في القراءة الجادة للنص السردي، ثمة عقد ضمني بين القارئ والنص. هذا العقد يتكون في لحظة التفاعل الحقيقي مع العمل الإبداعي، حين يكون القارئ مستعدا للتماهي مع ما قد يبدو عجيبا، أو خارقا للمنطق. ما يمكن أن نسميه هنا بـ"التواطؤ الجمالي" هو استعداد القارئ للدخول طوعا في منطق العمل الفني، وقبول قوانينه الداخلية بوصفها إطارا مؤقتا لفهم التجربة. وهذا الفعل ينتمي إلى صميم التجربة الإنسانية؛ لأنه يفعّل النص ويمنحه حضوره الحي داخل الوعي الإنساني.
هذا التواطؤ الجمالي يتصل بقدرة القارئ على قبول أفق الخيال الذي يقترحه العمل الأدبي، وعلى التفاعل مع غرابته باعتبارها جزءا من منطقه الداخلي. هذه المشاركة تذكر بما تحدث عنه مارتن هايدغر حين رأى أن الفن يكشف عن حقيقة الوجود، لأن العمل الفني يضع الكائن في حالة انكشاف. غير أن هذا الانكشاف لا يتحقق إلا في لحظة استقبال العمل ضمن الاتفاق الضمني مع منطقه. فالقارئ يحتاج إلى قدر من التصديق المؤقت أثناء القراءة، تصديق يسمح للنص بأن يعمل بكامل طاقته الجمالية حتى لو كان خياليا أو رمزيا أو غريبا. وبهذا المعنى يختفي السؤال الساخر الذي يواجه الفن أحيانا، وهو سؤال: ثم ماذا؟
وقد حاولت نظريات جمالية مختلفة توصيف هذه المشاركة بطرق متعددة. فالفكرة تقترب في أحد جوانبها مما وصفه الشاعر والناقد الإنكليزي صموئيل تايلور كوليردج بـ"تعليق الشك". فقد رأى أن القارئ يضع شكوكه الواقعية جانبا خلال التجربة الأدبية لكي يسمح للعالم المتخيل بأن يعمل داخل مخيلته. غير أن التواطؤ الجمالي يذهب خطوة أبعد، إذ يحول القارئ إلى شريك فعلي في التجربة النصية، وجزء من العملية التي يتكون عبرها المعنى.
إن التواطؤ بين القارئ والنص يشبه الانخراط في لعبة جمالية. ليست لعبة خداع أو تسلية عابرة، إنها تجربة مشاركة في بناء العالم الذي يقترحه النص، وهو ما عبر عنه جان لوك نانسي حين تحدث عن "ظهور الوجود عبر المشاركة".
لنتأمل عبثية "دون كيخوته". فالقارئ يضحك ويتفاعل مع الرجل الذي يحارب طواحين الهواء، لأن أفعال هذا الفارس الحالم تكشف مفارقة عميقة بين الوهم والواقع. هذه المفارقة تظهر حين يقبل القارئ مؤقتا بمنطق الشخصية نفسها. ومن دون هذه المشاركة يصبح العمل السردي فاقدا لجزء أساسي من معناه. يقول ميخائيل باختين: "إن الكرنفالية في النصوص، مثلما هي عند سيرفانتس، تفترض قارئا يشارك في قلب العالم رأسا على عقب... إن القارئ شريك ومؤسس لتلك العبثية، لأنها لا تكتمل إلا بتورطه".
التواطؤ الجمالي يحول القارئ إلى شريك فعلي في التجربة النصية، وجزء من العملية التي يتكون عبرها المعنى
أما أسطورة كعب أخيل، فهي لا تستقيم إذا قرئت قراءة واقعية، فنقطة الضعف في كعب البطل تكتسب معناها الكامل حين يقبل القارئ الدخول في منطق الأسطورة. هذا الدخول يسمح للفكرة بأن تعمل داخل فضائها الرمزي، وتكشف عن طبقاتها الجمالية.
ويمكن القول إن هذا النوع من المشاركة الجمالية يرافق الإنسان منذ لحظات السرد الأولى في التاريخ البشري. فالإنسان الذي كان يجلس حول النار ليستمع إلى الحكايات القديمة لم يكن يتعامل مع الأسطورة بوصفها خبرا تاريخيا أو واقعة حرفية، إنما بوصفها تجربة رمزية يتشاركها مع الراوي، فالحكاية مساحة مشتركة يتفق فيها الجميع ضمنا على الدخول في عالم مؤقت من الخيال يسمح بفهم العالم الحقيقي بطريقة أعمق.
وفي سياق نظريات التلقي، نجد أن فولفغانغ إيزر وهانس روبرت ياوس قدما تصورات تؤسس نظريا لما نسميه التواطؤ الجمالي. فإيزر يرى أن النص يحتوي على فراغات يجب أن يملأها القارئ. هذه الفراغات تملأ عبر التفاعل مع تفاصيل النص الحكائي، بما في ذلك العناصر الغرائبية التي يدعو النص القارئ إلى قبولها ضمن منطقه.
كما يؤكد ياوس أن جمالية العمل تتحقق في لحظة التلقي، أي حين يتقاطع أفق انتظار القارئ مع بنية النص، سواء بالموافقة أو بالتحول. وهذا التحول يحتاج إلى استعداد مسبق لدى القارئ، يسمح له بتجاوز ما يبدو غير معقول في القراءة الأولى.
تنشأ شاعرية الأدب من هذا التفاعل بين النص والقارئ. فاللغة والمجازات والبناء الفني تشكل جميعها عناصر جمالية تتكامل عبر مشاركة القارئ في منطق النص. فالفانتازيا في أدب كافكا وبورخيس، على سبيل المثال، تقرأ بوصفها احتمالات وجودية تسمح للنص بأن يفتح أمام القارئ آفاقا جديدة للفهم. وقد أشار بول ريكور إلى هذا الدور حين تحدث عن القراءة بوصفها نوعا من الخيال المنضبط الذي يعيد تصوير الواقع وفق بنية النص السردي.
وعندما يصر القارئ على قراءة كافكا كأنه يقرأ تقريرا، أو حين يبحث في نصوص بورخيس عن منطق هندسي صارم، فإن البعد الجمالي يتعثر داخل النص. فالتواطؤ الجمالي يشكل شرطا سابقا لتجربة الجمال، يبدأ منذ اللحظة الأولى لقراءة العمل السردي، منذ عنوانه، وحتى آخر تفصيلة فنية فيه.
ولا يقتصر هذا التواطؤ على الأدب وحده. فمشاهد السينما يمارس نوعا مشابها من المشاركة الجمالية. حين يرى عالما خياليا على الشاشة أو حدثا يتجاوز قوانين الواقع الفيزيائي، يكون مدركا أن ما يراه بناء فني، ومع ذلك يسمح لخياله بأن ينخرط في منطق الفيلم. هذه المشاركة الواعية تمنح الصورة السينمائية قدرتها على التأثير، لأن التجربة الجمالية تتكون حين يعيش المتلقي مؤقتا داخل قوانين العالم الذي يقترحه العمل السينمائي.
ولهذا السبب تتعثر القراءة التي تحاكم الفن بمنطق الوقائع اليومية. فالعمل الفني يفتح أمام المتلقي مستوى مختلفا من الفهم، مستوى تتحرك فيه الرموز والاستعارات والاحتمالات التخيلية بحرية. من دون هذا الاستعداد للدخول في المنطق التخييلي، تتحول عملية القراءة إلى تفكيك آلي لمكونات العمل، ويبقى المعنى الجمالي خارج التجربة.
التواطؤ بهذا المعنى تعبير عن وعي مركب، لحظة التقاء بين خيال النص ووعي المتلقي، اللحظة التي يصبح فيها الجمال ممكنا
إن التواطؤ بهذا المعنى تعبير عن وعي مركب يسمح للمتلقي بالدخول في المغامرة التي يقترحها العمل الفني. إنه لحظة التقاء بين خيال النص ووعي المتلقي، اللحظة التي يصبح فيها الجمال ممكنا. فالمعنى، كما يشير هايدغر، لا يعطى جاهزا، بل يكتشف. وهو لا يكتشف إلا حين يقبل المتلقي بالتورط في العالم الذي يقترحه العمل، أيا كان الأفق الذي يفتحه هذا المقترح.