بعد مشاهدتي فيلم "صراط" (2025) للمخرج الفرنسي أوليفر لاكس، ظل العنوان عالقا في ذهني على نحو لافت، فالإشارة الكثيفة للعنوان تختزن معنى يتجاوز حكاية الفيلم. العنوان الذي كان يعمل داخل الفيلم كقوة خفية، تنظم التجربة دون أن تعلن نفسها بشكل مباشر. هذه الحالة دفعتني مباشرة للعودة إلى عمل الفنان السعودي عبد الناصر غارم، الذي يحمل الاسم نفسه "الصراط" (2007)، وهو عمل كنت قد تفاعلت معه من قبل، لكنني هذه المرة عدت إليه مدفوعا بسؤال مختلف.
ما بدا في البداية تقاطعا اسميا بين الفيلم السينمائي والعمل الفني، أخذ يتكشف تدريجيا كتقاطع أعمق، يمس البنية التي يقوم عليها العملان. فالفيلم على الرغم من اختلاف وسائطه وسياقاته، يلامس في نقاط متعددة الأسئلة التي يطرحها عمل غارم الفني، من سؤال العبور، وحافة الخطر، والعلاقة الملتبسة بين الطريق والنجاة، وبين الحركة والسقوط أيضا. ومع التقدم في التأمل، لم يعد ممكنا التعامل مع هذا التشابه كمصادفة واردة بين الفنون، فهناك أبعاد مشتركة تشكل ما يشبه الحوار بين العملين، تجد في كل وسيط صيغة مختلفة للظهور.
ومن الضروري التنبيه إلى أن هذه المقارنة ليست محاولة للموازنة بين العملين، أو قياس أثر أحدهما على الآخر، فهي ليست أكثر من تجربة تتبع لنهج فكري وفني واحد، يتحرك بين حقلين فنيين مختلفين، السينما بوصفها زمنا يتحرك أمامنا، والفن المفاهيمي باعتباره حدثا يتكثف في لحظة ويستمر عبر توثيقه. وسوف نلاحظ كيف يتم التعبير عن الفكرة الواحدة رغم تغير الوسيط، الفكرة التي تعيد تشكيل نفسها بحسب شروط كل وسيط دون أن تفقد جوهرها.
ضمن هذا الأفق، يصبح "الصراط" أقل ارتباطا بمرجعيته الدينية المباشرة، وأكثر اقترابا من كونه بنية رمزية مفتوحة، تشير إلى حالة وجودية تتكرر بأشكال متعددة، مثل الاختبار غير المعلن، والمسار الذي يبدو واضحا في ظاهره، لكنه ينطوي على قدر كبير من الالتباس. ومن خلال هذه الزاوية، يمكن قراءة العملين باعتبارهما محاولتين لالتقاط هذه الحالة، كل بطريقته، وكل ضمن لغته الخاصة، لكن مع تقاطع واضح في العمق.
الزمن يتكون داخل الحركة
ينفتح هذا التقاطع على مستوى أعمق حين نقترب من طبيعة الفعل الذي يقوم عليه كل عمل، وما الذي يحركه من الداخل. في فيلم "صراط"، تتبع الحكاية مجموعة من الأشخاص الذين يعبرون فضاء صحراويا قاسيا في المغرب، في لحظة تبدو فيها الأرض نفسها على وشك الانفلات. الرحلة التي تمثل اندفاعا غير تقليدي داخل منطقة تتكثف فيها الأخطار، حيث يتحول الطريق إلى سلسلة من المواجهات مع المجهول (حرب على الأطراف وجغرافيا قاسية). وتصبح الحركة نفسها محكومة بإيقاع متوتر، يتداخل فيه الخطر مع نوع من الانجذاب الغامض نحو الاستمرار. الزمن هنا يتشظى مع كل خطوة، وكأن الشخصيات تتحرك داخل لحظة تتشكل وتنهار من تلقاء نفسها.






