه بجنة عدن إذا ما قورنت بأهوال الحرب، وهذا ما يستعر به بيته الشعري:

الآن كل الطرق تؤدي إلى فرنسا.

وفي الخطاب ندمه الصارخ عن اختيار طريق الالتحاق بالجيش في مهب الحرب، وكان مصيره المأساوي الموت عام 1917.

أما في التجربة الشعرية العربية، فلن نجد أفضل وأبدع من مثال سليم بركات ومحمود درويش، إذ بادر الأول في ديوانه "البازيار" الصادر عام 1991، إلى ترصيع أحجاره الكريمة بقصيدة متشعبة، تحت عنوان "محمود درويش"، مؤرخة بسنة 1989، ويأتي ترتيبها في فهرست الكتاب، الثالثة، أي ما قبل الأخيرة.

يستغرق سليم بركات في رسم إحداثيات مكان الشاعر، والحال أنه يرسم خرائطه زمنيا، ومثلما يفتح الشاعر النحيل أزرار قميصه ماضغا كصبي اللبان، مرتطما بأقدار يومه، ترافقه الريح في فتح خزائن المجهول، بينما تتعثر الأبدية بحقائبه المتكدسة في الأدراج.

اللافت في هذا الصنف من الصداقة الشعرية إذن، ما تبادله شاعران من تقدير عظيم، بأن يبادر أحدهما إلى إهداء قصيدة غائرة المحبة، إلى صديقه تكريما، وبالمثل يرد له هذا جلال التحية

يتعقب سليم بركات ظلال الشاعر الهلامية، كأنما يسعى وراء صدى نرد مصائره على مصطبة الحياة، فيرصد المشهد من شرفته المعدنية، ولا يفوته أن يحتفي بترنحه في المصعد، صائغا ثقل قلقه بمعيار الخفة، عابرا ردهة البيت المرقطة بأعقاب سجائر سهت عنها مكنسة الصباح، مدلفا إلى الرواق وقلب البيت، كأنه يدلف مجازيا إلى بيت شعره، ولا شيء يعلو على الأصص والحقائب.

يواصل بركات مسح المشهد بعين السينمائي، إذ ينفض غبار الرؤية عن محبرة الشاعر، وعلبة تبغه، وطقس قهوته، مقفلا بابتهاج الصباح إلى كسل صحوه من نوم منهوب الجهات في الأرائك، وصولا إلى سيرة قلبه صائحا: يا للقيامة.

وبعد جزيرة القلب في أرخبيل الشاعر محمود درويش، يمهر بركات نشيده بوصف نظارته، الميممة انتباهها شطر أشباحه. ثم لا يني يخوض في شؤون ملهاته، من رنة المفاتيح إلى غبار الأبدية، الطاعنة في هبوب السنونو.

وبالمثل سيرد الشاعر محمود درويش التحية الشعرية، في ديوانه "لا تعتذر عما فعلت" الصادر عام 2004، بقصيدة موسومة بعنوان "ليس للكردي إلا الريح"، ختم بها عنقود الديوان:

في زيارة الشاعر محمود درويش لبيت سليم بركات وفق توطئة القصيدة، يلفت انتباهه أول شيء، ما يتذكره الكردي عن غده، محاطا بإخوته الحمقى: طيور الكراكي! في حين يفصح أن هويته هي لغته، وكلماته هي عضلاته، ولا يفوته أن بيت الشاعر: نظيف مثل عين الديك، منسي كخيمة سيد القوم الذين تبعثروا كالريش.

يرصد محمود درويش أشياءه الغرائبية، وأسنها دهشة، سكاكينه المنذورة لذبح الطير والخنزير، وشرفته المطلة على مهوى الاستعارة.

سليم بركات وفق تخييل القصيدة إياها، شاعر بلا حقائب، يتماهى ظله بشجر الأكاسيا، سائسا خيل الأبجدية كخرفان، منتقما من الغياب، فيما يشوي قلبه كطريدة، مخاطبا المجهول بكنية أو لقب كبش المتاه السرمدي.

تلك صورة سليم بركات الضالعة في ألبوم الرعويات، شاعر القاموس السحري، الذي انتصر باللغة على الهوية بحسب محمود درويش، أو مجاز القصيدة بالأحرى، إذ وهو يسوس الهباء إلى مصائره العمياء، حتما يعي أن وصية الكردي إلى الكردي في المنفى هي الرياح.

font change

مقالات ذات صلة